ليبيا

استدعاء ليبيا في الأزمات العالمية يثير غضباً وتساؤلات

ليبيا نموذجاً للفوضى في الخطاب الدولي الأمريكي المتكرر

ليبيا 24:

ليبيا في مرآة المقارنات الدولية

كلما اندلعت أزمة سياسية أو إنسانية في دولة ما، تعود ليبيا إلى الواجهة بوصفها مثالاً جاهزاً يُستدعى في الخطاب الدولي للتحذير من الانهيار أو الفوضى.

هذا الحضور المتكرر، الذي بات شبه نمطي، يعكس تحوّل التجربة الليبية منذ عام 2011 إلى مرجع سياسي وإعلامي يُقاس عليه، أكثر من كونها قضية قائمة بذاتها ذات خصوصية وطنية وتاريخية.

تصريحات أميركية تعيد الجدل

أعاد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو هذا الجدل إلى الواجهة عندما شدد، في سياق حديثه عن فنزويلا، على أنها «ليست ليبيا ولا سوريا ولا العراق ولا أفغانستان»، مؤكداً أن تعامل بلاده مع فنزويلا يختلف عن مقاربتها لملفات أخرى شهدت صراعات معقدة.

ورغم أن التصريح جاء في إطار سياسي يهدف إلى طمأنة الداخل الأميركي، إلا أنه حمل دلالات أعمق بالنسبة لليبيين، إذ أعاد تثبيت اسم بلدهم في خانة النماذج التحذيرية.

هذا النوع من الخطاب، وفق مراقبين، لا يمر مرور الكرام، لأنه يرسخ صورة ذهنية محددة عن ليبيا في الوعي الدولي، باعتبارها دولة فشلت في العبور إلى الاستقرار بعد إسقاط نظامها السابق، وأصبحت عنواناً دائماً للانقسام والصراع.

ليبيا كمثال تحذيري دائم

منذ 2011، باتت ليبيا تُستحضر في تصريحات مسؤولين دوليين عند الحديث عن مخاطر التفكك أو عواقب التدخلات الخارجية.

وهو ما ولّد شعوراً متنامياً بالغضب لدى شريحة واسعة من الليبيين، الذين يرون أن بلدهم يُختزل في صورة واحدة، متجاهلاً تعقيداته الاجتماعية والسياسية، ومحاولاته المتكررة للبحث عن مخرج من أزمته.

ويرى رئيس حزب «صوت الشعب»، فتحي الشبلي، أن خطورة هذا الخطاب لا تكمن في المقارنة بحد ذاتها، بل في تحويل اسم ليبيا إلى رمز للفشل في القاموس السياسي الدولي.

ويشير إلى أن تكرار هذه الاستدعاءات أفقد ليبيا معناها السيادي، وجعلها أداة لتبرير سياسات خارجية أو تهدئة مخاوف داخلية في دول أخرى.

بين ليبيا وسوريا… اختلاف المسارات

لم يكن هذا النمط من المقارنات جديداً. فقبل سنوات، شدد مسؤولون أميركيون، بينهم وزير الخارجية الأسبق جون كيري، على أن سوريا «ليست ليبيا»، في سياق رفض الحل العسكري آنذاك.

ورغم التشابه الظاهري في اندلاع الاحتجاجات، إلا أن المسارين اختلفا جذرياً، سواء من حيث البنية الاجتماعية أو طبيعة الصراع.

ويؤكد محللون أن ليبيا لم تعرف انقساماً طائفياً حاداً كما في الحالة السورية، وأن انزلاقها نحو الفوضى لم يكن حتمياً، بل ارتبط بتدخلات دولية وإقليمية متشابكة، ساهمت في إطالة أمد الأزمة وتعقيد مسارات الحل.

هواجس “الصوملة” وتخوفات الجوار

إلى جانب المقارنات بسوريا، طغت لفترة طويلة مخاوف من تحول ليبيا إلى «صومال جديدة»، خاصة في الخطاب الأوروبي.

وقد عبّر عن هذه المخاوف مسؤولون إيطاليون سابقون، محذرين من تداعيات الفوضى الليبية على أمن المتوسط.

كما انضم إلى هذا القلق الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الذي حذّر من تسليح القبائل، معتبراً أن ذلك قد يقود إلى سيناريو شبيه بما شهدته الصومال أو سوريا.

هذه التحذيرات، وإن اختلفت دوافعها، أسهمت في تعزيز صورة ليبيا كدولة مهددة بالتفكك الدائم، رغم اختلاف ظروفها عن تلك الدول.

الخطاب الخارجي والانعكاس الداخلي

الأخطر، بحسب الشبلي، لا يكمن فقط في الخطاب الخارجي، بل في تبنيه داخلياً. فعندما يكرر سياسيون وإعلاميون ليبيون هذه المقارنات، سواء بدافع الدفاع أو التبرير، فإنهم يشاركون، دون قصد، في ترسيخ صورة مشوهة عن بلدهم، تتحول مع الوقت إلى جزء من الوعي الجمعي.

في المقابل، يرى مسؤولون في شرق ليبيا أن الجهود العسكرية التي بُذلت منذ عام 2014 حالت دون تحول البلاد إلى ملاذ للجماعات المتطرفة، معتبرين أن المشكلة الأساسية تكمن في إخفاق الحكومات المتعاقبة في معالجة جذور الأزمة، واعتمادها على المحاصصة والجهوية.

دبلوماسية نشطة وأسئلة مفتوحة

على الصعيد الدولي، تواصل الولايات المتحدة تحركاتها الدبلوماسية في ليبيا، في محاولة للتقريب بين الفرقاء ودفع العملية السياسية المتعثرة.

وقد أثارت زيارة بارجة حربية أميركية إلى السواحل الليبية في ربيع عام 2025 تساؤلات واسعة، أعادت إلى الأذهان ذكريات مؤلمة عن تدخلات عسكرية سابقة.

وبين خطاب دولي يستدعي ليبيا كنموذج للفوضى، ومساعٍ دبلوماسية تعلن السعي إلى الحل، يبقى السؤال مطروحاً حول قدرة الليبيين على كسر هذه الصورة النمطية، واستعادة تعريف بلدهم كدولة تسعى، رغم العثرات، إلى الاستقرار والسيادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى