مليار دولار مبيعات نقد أجنبي يربك توازن الاقتصاد الليبي
فجوة الإيرادات النفطية تثير مخاوف الاستدامة المالية في ليبيا
ليبيا 24:
مبيعات قياسية تفتح باب التساؤلات
أعاد إعلان مصرف ليبيا المركزي عن تجاوز مبيعات النقد الأجنبي حاجز المليار دولار خلال الأيام الثمانية الأولى من يناير 2026، مقابل إيرادات نفطية محدودة لم تتجاوز 155 مليون دولار، فتح نقاش واسع في الأوساط الاقتصادية والاجتماعية حول كفاءة إدارة الموارد، وقدرة الدولة على الحفاظ على توازنها المالي في ظل أوضاع داخلية معقدة وانقسام مؤسسي مستمر.
وجاء هذا الإعلان في توقيت حساس، إذ تستعد الأسواق المحلية لموسم استهلاكي مرتفع مع اقتراب شهر رمضان المبارك، وهو ما يرفع الطلب على السلع الغذائية والاستهلاكية، ويزيد الضغط على النقد الأجنبي، في اقتصاد يعتمد بدرجة شبه كاملة على الاستيراد لتلبية احتياجاته الأساسية.
أرقام تعكس اختلالا واضحا
بحسب البيانات الصادرة عن المصرف المركزي، فإن الإيرادات النفطية الموردة خلال الفترة من مطلع يناير وحتى الثامن من الشهر نفسه بقيت عند مستوى متواضع، في حين قفزت مبيعات النقد الأجنبي إلى أرقام غير مسبوقة مقارنة بالإيرادات.
هذا التفاوت الحاد بين ما يدخل خزينة الدولة من عملة صعبة وما يخرج منها خلال فترة زمنية وجيزة، أثار مخاوف من اتساع العجز غير المعلن، ومن استنزاف متسارع للاحتياطيات.
ويرى متابعون للشأن الاقتصادي أن هذه الأرقام لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق العام، المتمثل في هشاشة البنية الاقتصادية، وضعف التنسيق بين السياسات المالية والنقدية، وغياب رؤية واضحة لإدارة الطلب على النقد الأجنبي.
رمضان والطلب الموسمي
في تبريره للأرقام المعلنة، أكد المصرف المركزي أن توفير النقد الأجنبي يأتي في إطار دوره لضمان استقرار السوق، وتوفير السلع الأساسية، خاصة مع قرب شهر رمضان، الذي يشهد عادة ارتفاعا كبيرا في حجم الاستهلاك.
ولا شك أن هذا العامل الموسمي يلعب دورا في زيادة الطلب، غير أن خبراء يرون أن الاعتماد على التفسير الموسمي وحده لا يكفي لتبرير الفجوة الكبيرة بين الإيرادات والإنفاق.
فحتى مع الأخذ في الاعتبار متطلبات الشهر الفضيل، تبقى وتيرة الإنفاق مرتفعة بشكل لافت، ما يشير إلى وجود اختلالات أعمق تتجاوز الظرف الزمني المؤقت.
تحذيرات أكاديمية من مخاطر الاستمرار
أستاذ الاقتصاد بجامعة عمر المختار، الدكتور خالد الهباوي، وصف الفجوة بين الإيرادات النفطية ومبيعات النقد الأجنبي بأنها مؤشر سلبي وخطير على وضع المالية العامة.
وأوضح أن إنفاق ما يقارب مليار دولار خلال ثمانية أيام، مقابل إيرادات لا تتجاوز 155 مليون دولار، يعني أن حجم الإنفاق فاق الإيرادات بنحو سبعة أضعاف، وهو مسار لا يمكن استدامته على المدى المتوسط.
وأشار الهباوي إلى أن هذا الوضع يعكس خللا هيكليا في الاقتصاد الليبي، الذي لا يزال رهينة لعائدات النفط، دون وجود مصادر دخل بديلة قادرة على امتصاص الصدمات أو تخفيف الضغط على العملة الصعبة.
الاعتمادات المستندية واستنزاف العملة
من أبرز الإشكاليات التي سلط عليها الهباوي الضوء، التوسع الكبير في فتح الاعتمادات المستندية لصالح عدد واسع من التجار، وهو ما يؤدي إلى خروج كميات ضخمة من النقد الأجنبي، دون أن يقابله تحسن ملموس في الإنتاج المحلي أو في مستويات التنمية.
ويحذر خبراء من أن هذا النمط من الإنفاق يعزز اقتصاد الاستيراد، ويكرس التبعية للخارج، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تحفيز قطاعات الإنتاج، وتقليل الفجوة بين الطلب المحلي والقدرة على توفيره داخليا.
دور المصرف المركزي بين التبرير والمسؤولية
يرى مختصون أن الدور الحقيقي للمصرف المركزي لا يقتصر على تلبية الطلب أو تبرير عمليات الصرف، بل يتعداه إلى ضمان الاستقرار المالي والنقدي، والحفاظ على القدرة الشرائية للدينار، وتأمين استدامة الموارد.
ويتطلب ذلك، بحسب آراء اقتصادية، تنسيقا فعليا مع السلطات المالية والتجارية، ووضع ضوابط أكثر صرامة لفتح الاعتمادات، وربطها بحاجات حقيقية للسوق.
تنويع مصادر الدخل كخيار حتمي
في ظل التقلبات التي تشهدها أسواق الطاقة عالميا، والتحولات المتسارعة نحو بدائل أخرى، شدد الهباوي على خطورة الاستمرار في الاعتماد المطلق على النفط كمصدر شبه وحيد للدخل.
ودعا إلى تبني سياسات جادة لتنويع الاقتصاد، من خلال دعم المشروعات الإنتاجية، وتشجيع الاستثمار المحلي، وتوفير بيئة مستقرة للأعمال.
كما طرح مقترح إعادة تفعيل صندوق موازنة الأسعار أو مؤسسة السلع التموينية، ومنحها الاعتمادات اللازمة لاستيراد السلع الأساسية، بما يضمن توفيرها بأسعار مستقرة، ويعزز الرقابة على الإنفاق، ويحد من الاعتمادات الوهمية.
تحديات الحاضر ورهانات المستقبل
يعكس التباين الحاد بين الإيرادات والمصروفات حجم التحديات التي تواجه الاقتصاد الليبي، في ظل انقسام مؤسسي، وضغوط اجتماعية متزايدة، وتوقعات شعبية بتحسين الأوضاع المعيشية.
وبينما يسعى المصرف المركزي إلى تحقيق استقرار آني في السوق، يبقى السؤال الأهم معلقا حول قدرة السياسات الحالية على ضمان استدامة مالية حقيقية، توازن بين تلبية احتياجات المواطنين، وحماية موارد الدولة على المدى البعيد.



