ليبيا

انقسام القضاء يهدد حقوق القضاة.. ترقيات بين مجلسي طرابلس وبنغازي ومخاوف من ضياع الأقدمية والمستحقات

أزمة الانقسام القضائي في ليبيا تتصاعد.. قرارات الترقية تضع حقوق القضاة بين مطرقة طرابلس وسندان بنغازي

ليبيا 24

أزمة الانقسام القضائي في ليبيا تتصاعد.. قرارات الترقية تضع حقوق القضاة بين مطرقة طرابلس وسندان بنغازي

لم يعد انقسام المؤسسات في ليبيا مجرد خلاف على الصلاحيات والمناصب، بل باتت تداعياته تمتد إلى الحقوق الوظيفية والمالية لأعضاء الهيئات القضائية، في تطور يثير تساؤلات جدية بشأن قدرة المؤسسات المنقسمة على حماية حقوق العاملين بها، بعيداً عن تجاذبات مراكز السلطة والنفوذ.

وتتصاعد المخاوف في أوساط قضائية من أن تتحول الترقيات الدورية للقضاة ووكلاء النيابة وأعضاء إدارة القضايا والمحاماة العامة، ولا سيما العاملين في شرق البلاد وجنوبها، إلى ساحة جديدة للصراع بين المجلس الأعلى للقضاء في طرابلس برئاسة عبد الله بورزيزة، ونظيره في بنغازي برئاسة مفتاح القوي، بما يضع أصحاب الحقوق أمام خيارات لم يكن ينبغي أن تكون جزءاً من مسارهم المهني.

ترقيات متوازية وحقوق مهددة

وتتمثل بؤرة الأزمة، وفق المعطيات الواردة بشأن قرارات الترقية، في صدور حركتين قضائيتين عن المجلسين المنقسمين، استندت كل منهما إلى إجراءات تفتيش وتقارير كفاءة صادرة عن مفتشين مكلفين من الجهة التي أصدرت القرار.

فبعد حركة ترقية أصدرها مجلس بنغازي استناداً إلى إجراءات تفتيش أشرف عليها، صدر في التاسع من أكتوبر 2026 قرار آخر عن مجلس طرابلس، استند بدوره إلى تقارير مفتشين مكلفين من قبله، مع اعتماد التقارير التي أُحيلت إليه وفق الإجراءات التي حددها.

وبحسب المعلومات المتداولة، شمل قرار مجلس طرابلس بعض أعضاء الهيئات القضائية في المنطقة الشرقية، بينما لم يشمل آخرين، في ظل حديث عن إرسال عدد من المعنيين تقارير كفاءتهم إلى المجلس في طرابلس بصورة فردية، من دون المرور بالمسار الإداري المرتبط بمجلس بنغازي.

وهنا تتجاوز المسألة حدود الاختلاف بين قرارين إداريين؛ إذ إن عدم توحيد المرجعية التي تستند إليها إجراءات التفتيش والتقييم والترقية قد يفضي إلى تفاوت في الأقدمية الوظيفية، ويثير نزاعات بشأن استحقاق الدرجات والعلاوات والفروق المالية المرتبطة بها.

القاضي بين التراتبية الإدارية وضرورة حماية الحق

المعضلة الأكثر حساسية تتمثل في وضع القضاة الذين التزموا بالتسلسل الإداري الذي اعتقدوا أنه المرجعية المعتمدة لديهم، ولم يرسلوا تقاريرهم بصورة مباشرة إلى مجلس طرابلس.

فهؤلاء قد يجدون أنفسهم خارج حركة ترقية أُدرج فيها زملاء لهم، رغم أن عدم إدراجهم لا يعني بالضرورة افتقارهم إلى شروط الاستحقاق.

وفي المقابل، فإن أعضاء الهيئات القضائية الذين أُدرجت أسماؤهم في حركة الترقية الصادرة عن مجلس طرابلس قد يجدون أنفسهم بدورهم أمام إشكالات تتعلق بمدى الاعتداد بالقرار وتنسيقه مع القرارات الصادرة عن مجلس بنغازي.

ولا يجوز اختزال هذه الأزمة في اتهام القضاة بالانحياز إلى أحد المجلسين أو مطالبتهم بالاختيار بينهما.

فالموظف القضائي ليس طرفاً في نزاع على الشرعية المؤسسية، ولا ينبغي أن يصبح احترامه للتراتبية الإدارية سبباً محتملاً لحرمانه من حق وظيفي، كما لا ينبغي أن يؤدي اتباع مسار إداري آخر إلى منح أقدمية أو مزايا تثير اعتراضات قانونية من زملائه.

ومن منظور قانوني، يتطلب التعامل مع هذه الحالة فحص القرارات واللوائح المنظمة للترقية، والتحقق من الاختصاص الذي استند إليه كل مجلس، ومراجعة تقارير الكفاءة وسنوات الخدمة وتاريخ استحقاق الدرجات، مع ضمان حق المتضررين في التظلم أمام جهة مختصة ومحايدة.

اختبار حقيقي لمجلسي طرابلس وبنغازي

تضع الأزمة رئيسي المجلسين، عبد الله بورزيزة ومفتاح القوي، أمام اختبار مؤسسي يتعلق بكيفية إدارة آثار الانقسام، وليس بمجرد القدرة على إصدار القرارات أو فرضها إدارياً.

فالمعيار الأهم ليس عدد الترقيات التي يعلنها أي طرف، ولا مدى اتساع دائرة الاعتراف بقراراته، بل قدرته على منع ضياع الحقوق، وتجنب ازدواج القرارات المتعارضة، وتقديم معالجة قابلة للتطبيق تحفظ المراكز الوظيفية للعاملين في القضاء.

ومن السيناريوهات المطروحة أن يتجه بعض القضاة ووكلاء النيابة في المنطقة الشرقية إلى التواصل مع مجلس طرابلس أملاً في إدراج أسمائهم ضمن الترقيات، وهو ما قد يوسع نطاق التعامل الفردي مع المرجعيتين المتنافستين.

وفي المقابل، قد يلجأ مجلس بنغازي إلى اتخاذ إجراءات مقابلة لتحديد الوضع الإداري لمن يتعاملون مع المجلس الآخر، بما يفتح الباب أمام مزيد من التعارض إذا غابت قواعد واضحة وموحدة.

غير أن هذه الاحتمالات تظل سيناريوهات تحتاج إلى التحقق من القرارات الفعلية، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها نتائج حتمية.

فالمطلوب هو منع تحول الخلاف المؤسسي إلى سباق على الأختام والتوقيعات، تكون كلفته المباشرة على القاضي الذي ينتظر ترقيته، وعلى المواطن الذي يحتاج إلى قضاء مستقر وفعال.

حكومة الدبيبة ومسؤولية حماية المؤسسات

وفي سياق أوسع، تعيد الأزمة طرح أسئلة عن مسؤولية السلطات التنفيذية والسياسية في التعامل مع الانقسام المؤسسي، ومن بينها حكومة عبد الحميد الدبيبة، التي تواجه انتقادات بشأن قدرتها على المساهمة في إنهاء حالة التشظي الإداري والسياسي في البلاد.

ومع ذلك، فإن معالجة الخلاف القضائي لا ينبغي أن تتحول إلى تدخل تنفيذي في استقلال القضاء، بل إلى التزام دستوري وقانوني باحترام استقلال المؤسسات، وعدم استغلال الانقسام لتعزيز نفوذ طرف على حساب آخر، والعمل على توفير الظروف اللازمة لتسوية الخلاف عبر الأطر القانونية والمؤسسية.

فاستمرار الانقسام لا يضر بالقضاة وحدهم؛ إذ يمكن أن تنعكس آثاره على انتظام الجلسات، وسرعة الفصل في المنازعات، وثقة المتقاضين في سلامة الإجراءات، فضلاً عن الأعباء المالية التي قد تنشأ عن المطالبة بالفروق الوظيفية وتسوية أوضاع الترقية المتنازع عليها.

المواطن الليبي يدفع ثمن الانقسام

بالنسبة إلى المواطن الليبي، لا تتوقف خطورة الأزمة عند حدود الدرجات الوظيفية أو العلاوات.

فالقضاء المستقر ضمانة لحماية الحقوق والحريات وتسوية النزاعات، وأي اضطراب طويل في إدارته قد يضيف أعباء جديدة إلى واقع يعاني فيه المواطن أصلاً من تراجع الثقة في المؤسسات وتعدد مراكز القرار.

كما أن ضياع الأقدمية أو تأخر المستحقات المالية، إذا ثبت وقوعه بحق بعض أعضاء الهيئات القضائية، قد يخلق شعوراً بالتمييز بين العاملين في المؤسسة الواحدة، ويزيد الاحتقان داخل جهاز يفترض أن يقوم على المساواة وتطبيق القانون.

وتزداد خطورة المشهد مع تداول مخاوف من أن يتطور الغضب بين أعضاء الهيئات القضائية إلى تعليق العمل، وهي نتيجة لا يمكن الجزم بوقوعها، لكنها تفرض التحرك المبكر لتفادي أي اضطراب يمس مصالح المتقاضين.

تسوية قانونية قبل اتساع الأزمة

إن المخرج الأكثر إلحاحاً يتمثل في حصر جميع قرارات الترقية الصادرة عن المجلسين، ومراجعة أسماء المشمولين والمستبعدين، والتحقق من تقارير الكفاءة وتواريخ الاستحقاق، ثم تحديد آلية قانونية موحدة للفصل في حالات التعارض، مع ضمان عدم المساس بالحقوق المكتسبة لأي عضو مستوفٍ للشروط.

ويتعين كذلك فتح باب التظلمات أمام المعنيين، وإتاحة مراجعة مستقلة للملفات التي لم تشملها الترقيات، وتوضيح الأساس القانوني لكل قرار، بما يمنع تفاوت المعاملة بين أصحاب المراكز الوظيفية المتماثلة.

فالقاضي الذي أمضى سنوات في أداء عمله لا ينبغي أن يصبح ضحية لخلاف لم يصنعه، كما أن العدالة لا تستقيم إذا اختلفت حقوق العاملين في المؤسسة الواحدة تبعاً للمرجعية الإدارية التي وصل إليها تقرير كفاءتهم.

وفي نهاية المطاف، لن يُقاس نجاح أي من المجلسين بقدرته على انتزاع الاعتراف بقراراته، بل بمدى احترامه للقانون وحماية الحقوق ومنع الإضرار باستقلال القضاء.

أما استمرار إدارة شؤون القضاة عبر مسارات متنافسة، من دون تسوية واضحة، فيهدد بتحويل الانقسام المؤسسي إلى أزمة مهنية ومالية واجتماعية يدفع ثمنها القاضي أولاً، ثم المواطن الليبي الذي يحتاج إلى مؤسسة قضائية موحدة وقادرة على أداء رسالتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى