أزمات المعيشة تعمّق الفقر وتكشف عجز حكومة منتهية الولاية
الفقر يتفشى بليبيا مع انهيار الخدمات وتآكل سلطة الدولة
ليبيا 24
الفقر في ليبيا… أزمة مركبة تتجاوز الاقتصاد إلى تفكك الدولة
تشهد طرابلس خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا غير مسبوق في معدلات الفقر، في ظاهرة لم تعد حبيسة الأرقام أو التقارير الرسمية، بل باتت واقعًا يوميًا يعيشه المواطن في تفاصيل حياته الصغيرة: مائدة أقل امتلاءً، دواء مفقود، تعليم متعثر، وأمن هش. وبينما يفترض أن تكون الدولة صمام الأمان الاجتماعي، تبدو مؤسساتها اليوم عاجزة، أو مغيّبة عمدًا، في ظل حكومة منتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، تتآكل سيطرتها على مفاصل الدولة، وتتقدم شبكات الفساد والمليشيات لملء الفراغ.
الفقر في ليبيا ليس نتاج عامل واحد، بل نتيجة تراكب معقّد بين الانقسام السياسي، وسوء الإدارة، والإنفاق العام غير الرشيد، وشراء الولاءات، وتحويل الدولة إلى ما يشبه “حكومة العائلة”، حيث تُدار الموارد بمعايير القرب والولاء لا بالكفاءة والاستحقاق. وفي هذا السياق، تحوّل المواطن إلى الحلقة الأضعف، يدفع ثمن صراعات السلطة وتغوّل السلاح.
اقتصاد ريعي يُدار بلا حوكمة
رغم امتلاك ليبيا لثروات طبيعية كبيرة، فإن العائدات النفطية لم تنعكس تحسنًا في مستوى معيشة المواطنين. فالاقتصاد الريعي، حين يُدار بلا حوكمة، يتحول من نعمة إلى نقمة. ومع غياب الموازنة الموحدة، وتفشي الإنفاق الاستهتاري، وتضخم بنود الصرف غير المنتج، تراجعت القدرة الشرائية، وارتفعت الأسعار، وتآكل الدخل الحقيقي للأسر.
وتشير مؤشرات السوق إلى اتساع الفجوة بين الدخول والأسعار، خصوصًا في السلع الأساسية والخدمات الحيوية. وفي غياب سياسات حماية اجتماعية فعّالة، باتت شرائح واسعة عاجزة عن مجاراة متطلبات الحياة، ما زاد من الاعتماد على الديون، والمساعدات غير المنتظمة، والعمل الهش.
الفقر كظاهرة اجتماعية: تفكك صامت
تؤكد الاختصاصية الاجتماعية عائشة بن يحمد أن الفقر حالة اقتصادية اجتماعية تُفضي مباشرة إلى عجز الأسر عن تلبية احتياجاتها الأساسية، من غذاء وكساء وسكن وعلاج وتعليم. هذا العجز لا يقف عند حد الحرمان المادي، بل يمتد ليصيب النسيج الاجتماعي في العمق.
فمع تزايد الضغوط، ترتفع حدة الخلافات الزوجية، وقد تصل إلى الانفصال، أو تدفع أحد الزوجين إلى الهجرة القسرية بحثًا عن فرص أفضل. كما يظهر التمييز الاجتماعي بصورة أكثر حدّة، حيث يُقصى الفقراء من دوائر الاندماج، وتُصنّف العلاقات وفق معيار الدخل لا القيم.
وتضيف بن يحمد أن بعض الأفراد، تحت وطأة الضغط النفسي، قد ينزلقون إلى مسارات غير مشروعة للكسب، في بيئة يغيب فيها الردع وتضعف فيها سلطة القانون، ما يحوّل الفقر من حالة معيشية إلى بوابة لانهيارات أخلاقية وسلوكية.
آثار نفسية عميقة… الاكتئاب والقلق عنوان المرحلة
من زاوية نفسية، تشير الدكتورة سعاد المجبري إلى أن الفقر يؤثر بعمق على تكوين السلوك الاجتماعي، ويولد مشاعر الدونية والقلق وفقدان الأمان. ومع اتساع رقعة الحرمان، تصبح هذه المشاعر أرضية خصبة للاكتئاب واضطرابات الشخصية، خصوصًا لدى الفئات العمرية الشابة.
وتحذر المجبري من أن عدم القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية قد يدفع بعض الأفراد إلى الانخراط في سلوكيات إجرامية، سواء بدافع الحاجة أو بحثًا عن الانتماء داخل جماعات وعصابات، في ظل غياب مؤسسات دولة فاعلة قادرة على الاحتواء والردع.
التعليم… ضحية أخرى للفقر
في المدارس، يظهر وجه آخر للأزمة. فالأطفال من ذوي الدخل المحدود يواجهون صعوبات تتعلق بالمستلزمات التعليمية، والنقل، والتغذية، ما يؤثر على استقرارهم الدراسي. ومع ذلك، تشير ملاحظات تربوية إلى أن كثيرًا من هؤلاء الطلاب يتمتعون بذكاء عالٍ وروح تحدٍ لافتة، رافضين تلقي المساعدات، نتيجة تربية قائمة على عزة النفس.
غير أن هذا “التأثير العكسي” للفقر لا يمكن التعويل عليه طويلًا دون دعم مؤسسي، إذ إن استمرار التهميش يهدد بهدر طاقات بشرية كان يمكن أن تشكل ركيزة للتنمية.
المرأة الليبية… صمود بصمت
في قلب الأزمة، تقف المرأة الليبية من ذوات الدخل المحدود كخط الدفاع الأول عن الأسرة. فبحسب بن يحمد، تبذل النساء جهدًا مضاعفًا لخلق بيئة أسرية مستقرة، رغم شح الإمكانيات. نادرًا ما تلجأ هؤلاء النساء إلى طلب المساعدة، ويعتمدن بدلًا من ذلك على الإبداع في إدارة الموارد، واحتواء الأبناء، وترسيخ قيم الصبر والاعتماد على الذات.
هذا الصمود، وإن كان مثيرًا للإعجاب، لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتخلي الدولة عن مسؤولياتها، أو لتطبيع الفقر باعتباره قدرًا لا فكاك منه.
الأمن الهش… حين يتغذى السلاح على الفقر
على الصعيد الأمني، يتقاطع الفقر مع تغوّل المليشيات في علاقة تبادلية خطيرة. فغياب فرص العمل، وتراجع الدخل، يدفعان بعض الشباب إلى الانخراط في تشكيلات مسلحة، حيث يتحول السلاح إلى مصدر رزق، وتتحول المليشيات إلى بديل مشوّه عن الدولة.
ومع تضاؤل سيطرة الحكومة منتهية الولاية على الأجهزة الأمنية، تتراجع هيبة القانون، وتتسع مساحات الإفلات من العقاب. وهنا، لا يعود الفقر مجرد أزمة معيشية، بل عاملًا مهددًا للاستقرار العام، يغذي دوامة العنف ويطيل أمد الفوضى.
حكومة بلا بوصلة… إنفاق وولاءات
يحمّل مراقبون الحكومة منتهية الولاية برئاسة عبدالحميد الدبيبة مسؤولية مباشرة عن تفاقم الأوضاع، في ظل سياسات إنفاق غير منضبطة، وغياب الشفافية، وتحويل المال العام إلى أداة لشراء الولاءات السياسية والعسكرية. فبدل توجيه الموارد إلى برامج حماية اجتماعية وتنموية، تُهدر المليارات في بنود لا تنعكس أثرًا ملموسًا على حياة المواطنين.
ويصف منتقدون المشهد بأنه إدارة دولة بعقلية “حكومة العائلة”، حيث تُختزل المؤسسات في دوائر ضيقة، ويُقصى أصحاب الكفاءة، ما يرسخ الفساد ويقوض أي أمل في إصلاح حقيقي.
الفقر ليس قدرًا… لكن الدولة غائبة
تشدد بن يحمد على أن التعامل مع الفقر لا يعني الاستسلام له، بل يتطلب سياسات ذكية تفتح مسارات للتكيف الإيجابي، عبر دعم المشاريع الصغرى، والتدريب، وتنمية المواهب، وتقديم الدعم النفسي والمادي بكرامة. كما تدعو إلى إنشاء فرق ميدانية من مختصين اجتماعيين وأطباء، لزيارة الأسر محدودة الدخل، وحصر احتياجاتها، خصوصًا في مواسم الأعياد والدراسة.
غير أن هذه المقترحات، على واقعها، تصطدم بسؤال جوهري: من ينفذها؟ ففي ظل دولة شبه معطلة، وحكومة فاقدة للشرعية السياسية، تبقى الحلول حبيسة الورق.
التماسك الأسري… خط الدفاع الأخير
رغم قتامة المشهد، تشير المجبري إلى أن بعض الأسر الليبية ما زالت تحافظ على تماسكها، وتنجح في تربية أبنائها بعيدًا عن الانحراف، فيما يُعرف بالتأثير العكسي للفقر. هذا التماسك، القائم على الوعي والقناعة، يمثل خط الدفاع الأخير في مجتمع تتآكل فيه مؤسسات الدولة.
لكن تحميل الأسرة وحدها عبء المواجهة يعد إجحافًا، فالدولة، حين تتخلى عن دورها، تضع المجتمع بأسره في مهب الريح.
فقر بلا أفق في ظل سلطة منتهية
في المحصلة، يعكس تصاعد الفقر في ليبيا أزمة دولة قبل أن يكون أزمة موارد. فحين تغيب الرؤية، وتتغول المليشيات، ويُدار المال العام بلا مساءلة، يصبح الفقر نتيجة حتمية. ومع استمرار حكومة منتهية الولاية في الإمساك بالسلطة دون تفويض حقيقي، تتبدد فرص الإصلاح، ويتحول الأمل في حياة كريمة إلى وعد مؤجل.
الفقر في ليبيا اليوم ليس عيبًا اجتماعيًا، بل إدانة سياسية واقتصادية وأمنية لمنظومة حكم أخفقت في صون كرامة مواطنيها، وتركتهم يواجهون مصيرهم في دولة بلا دولة.



