ليبيا تعود مرة أخرى إلى آلية الحوارات وفيها يعاد تدوير المشهد السياسي بلا جديد
الحوار المهيكل ليس سوى نسخة مطبوعة عن فشل سابق

الليبيون مرة أخرى على طاولة الحوارات السياسية، هذه المرة تحت مسمى “الحوار المهيكل” الذي أطلقته البعثة الأممية.. أربع مجموعات كبيرة، لكل منها ثلاثون شخصية، تتوزع بين الحوكمة، الاقتصاد، الأمن، والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان.
في المجمل، يجتمع نحو 120 شخصاً بمسارات متوازية ومستقلة، تديرها البعثة الأممية وتجمع مخرجاتها، وكأن الحوار نفسه أصبح نسخةً من آلة مكررة تعمل على إعادة تدوير المشهد السياسي بلا جديد يُذكر.
ستة أشهر إضافية قد تمنح البعثة نافذة لتشكيل السلطة التنفيذية الجديدة
ورغم أن الهدف الرسمي للحوار يعلن عن الرغبة في بناء توافق وطني وإيجاد حلول للأزمات العالقة، فإن الواقع يقول شيئاً آخر .. البعثة، وفق ما يشير بعض المراقبين، تبحث عن كسب الوقت، ستة أشهر إضافية، لتخفيف الضغط الناتج عن المدد التي أعلنتها أمام مجلس الأمن، ومنح مساحة للمساعي الدولية، بقيادة الولايات المتحدة، لإحداث اختراق سياسي في تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة.
ليس جديداً القول إن الحوار الحالي ليس سوى نسخة مكررة من حوارات سابقة، أبرزها ما قادته المبعوثة السابقة ستيفاني ويليامز، والتي لم تُترجم نتائجها إلى أي أجندة عملية ..
كثير من الأطراف لا تؤمن بالحوار كمفهوم سياسي أصيل، بل تعتبره وسيلة لإعادة التموضع السياسي، أو لتشكيل خارطة جديدة وفق مصالحها، وما يدلل على ذلك الجمود السياسي الذي استمر لأربع أو خمس سنوات متواصلة.
120 شخصاً فقط ليحملوا مرآة ليبيا، بينما آلاف القوى الحقيقية خارج الإطار
التمثيل في هذا الحوار يبدو محدوداً وضعيف المصداقية … ليبيا اليوم تحوي أكثر من 190 حزباً سياسياً، وآلاف المنظمات المدنية، ونقابات، وكيانات محلية متجددة باستمرار .. ومن هذه الخزينة الضخمة من القوى السياسية والمجتمعية، تم اختيار 120 شخصاً فقط، بعضهم لا يمتلك أي تأثير على الأرض .. هؤلاء ينقلون وجهات نظر شخصية محدودة، لا تمثل الرأي العام الليبي، في حين تغيب القوى الحقيقية عن الحوار، لتصبح الصورة النهائية أشبه بمرآة مشوهة للواقع.
والحق أن فشل البعثة الأممية في تحقيق الاستقرار قد يكون جزءاً من استراتيجيتها ذاتها. استمرار الأزمة يمنحها القدرة على البقاء والتحكم في المشهد الليبي، وهو ما يشير إلى أن إدارة الأزمة قد أصبحت هدفاً بحد ذاته .. في ليبيا، يُعاد تدوير المشهد كل أربع أو خمس سنوات، مما يجعل البلاد عالقة في حلقة مفرغة من التكرار السياسي، بلا أي تقدم فعلي نحو الاستقرار.
أما على الأرض، فالاختلاف في موازين القوة العسكرية واضح … الشرق والجنوب تحت سيطرة شبه كاملة للجيش الوطني ، بينما الغرب يعيش تعدداً في مراكز القوة، وكل مدينة لها قوة مسيطرة، ما يجعل أي اتفاق سياسي هشاً ما لم يُراعَ هذا التباين .. القوى غير المتمتعة بالنفوذ الميداني لن تستطيع فرض أي اتفاق، وأي نجاح محتمل سيكون محدوداً وزائلاً.
الحل الحقيقي لا يمكن أن يأتي من الخارج .. ليبيا بحاجة إلى حوار داخلي شامل يجمع الأقاليم الثلاثة: برقة، فزان، وطرابلس، على طاولة واحدة. هذا هو المدخل الوحيد لبناء عملية سياسية متماسكة، قائمة على أسس واقعية وضوابط ثابتة، بعيداً عن المحاصصة أو المعادلات العسكرية المتغيرة.
الحوار المهيكل، في صورته الحالية، يعيد تدوير الأزمة، لكنه لا يولّد حلولا .. ليبيا بحاجة إلى كسر هذه الحلقة المفرغة، والانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء حل شامل يملكه الليبيون أنفسهم، بعيداً عن التدخلات الأجنبية واحتكار البعثة الأممية..



