زلزال الأزمة المالية في ليبيا.. تشخيص الواقع وخارطة الطريق للإصلاح

تعيش ليبيا مفارقة اقتصادية مثيرة للقلق.. فبينما تتدفق شحنات النفط بانتظام من موانئها لتروي ظمأ الأسواق العالمية، يغرق الداخل الليبي في ركود مالي يعكس خللا بنيويا في إدارة المال العام.
لم تعد الأزمة مجرد نقص في الموارد، بل باتت تعبيرا صارخا عن فجوة عميقة بين ثروة الأرض وكفاءة القرار، حيث يقف مصرف ليبيا المركزي اليوم في مفترق طرق خطير، يوازن فيه بين تلبية الطلب المتزايد على الإنفاق وبين الحفاظ على ما تبقى من احتياطيات نقدية تمثل صمام الأمان الأخير للبلاد.
ومع تولي الإدارة الجديدة للمصرف مهامها، برز تحول جذري في السياسة النقدية؛ فبعد سنوات من “التحفظ المالي” الذي كان يحاول كبح جماح الإنفاق الحكومي، تزايدت النزعة نحو السحب من الاحتياطيات لتغطية العجز المتنامي.
هذا التوجه يهدد بتبديد المدخرات الوطنية في أقل من عام، خاصة في ظل غياب التنسيق بين السياسات النقدية والمالية حيث ان جوهر المعضلة يكمن في هيكلية الإنفاق التي تلتهم فيها المرتبات ثلثي الميزانية، وفي “فوضى الاستيراد” التي تستنزف العملة الصعبة عبر اعتمادات مستندية تُغرق السوق بسلع استهلاكية لا تقدم أي قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
مقترحات عملية للإنقاذ
إن الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب تجاوز مرحلة “التوصيف” إلى مرحلة “التنفيذ” عبر حزمة من الإجراءات الجراحية العاجلة:
كبح جماح النزيف النقدي (ترشيد الاستيراد)
يجب على المصرف المركزي والمصالح الجمركية وضع “قائمة أولويات” صارمة للاعتمادات المستندية، بحيث تُمنح الأفضلية للمواد الخام والآلات الصناعية والأدوية، مع فرض رسوم حمائية أو قيود كمية على السلع الكمالية التي يتوفر لها بديل محلي أو التي يُستورد منها أصناف مكررة تفوق حاجة السوق، وذلك لحماية الاحتياطي النقدي من التآكل.
التحول نحو “رقمنة الميزانية” والشفافية
لا يمكن استعادة التوازن دون العودة الصارمة لقانون الميزانية. المقترح العملي هنا هو تفعيل منظومة رقابة إلكترونية تربط المصرف المركزي بوزارة المالية والجهات الرقابية، لضمان عدم صرف أي درهم خارج البنود المعتمدة، ومنع التجاوزات التي تحدث تحت مسميات الطوارئ أو التفويضات المؤقتة.
إصلاح هيكل الأجور وربطه بالإنتاجية
بدلاً من التوسع الأفقي في التوظيف الحكومي، يجب البدء في برنامج وطني لإعادة هيكلة ملاكات الجهاز الإداري، مع تقديم حوافز ضريبية وتمويلية للقطاع الخاص لاستيعاب القوى العاملة، وتوجيه جزء من إيرادات النفط لدعم “صندوق المشروعات الصغرى والمتوسطة” بدلاً من استهلاكها كمرتبات غير منتجة.
تنويع القاعدة الضريبية والجمركية
لتقليل الارتهان للنفط بنسبة 30% كخطوة أولى، يتوجب تفعيل أدوات التحصيل المالي وتطوير النظام الضريبي، بالإضافة إلى تشديد الرقابة على المنافذ الحدودية لضمان تحصيل الرسوم الجمركية بشكل عادل، مما يساهم في ردم فجوة العجز المالي.
توحيد الرؤية المالية والنقدية
تشكيل “مجلس أعلى للسياسات الاقتصادية” يضم خبراء مستقلين وممثلين عن المصرف المركزي تكون مهمته ضمان التناغم بين عرض النقود وحجم الإنفاق ، لتفادي التضخم والحفاظ على استقرار سعر الصرف.
في المحصلة فان ليبيا لا تعاني من أزمة فقر، بل من أزمة إدارة.. والطريق إلى النجاة يبدأ بوقفة جادة لإصلاح المؤسسات المالية قبل أن يجف الاحتياطي. إنها دعوة لإدراك أن النفط مورد ناضب، بينما الإدارة الرشيدة والحوكمة الصارمة هما الثروة الحقيقية التي تضمن استقرار الاقتصاد الليبي للأجيال القادمة.



