ليبيا

غيث: حكومة موحدة وإصلاح مالي شرط أساسي لإنقاذ اقتصاد ليبيا

غيث: تنويع الإيرادات واستقرار سياسي مفتاح الخروج من الأزمة المالية

ليبيا 24

غيث: نافذة الإصلاح لا تزال مفتوحة رغم تعقيد المشهد المالي الليبي

أكد مراجع غيث، عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي سابقًا، أن ليبيا لا تزال تمتلك فرصة حقيقية لإعادة التوازن إلى أوضاعها المالية والاقتصادية، شريطة توفّر إرادة سياسية واضحة وسلطة تنفيذية واحدة قادرة على إدارة الإنفاق العام وفق أولويات وطنية منضبطة. وأوضح أن أي مسار إصلاحي جاد يبدأ من ضبط السياسة المالية وإعادة هيكلة الموازنة العامة بما يحد من الهدر ويعزز كفاءة توزيع الموارد.

الاعتماد على النفط.. معضلة هيكلية مزمنة

وأشار غيث إلى أن الارتهان شبه الكامل لعوائد النفط مثّل أحد أبرز عوامل هشاشة المالية العامة، موضحًا أن الدولة لا تتحكم فعليًا في سعر النفط ولا في كميات الإنتاج المرتبطة بالطلب العالمي. ولفت إلى أن تقلبات الأسعار، التي وصلت في فترات سابقة إلى مستويات متدنية للغاية، كشفت عجز النموذج الاقتصادي الحالي عن توفير الاستدامة المالية طويلة الأجل.

وأضاف أن غياب سياسة مالية واضحة منذ عقود أسهم في تكريس نمط إنفاق غير منضبط، يقوم على مبدأ “الصرف ما دام النفط متدفقًا”، دون بناء احتياطيات أو تنويع حقيقي لمصادر الدخل.

الإصلاح المالي كقاعدة لأي إصلاح اقتصادي

وفي تقييمه لتقارير المؤسسات المالية الدولية، أوضح غيث أن التحذيرات كانت متوقعة، معتبرًا أن الإصلاح المالي يمثل المدخل الأساسي لأي إصلاحات هيكلية أخرى تتعلق بقطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية. وأكد أن غياب الموارد الكافية أو سوء إدارتها يجعل أي خطط تنموية مجرد شعارات غير قابلة للتطبيق على أرض الواقع.

وشدد على أن ليبيا لم تستثمر بجدية أدوات السياسة المالية، مثل الضرائب والرسوم الجمركية، مشيرًا إلى أن تطوير منظومة التحصيل المحلي كان يمكن أن يخفف تدريجيًا من الاعتماد الحاد على قطاع النفط.

فرص استثمارية غير مستغلة

وأوضح غيث أن البلاد تمتلك ميزات تنافسية واسعة النطاق، لا تقتصر على النفط والغاز، بل تشمل مصادر واعدة في مجالات الطاقة المتجددة والمعادن والرمال الصناعية. ولفت إلى أن تكرير النفط محليًا بدل تصديره خامًا يمكن أن يضاعف قيمة العائدات أضعافًا، ما يمنح الاقتصاد قدرة أكبر على توليد القيمة المضافة وخلق فرص العمل.

كما أشار إلى إمكانية بناء شراكات استراتيجية مع مستثمرين أجانب في مجالات التكرير والطاقة الشمسية، مؤكدًا أن نجاح هذه المسارات يبقى مرهونًا بتوافر الاستقرار السياسي ووجود حكومة موحدة قادرة على حماية الاستثمارات وتوفير بيئة قانونية آمنة.

الاستقرار السياسي شرط لجذب رؤوس الأموال

وأكد غيث أن مشاريع استثمارية كبرى، خاصة في قطاع التعدين والطاقة، تتطلب رؤوس أموال ضخمة لا تستطيع الدولة تمويلها منفردة، ما يستدعي فتح المجال أمام الشراكات مع القطاع الخاص المحلي والأجنبي. وأضاف أن غياب الاستقرار السياسي منذ عام 2011 عطّل إطلاق مبادرات حقيقية، وأبقى الاقتصاد محصورًا في نموذج استهلاكي يقوم على الاستيراد ودفع الرواتب دون إنتاج فعلي.

تنمية بشرية وتحولات تدريجية في سوق العمل

وفي محور التنمية البشرية، شدد غيث على أن تحسين مستوى المعيشة لا ينفصل عن تطوير مهارات القوى العاملة وفتح آفاق التمويل أمام الشباب والخريجين. واعتبر أن دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة يمثل حجر الأساس في بناء اقتصاد إنتاجي مستدام.

واقترح اعتماد خطة انتقال تدريجي للعمالة من القطاع العام إلى القطاع الخاص على مدى 15 إلى 20 عامًا، بما يخفف العبء عن الميزانية العامة ويحفّز روح المبادرة الفردية. كما دعا إلى تحديث الأطر القانونية المنظمة للملكية والاستثمار، وتسهيل تسجيل الأصول العقارية، بما يعزز الثقة في السوق المحلية.

إصلاح منظومة التحصيل الضريبي والجمركي

وانتقد غيث ضعف آليات تحصيل الضرائب والجمارك، معتبرًا أن الخلل لا يكمن في نقص الموارد بل في قصور الإجراءات. وأوضح أن عددًا من الدول يعتمد نموذج “التحصيل عند المنبع” لضمان الكفاءة والشفافية، وهو ما طُرح في ليبيا منذ سنوات دون أن يرى النور.

وأشار إلى أن الأرقام الحالية المتعلقة بالعائدات الجمركية تبقى متواضعة مقارنة بحجم الاستيراد الفعلي، الأمر الذي يفاقم الفجوة بين الإيرادات والإنفاق، ويؤكد الحاجة الملحّة لإصلاح جذري في السياسات التحصيلية.

آفاق مشروطة بالإرادة السياسية

واختتم غيث تصريحاته بالتأكيد على أن ليبيا تمتلك كل المقومات للانتقال من اقتصاد ريعي هش إلى اقتصاد متنوع ومستدام، إلا أن تحقيق ذلك يبقى مرهونًا بوجود سلطة سياسية موحدة، وإرادة حقيقية لوضع الإصلاح المالي على رأس الأولويات الوطنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى