تقرير صيني: طرابلس تعيش انعدام أمن مستمر بعد 2011
شينخوا ترصد إخفاق التدخل الأطلسي وتفاقم معاناة الليبيين

ليبيا 24
طرابلس بعد عقد ونيف: مدينة عالقة في دائرة الخوف
بعد مرور أكثر من أربعة عشر عامًا على التحولات العاصفة التي شهدتها ليبيا عام 2011، ما زالت طرابلس تكافح للخروج من دوامة انعدام الأمن وعدم الاستقرار. تقرير حديث لوكالة أنباء صينية أعاد تسليط الضوء على واقع يومي مثقل بالمخاطر، حيث لم تنجح المسارات العسكرية والسياسية المتعاقبة في إعادة الطمأنينة إلى المدينة أو في ترميم مؤسسات الدولة التي تآكلت بفعل الصراع والانقسام.
تدخل عسكري بلا سلام
يضع التقرير التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي في قلب المشهد، معتبرًا أنه أخفق في تحقيق الأهداف المعلنة المتعلقة بإرساء الأمن أو فتح آفاق الاستقرار. وبدلًا من ذلك، دخلت البلاد مرحلة طويلة من الاضطراب السياسي وتعدد مراكز النفوذ، ما أفرز بيئة أمنية هشة وساهم في تكريس الانقسام، لتتحول المدينة إلى ساحة تتقاطع فيها حسابات محلية وخارجية متعارضة.
مظاهر العنف في الفضاء اليومي
في شوارع طرابلس، لم يعد صوت الرصاص أو تحليق الطائرات المسيّرة حدثًا استثنائيًا. يصف التقرير مدينةً تشكّلت ملامحها العمرانية والنفسية تحت وطأة السلاح، حيث تنتشر آثار الطلقات على الواجهات، وتظهر مبانٍ مهدمة كشاهدة على جولات عنف متكررة. وفي هذا المناخ، بات الخوف عنصرًا ملازمًا للحياة اليومية، يطارد العائلات ويقض مضاجع الأطفال مع كل دوي انفجار.
اقتصاد مشلول وخدمات متراجعة
يتجاوز أثر الأزمة الجانب الأمني ليطال الاقتصاد والخدمات العامة. فالخلافات السياسية المستمرة عمّقت الفراغ المؤسسي، وأدت إلى شلل اقتصادي انعكس في تراجع قيمة العملة وارتفاع الأسعار. كما تعاني المرافق الحيوية من ضعف شديد، مع اضطرابات في إمدادات الكهرباء والمياه ونقص حاد في المستلزمات الطبية داخل المستشفيات، في ظل عجز الدولة عن فرض سيطرتها أو تنظيم عمل المؤسسات.
الأسر تحت ضغط دائم
يركّز التقرير على معاناة الأسر التي وجدت نفسها مضطرة للتكيّف مع واقع غير مستقر. إغلاق المدارس أصبح متكررًا، وتأخر صرف المرتبات زاد من الضغوط المعيشية. وينقل التقرير قصة أحد المواطنين الذي يعيش على أطراف العاصمة، محتفظًا بحقيبة صغيرة قرب باب منزله تحوي وثائق وأموالًا وملابس أساسية، استعدادًا لهروب محتمل في أي لحظة. هذه الحقيبة تحولت إلى رمز لحياة مؤجلة، لا تعرف أين يمكن أن تجد ملاذًا آمنًا.
الأطفال… الخسارة الصامتة
الأطفال هم الفئة الأكثر هشاشة في هذا المشهد. فبحسب الشهادات الواردة، يعيش الصغار حالة قلق دائم، تتراجع معها قدرتهم على التركيز والتحصيل الدراسي. أصوات المدفعية توقظهم ليلًا، والخوف بات جزءًا من وعيهم المبكر، ما ينذر بتداعيات نفسية طويلة الأمد على جيل نشأ في ظل الاضطراب.
انتهاكات واختطاف خارج القانون
ولا يتوقف المشهد عند حدود الخوف اليومي، إذ يوثق التقرير حوادث اختطاف وانتهاكات يتعرض لها مدنيون عند نقاط تفتيش أو خلال تنقلهم داخل المدينة. شهادات بعض الضحايا تكشف عن تعرضهم للاحتجاز وسوء المعاملة قبل الإفراج عنهم دون إجراءات قانونية، ما يعكس هشاشة منظومة العدالة وانتشار منطق القوة.
قراءة سياسية للمأزق
من زاوية سياسية، ينقل التقرير آراء ترى أن معاناة الليبيين مرتبطة مباشرة بحالة الجمود السياسي واستمرار التدخلات الخارجية غير المتوازنة. الاعتماد المفرط على النفط، وتفشي الفساد، وتعدد الأجسام السياسية، كلها عوامل ساهمت في الانهيار الاقتصادي والتفكك الاجتماعي، ووفرت بيئة خصبة لتمدد التشكيلات المسلحة.
طريق الخروج: دولة ومؤسسات
يخلص التقرير إلى أن تجاوز هذا الواقع يتطلب مسارًا شاملًا، يبدأ بتوحيد المؤسسات السيادية والأمنية، وتشكيل سلطة تنفيذية فاعلة قادرة على تنظيم انتخابات حرة ونزيهة. كما يشدد على أهمية العدالة الانتقالية، ومحاسبة الفاسدين، وتعزيز دور المجتمع المدني، إلى جانب دعم دولي يتسم بالحياد. وبين قصص الخوف والأمل، يبقى حلم الليبيين بدولة تحمي الكرامة وتعيد الاستقرار حاضرًا رغم قسوة الواقع.



