خبير اقتصادي يفضح عبث القرارات: المواطن الليبي يدفع فاتورة الارتجال… ومجلس أعلى للسياسات أصبح ضرورة وطنية
الشريف: إلغاء قرار الدولار الجمركي خطوة صحيحة لكنها غير كافية… ونطالب بمجلس أعلى للسياسات الاقتصادية
ليبيا 24
خبير اقتصادي يحذر من قرارات عشوائية تثقل كاهل المواطن ويدعو لمراجعة جذرية لمنظومة الاعتمادات والمرتبات
من بنغازي إلى طرابلس: تشخيص صادم لاقتصاد يُدار بالارتجال
في وقت تواصل فيه حكومة الدبيبة المنتهية الولاية إصدار قرارات اقتصادية تبدو أقرب إلى ردود الفعل المتأخرة منها إلى سياسات مدروسة، خرج الدكتور علي الشريف، أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، عبر منصته على التواصل الاجتماعي بتشخيص غير مهادن لواقع الاقتصاد الليبي، كاشفاً عن عشوائية القرارات وغياب الرؤية، وداعياً إلى إصلاحات جذرية تضع المواطن المكلوم في صلب الأولويات.
التراجع عن قرار الدولار الجمركي… اعتراف متأخر بفشل التخطيط
بدأ الشريف تحليله بالترحيب بقرار وزارة المالية إلغاء القرار السابق الخاص بإلغاء الدولار الجمركي، معتبراً إياه “خطوة صحيحة في الاتجاه المطلوب”، ومذكراً بأنه كان قد اعترض عليه في حينه.
وعزا اعتراضه إلى “عدم إمكانية تطبيقه بصورة موحدة في جميع أنحاء البلاد، في ظل تعدد الجهات والوزارات القائمة على إدارة الشأن المالي”، محذراً من “تفاوت في آليات التنفيذ وغياب توحيد الإجراءات”.
وحذر الخبير الاقتصادي من أن “ربط تكلفة استيراد السلع مباشرة بسعر الصرف، بدلاً من السعر الجمركي المعمول به حالياً والمحدد بـ 2.16 دينار للدولار، كان من شأنه أن يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد، وانعكاس ذلك على أسعار السلع في السوق المحلي”.
المرحلة القادمة… توازن مطلوب بين الإيرادات ولقمة المواطن
وشدد الشريف على أن “المرحلة القادمة تتطلب معالجة أكثر توازناً”، داعياً إلى “تحديد سعر جديد للدولار الجمركي، يكون أعلى من السعر الحالي وأقل من سعر الصرف، بما يساهم في معالجة جزء من التشوهات السعرية وتقليص الفجوة بين الأسعار، دون تحميل المستوردين والمواطنين أعباء التكلفة الكاملة لربط الاستيراد بسعر الصرف”.
وأكد أن “المطلوب هو تحقيق التوازن بين الإيرادات العامة، ومعالجة الاختلالات الاقتصادية، والمحافظة على القدرة الشرائية للمواطن، من خلال سياسة جمركية واقعية وقابلة للتطبيق في مختلف أنحاء البلاد”.
مجلس أعلى للسياسات الاقتصادية… درع وطني ضد العبث
وفي تطور لافت، دعا الشريف إلى “تشكيل مجلس أعلى للسياسات الاقتصادية” واصفاً إياه بأنه “أصبح ضرورة وطنية ملحّة”، في ظل “غياب رؤية اقتصادية واضحة، وتزايد القرارات العشوائية والارتجالية التي تُتخذ دون دراسات كافية أو تقييم حقيقي لآثارها الاقتصادية والاجتماعية”.
وحذر من أن “استمرار اتخاذ القرارات الاقتصادية بعيدًا عن التخطيط العلمي والدراسات المتخصصة يفتح المجال أمام قرارات قد تخدم مصالح ضيقة وأغراضًا خاصة، على حساب الصالح العام، وتؤدي إلى الإضرار بمصالح الأفراد والمؤسسات، وتفاقم الاختلالات الاقتصادية”.
واقترح أن “تكون تبعية المجلس لمجلس النواب مباشرة، أو لمجلس التخطيط الوطني، على أن تقتصر هذه التبعية على الجانب الإداري والتنظيمي، مع ضمان استقلاليته الفنية الكاملة، بعيدًا عن أي تدخلات أو ضغوط سياسية أو إدارية قد تؤثر في موضوعية قراراته وتوصياته”.
صلاحيات واسعة لضبط القرارات الكبرى
حدد الشريف صلاحيات واضحة للمجلس المقترح، تشمل “رسم السياسات والتوجهات الاقتصادية العامة للدولة، ودراسة القرارات الاقتصادية الكبرى قبل اعتمادها، وتقييم آثارها ونتائجها المتوقعة، ومراجعة القرارات الاقتصادية المقترحة وإبداء الرأي الفني بشأن مدى ملاءمتها للمصلحة العامة، واقتراح التعديلات اللازمة على القرارات التي تتعارض مع السياسات الاقتصادية المعتمدة، وضمان التنسيق والتكامل بين المؤسسات والأجهزة الاقتصادية في الدولة، ومتابعة تنفيذ السياسات الاقتصادية وتقييم نتائجها بصورة دورية”.
وشدد على أن “الأهم من ذلك أن تكون للمجلس صلاحية إلزام الجهات والأجهزة الاقتصادية بعرض القرارات ذات التأثير الاقتصادي الجوهري عليه قبل إصدارها أو تنفيذها، وألا يُمرر أي قرار من هذا النوع دون مراجعته وإبداء الرأي الفني بشأنه، مع وضع إطار قانوني يحدد القرارات الخاضعة لهذه المراجعة وآثار مخالفة ذلك”.
واختتم هذا المحور بالتأكيد على أن “الهدف من إنشاء هذا المجلس ليس إضافة مؤسسة إدارية جديدة إلى مؤسسات الدولة، وإنما إيجاد مرجعية وطنية متخصصة تضمن أن تكون القرارات الاقتصادية مبنية على العلم والدراسة والتخطيط، لا على الاجتهادات الفردية أو المصالح الضيقة.
فالاقتصاد الوطني لا يُدار بالقرارات العشوائية، وإنما برؤية واضحة وسياسات مدروسة ومؤسسات مستقلة تتحمل مسؤولية حماية المصلحة العامة”.
جدول المرتبات… وهم إحصائي يخفي تآكل الأجور
وفيما يتعلق بملف المرتبات، انتقد الشريف “جدول المرتبات المنشور على صفحة وزارة المالية” مؤكداً أنه “لا يعكس الواقع الاقتصادي والمعيشي الذي يعيشه المواطن، ولا يواكب حجم التغيرات والاختلالات التي طرأت على مستوى المعيشة نتيجة تغير سعر الصرف وارتفاع تكاليف الحياة”.
وأضاف أنه “لا يعبر عن القيمة الحقيقية للأجور، التي تراجعت قدرتها الشرائية بصورة ملحوظة”، مشدداً على أن “أي معالجة لملف المرتبات يجب أن تنطلق من الواقع الاقتصادي الفعلي، وأن تراعي تآكل الأجور الحقيقية، بما يضمن تحقيق العدالة بين القطاعات وتحسين القدرة المعيشية للمواطن”.
محافظ المصرف المركزي… امتحان الإرادة لا البقاء
وفي تساؤل يحمل دلالات عميقة، طرح الشريف سؤالاً حول “هل يستطيع محافظ مصرف ليبيا المركزي الجديد مواجهة الملفات الشائكة والمشكلات المتراكمة الموضوعة على طاولته؟ أم أن الأسباب ذاتها التي عجلت برحيل المحافظ السابق ستضعه أمام المصير نفسه؟”.
وأجاب بأن “بقاء المحافظ في منصبه لن يكون مرهوناً بقدرته على اتخاذ إجراءات سريعة أو قرارات ظاهرها الإصلاح وباطنها تحميل المواطن مزيداً من الأعباء، بل بمدى قدرته على معالجة الاختلالات الحقيقية في المعادلة الاقتصادية”.
وأكد أن “الإصلاح يبدأ من تحقيق الاستدامة المالية، عبر الحد من الإنفاق العام غير المبرر، ومكافحة الفساد، وضمان تحصيل الإيرادات النفطية وتوجيهها بما يخدم الاقتصاد الوطني، بدلاً من تسرب الجزء الأكبر منها بعيداً عن مسارات التنمية والمصلحة العامة”.
كما شدد على أن “معالجة الخلل في منظومة الاعتمادات تتطلب مراجعة جادة لأولويات الاستيراد، والتركيز على توفير السلع الأساسية والضرورية، والحد من الاعتمادات الموجهة للسلع الكمالية وغير الضرورية، بما يضمن توجيه النقد الأجنبي نحو احتياجات الاقتصاد الفعلية”.
وختم محذراً: “الاكتفاء بإجراءات تمس المواطن، دون الاقتراب من جذور الخلل ومصادر الهدر والفساد، لن يكون إصلاحاً حقيقياً، بل ترحيلاً للأزمة من مرحلة إلى أخرى، مع زيادة كلفتها على المواطن والاقتصاد الوطني.
فالسؤال الحقيقي ليس: كم سيبقى المحافظ الجديد في منصبه؟ بل: هل سيملك القدرة والإرادة لمعالجة أسباب الأزمة، أم سيكتفي بإجراءات تحفظ له موقعه على حساب المواطن؟”.



