“سويسرا تحترق أيضاً: الفنيش يفكّك أسطورة ‘النموذج الغربي’ ويطالب بمساءلة أسباب غضب الشباب الليبي لا إطاراتهم المحروقة”
محلل سياسي: احتجاجات سويسرا وأوروبا تُسقط ذريعة المقارنة وتضع المؤسسات في مواجهة غضب المواطنين"
ليبيا 24 – خاص
الفنيش يدعو إلى قراءة احتجاجات الصيف الليبي في سياقها الاجتماعي والاقتصادي ويحذّر من فصل السلوك عن دوافعه
حين تحترق سويسرا: مراجعة نقدية لمعايير الحكم على سلوك الليبيين
في تطوّر لافت للخطاب النخبوي، أطلق المحلل السياسي حسام الفنيش عبر صفحته على فيسبوك مقاربة نقدية جذرية لما وصفه بـ”الازدواجية في الحكم على السلوك الاجتماعي”، متسائلاً: “حتى الشعب السويسري يحتج ويحرق ويخرب.. فهل ما زلنا نتخذه معياراً ومثلاً للحكم على سلوك وتصرفات الليبيين؟”
سؤال يهزّ المسلمات
يأتي طرح الفنيش في لحظة سياسية واقتصادية بالغة التعقيد، تشهد فيها ليبيا انقساماً مؤسسياً حاداً، وتراجعاً في القدرة الشرائية، واستمراراً لأزمة انقطاع الكهرباء التي أنهكت الأسر الليبية صيفاً بعد صيف.
ويرى الفنيش أن النخبة الليبية درجت على استحضار الشعب السويسري “باعتباره النموذج الأعلى في النظام والأخلاق والانضباط وكأننا أمام مجتمع مثالي لا يعرف الغضب أو الاحتجاج أو التخريب”، وهي مقاربة يصفها بأنها “تفصل السلوك عن سياقه وتحمّل المواطن ما هو من اختصاص الدولة”.
احتجاجات الصيف: قراءة مغايرة
يستعيد الفنيش مشهد احتجاجات الصيف الماضي، حين خرج الشباب الليبي للتعبير عن غضبهم من “تردي الأوضاع المعيشية والانقطاع الطويل للكهرباء”، في وقت انزعج فيه البعض من مشاهد إحراق إطارات السيارات، وتعامل معها “وكأنها سلوك استثنائي لا يحدث إلا لدى الليبيين”، بينما جعل آخرون من الشعب السويسري والأوروبيين “معياراً للحكم على سلوك شبابنا وتصرفاتهم”.
غير أن المشهد الأوروبي اليوم، وفق الفنيش، يقلب هذه المعادلة: “ماذا نقول اليوم ونحن نشاهد احتجاجات في سويسرا والدول الأوروبية تتخللها أعمال حرق وتكسير وتخريب؟” — سؤال يفتح الباب أمام “مراجعة الصورة المثالية التي رسمناها عن الشعوب الغربية وإدراك أن الغضب والاحتجاج ليسا حكراً على مجتمع دون آخر”.
لا تبرير للحرق… بل فهم للدوافع
يحرص الفنيش على وضع حد فاصل واضح بين التحليل والتبرير، فيؤكد صراحة: “لا يعني ذلك تبرير الحرق أو الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة”، بل يعني أن “الحكم على السلوك ينبغي ألا ينفصل عن فهم دوافعه وسياقاته”.
وهنا يطرح خلاصة سياسية بالغة الأهمية: “ربما علينا أن نخفف من حدة انزعاجنا عندما نرى شبابنا يحرقون إطارات السيارات وأن نوجّه انزعاجنا واهتمامنا بدرجة أكبر إلى الأسباب التي دفعتهم إلى ذلك؛ من تردي المعيشة والانقطاع الطويل للكهرباء والإحباط، والشعور بالتهميش وانسداد الأفق”.
من إدانة المشهد إلى مساءلة المُنتِج
في قراءة تتقاطع مع أدبيات مراكز الأبحاث الغربية في نقد الحوكمة، يدعو الفنيش إلى الانتقال من “الاكتفاء بإدانة المشهد” إلى التساؤل “عما أنتجه”، ومن اتخاذ السويسريين “معياراً مطلقاً للحكم على الليبيين” إلى إدراك أن “الفارق بين المجتمعات تصنعه المؤسسات وسيادة القانون والعدالة وقدرة الدولة على الاستجابة لمطالب مواطنيها”.
ويذكّر بأن “الشعوب ليست ملائكة ولا تُقاس أخلاقها بمشاهد استثنائية”، وبأن “المجتمعات لا تُصلحها المقارنات والمواعظ وحدها بل بإزالة الأسباب التي تدفع أبناءها إلى الاحتجاج وتحويل الغضب إلى حوار، والمطالب إلى سياسات، والمواطنة إلى مسؤولية متبادلة بين الفرد والدولة”.
غياب الدولة لا سوء أخلاق الشعب
تكتسب هذه الطروحات بعداً إضافياً، إذ يعيش المواطن تحت وطأة حكومة منتهية الولاية عجزت عن تأمين الكهرباء والحد الأدنى من الخدمات، وتركت المليشيات تُدير مفاصل الحياة اليومية، في وقت تُصادر فيه قرارات المواطن وتُغيّب مطالبه المشروعة.
ومن هذا المنطلق، فإن طرح الفنيش لا يقرأ كدفاع عن التخريب، بل كدعوة إلى محاسبة المنظومة التي أنتجت الغضب: من يتحمل مسؤولية انقطاع الكهرباء؟ من يُدير أموال الدولة؟ من يحمي المواطن من المليشيات؟
الإجابة عن هذه الأسئلة، لا مقارنة الليبي بالسويسري، هي المدخل الحقيقي لإصلاح المجتمعات.



