غموض الوباء بين الإنكار الرسمي وتعليق المدارس يجتاح الغرب الليبي
إنفلونزا مجهولة ترفع الإصابات وتعطّل الدراسة.. والسلطات تلتزم الصمت

ليبيا 24
الإنفلونزا تعيد ليبيا إلى حالة الطوارئ الاجتماعية: بين تناقض البيانات وتزايد الإصاباتتشهد عدة مدن غرب ليبيا موجة مرضية متسارعة خلال الأسابيع الأخيرة، أدت إلى تعليق الدراسة في مدارس جادو وكاباو والزاوية الغرب، وسط ارتفاع واضح للحالات بين التلاميذ والكوادر التعليمية والأهالي، في وقت تؤكد فيه السلطات الصحية المركزية أن “الوضع الوبائي طبيعي”.
هذا التباين بين الواقع اليومي الذي يرصده المواطنون، وبين الخطاب الرسمي الصادر عن مركز مكافحة الأمراض، خلق حالة من الحيرة والارتباك، وأثار موجة تساؤلات حول طبيعة الفيروس المنتشر، ودقة إجراءات الرصد، ومدى قدرة المؤسسات الصحية والتعليمية على التعامل مع موجة موسمية بدت أكثر شدة من الأعوام السابقة.
تزايد الإصابات يعطّل الفصول الدراسية: قرارات محلية تعكس حجم الأزمةبدأت القصة مع الإعلانات التي صدرت تباعًا عن مراقبات التعليم في جادو وكاباو ثم الزاوية الغرب، والتي أكدت جميعها تسجيل أعداد غير مسبوقة من الإصابات خلال فترة قصيرة، ما دفعها إلى تعليق الدراسة لعدة أيام بغرض التعقيم ومنع انتشار العدوى.
في جادو، أعلنت المراقبة تسجيل أكثر من 450 إصابة خلال يومين فقط، وهو رقم رأى فيه أولياء الأمور مؤشرًا على انتشار سريع يصعب احتواؤه داخل الفصول المزدحمة. وفي الزاوية الغرب، أفاد مسؤولون محليون بأن الزيارات الميدانية كشفت تدهورًا صحيًا حقيقيًا داخل المدارس، ما استدعى وقف العملية التعليمية بالكامل.
ورغم أن هذه القرارات جاءت بناءً على معطيات ميدانية مباشرة، فإن مركز مكافحة الأمراض نفى إصدار أي تعليمات تتعلق بإغلاق المدارس، مؤكداً أن المرض المنتشر هو “إنفلونزا موسمية” لا تستدعي إجراءات استثنائية.هذا التناقض أثار تساؤلات واسعة حول تنسيق السلطات المحلية مع وزارة الصحة، وحول قدرة نظام الرصد الوبائي على استيعاب الانتشار الفعلي في المناطق الغربية.
بين العلم والواقع: ما الذي نعرفه عن الفيروس المنتشر؟تشير المعلومات العلمية التي قدمها أطباء في القطاعين العام والخاص، إضافة إلى شهادات مواطنين سافروا إلى تونس لإجراء فحوصات مخبرية أدق، إلى تسجيل إصابات مؤكدة بالإنفلونزا الموسمية من النوع A، وخاصة سلالة H1N1، وهي أحد مسببات الموجات السنوية في شمال إفريقيا.كما تتداول تقارير طبية في دول الجوار وجود نشاط لسلالة H3N2، دون إثبات انتشارها محليًا داخل ليبيا حتى هذه اللحظة، ما يجعل الصورة الوبائية غير محسومة بشكل نهائي.يعتمد التشخيص العلمي الدقيق لهذه السلالات على تحليل RT-PCR، وهو الفحص الذي يُجرى للمسحات الأنفية والبلعومية ويعد الأكثر دقة. ومع ذلك، أشار أطباء ليبيون إلى أن الاختبارات السريعة المتوفرة داخل المراكز الصحية المحلية محدودة الحساسية، وأن كثيرًا من الحالات التي تُسجل باعتبارها “إنفلونزا عادية” قد تكون في الحقيقة مرتبطة بسلالات أشد فتكًا.
شهادات من الشارع الليبي: “المرض أشد من المعتاد”
توجه مراسلو ليبيا 24 إلى عدد من المدن التي أعلنت تعليق الدراسة، وتحدثوا إلى أولياء أمور وطلاب وأطباء محليين لرصد الانطباعات حول الوضع الصحي الحالي.مدرس من جادو:“لم نر مثل هذا الانتشار منذ سنوات. خلال يوم واحد تغيّب أكثر من نصف طلابي، وبعضهم يعاني من حرارة مرتفعة وسعال حاد. الأمر لم يعد مجرد نزلة برد.”ولي أمر من كاباو:“ابنتي أُصيبت بإنفلونزا شديدة لدرجة أننا نقلناها إلى تونس. الأطباء هناك قالوا إنها H1N1. كيف يكون الوضع طبيعيًا وهناك أطفال يصلون للمستشفيات كل يوم؟”طبيبة أطفال في الزاوية الغرب:“الغالبية تأتي بأعراض تتطابق مع الإنفلونزا الشديدة: حمى مفاجئة، آلام عضلية قوية، سعال جاف. بعض الحالات تطورت إلى التهاب رئوي خفيف. نعم، هي إنفلونزا، لكنها ليست بسيطة.”هذه الشهادات عكست القلق الشعبي المتزايد، كما كشفت عن حاجة ماسة لرسالة رسمية موحدة تُطمئن الناس دون التقليل من حجم الانتشار.
الفئات الأكثر عرضة: الأطفال أولاً
وفق خبراء الصحة العامة، فإن موجة هذا العام تبدو أكثر حدة لدى الأطفال، خصوصًا دون خمس سنوات، إضافة إلى الحوامل وكبار السن والمرضى المصابين بأمراض مزمنة.وتشير بيانات المركز الوطني للتطعيمات إلى أن الحملة السنوية لتلقي اللقاح تستهدف الفئات ما فوق 55 عامًا، والنساء الحوامل، والأطفال من 6 أشهر وحتى 18 سنة، والعاملين في القطاع الصحي، ما يعكس إدراك المؤسسات الصحية لخطر هذه الفئة على وجه الخصوص.إلا أن التوعية، بحسب مواطنين، ما زالت دون المستوى المطلوب.
يقول أحد أولياء الأمور:“لم نسمع عن موعد التطعيم إلا قبل أيام قليلة، ومعظم المراكز كانت مزدحمة. يجب أن تكون الحملة منظمة أكثر.”القدرة التشخيصية: هل تمتلك ليبيا أدوات كافية؟يشير متخصصون إلى أن ضعف الإمكانيات المخبرية يشكل تحديًا كبيرًا في مواجهة مثل هذه الموجات.ورغم تأكيد مركز مكافحة الأمراض وجود شبكات رصد في جميع المدن الليبية، إلا أن الأطباء في الميدان يؤكدون أن ما يصل من إحصائيات لا يعكس دائمًا عدد الحالات الفعلي، لأن معظم المرضى لا يخضعون لفحص PCR بسبب محدودية توفره في المستشفيات العامة.كما أشار أحد الفنيين في مختبر خاص بطرابلس إلى أن الطلب على مسحات الإنفلونزا ارتفع بنسبة 300% خلال الأسبوعين الماضيين، وأن السلالة الأكثر ظهورًا كانت A/H1N1، بينما لم تُسجل سلالة H3N2 بكثرة حتى الآن.
رأي أطباء المجتمع: “نحتاج شفافية ومعلومات موحدة”على الرغم من تأكيد السلطات أن موجة الإنفلونزا ضمن نطاقها الموسمي الطبيعي، فإن الأطباء في الميدان يطالبون ببيانات أكثر وضوحًا.
يقول طبيب باطني في الزاوية:“وجود موجات موسمية أمر طبيعي، لكن ارتفاع الحالات لدى الأطفال بشكل خاص يدفعنا للمطالبة بحملة توعية أوسع. نحتاج أرقامًا دقيقة تساعدنا على معرفة حجم المشكلة.”بينما يرى طبيب آخر في طرابلس أن تعليق الدراسة في بعض المناطق كان قرارًا صحيحًا:“تعليق الدراسة ليس مبالغة. في ظل اكتظاظ الفصول وقلة التهوية، يصبح انتقال الفيروس سريعًا جدًا. التعقيم والتوعية ضروريان قبل عودة الطلاب.”الجانب الاجتماعي: خوف بين الأهالي وعودة الكمامات إلى الواجهةفي شوارع المدن التي شهدت تعليق الدراسة، لاحظ مراسلو أخبار ليبيا 24 تزايدًا في استخدام الكمامات، خصوصًا بين النساء والطلاب، رغم غياب أي تعليمات رسمية تلزم بذلك.كما شهدت الصيدليات ارتفاعًا ملحوظًا في الطلب على خافضات الحرارة وأدوية السعال، إضافة إلى نقص بعض المضادات الفيروسية مثل أوسيلتاميفير.وتقول صيدلانية من كاباو:“الأهالي يعيشون حالة قلق واضحة. يطلبون كل ما له علاقة بالمناعة. بعض الأدوية نفدت في يوم واحد.”هل يعود السبب إلى ضعف الوقاية أم شدة السلالة؟يُرجع أطباء انتشار العدوى إلى عاملين متداخلين: 1. المدارس المكتظة وقلة التهوية. 2. انخفاض نسبة التطعيم الموسمي مقارنة بدول الجوار.ويشير تقرير سابق صادر عن المركز الوطني للتطعيمات إلى أن نسبة تغطية لقاح الإنفلونزا في ليبيا لا تزال أقل من 25% سنويًا، وهو رقم متدنٍ مقارنة بالمعدل العالمي الموصى به وهو 60–70%.الإجراءات المطلوبة: خريطة طريق لتقليل الإصاباتيرى الخبراء أن الحد من انتشار العدوى لا يستلزم إغلاقًا عامًا، بل الالتزام بإجراءات وقائية بسيطة لكنها فعالة، منها: • التهوية الجيدة داخل الفصول.
• تجنب إرسال الأطفال المرضى إلى المدارس.
• غسل اليدين بانتظام.
• تلقي اللقاح للفئات المستهدفة.
• متابعة الحالات التي تظهر عليها أعراض شديدة.
كما شددوا على ضرورة نشر تحديثات يومية واضحة حول عدد الحالات المسجلة، والسلالات المنتشرة، ومدى توفر الأدوية.خلاصة: أزمة موسمية أم إنذار مبكر؟حتى الآن، لا تشير المعلومات الرسمية إلى وجود تفشٍ استثنائي لسلالة جديدة في ليبيا، لكن الحالات المتزايدة وتعليق الدراسة في عدة مدن يكشفان عن فجوة بين الواقع الطبي وما يعلن رسميًا، وهو ما يستدعي إعادة تقييم آليات الرصد والتواصل مع الجمهور، لضمان عدم تحول الإنفلونزا الموسمية إلى أزمة صحية أوسع.وبينما يترقب الأهالي استئناف الدراسة خلال أيام، يبقى السؤال قائماً: هل تستعيد المدارس نشاطها بأمان، أم أن موجة جديدة من الإصابات ستفرض قرارات أكثر صرامة في الأسابيع القادمة؟



