ليبيا

«التوم» جبهة الردع الأولى.. القيادة العامة تعيد ترتيب أوراق الجنوب لمواجهة شبكات الإرهاب والمرتزقة

هشاشة الجنوب.. جرس إنذار يدفع القيادة لمراجعة استراتيجية التأمين


ليبيا 24
القيادة العامة تعلن دحر مرتزقة التوم وتطارد فلولهم بالصحراء


في هجوم متزامن لم يدم سوى ساعات، أعادت عناصر مسلحة وصفتها القيادة العامة للجيش الوطني الليبي بـ«المرتزقة والعصابات الإرهابية» فتح جرح تأمين الحدود الجنوبية، باستهدافها معبر «التوم» الحدودي ونقطتي وادي بوغرارة والسلفادور في نهاية يناير الماضي. الهجوم، الذي تبنته مجموعة تطلق على نفسها اسم «ثوار الجنوب»، سرعان ما تمت السيطرة عليه، وأعلنت القيادة العامة استعادة المواقع بالكامل، غير أن الوقائع على الأرض كشفت أن المعركة أكبر من مجرد اشتباك عابر؛ إنها معركة الوجود الليبي في عمقه الإفريقي، وصراع مفتوح مع شبكات التهريب والتنظيمات المتطرفة المدعومة من أجنحة استخباراتية إقليمية.

المواطن الليبي، الذي دفع ثمن الانفلات طوال السنوات الماضية، يجد اليوم في تحركات القيادة العامة ضمانة وحيدة لردع أي تدخل في سيادة بلاده.

«مثلث الموت».. جغرافيا بلا قانون

يقع معبر التوم في أقصى الجنوب الغربي الليبي، داخل منطقة تُعرف بـ«مثلث السلفادور»، حيث تلتقي الحدود الليبية مع النيجر والتشاد والجزائر في رقعة صحراوية شاسعة تمتد لنحو 340 كيلومتراً مع النيجر وحده . هذه الجغرافيا الوعرة، التي يصعب معها فرض سيطرة بصرية كاملة، تحولت منذ 2011 إلى مسرح مفتوح لاقتصاد الظل؛ تهريب الوقود، والتنقيب العشوائي عن الذهب، وعبور المهاجرين غير النظاميين، والأخطر من ذلك – كما يؤكد مراقبون – تحولها إلى معبر إستراتيجي لإمداد الجماعات المسلحة في منطقة الساحل بالسلاح والعتاد .

العميد عادل عبدالكافي، الخبير في الشؤون الأمنية، يصف الوضع قائلاً: «هذه الحدود كانت لسنوات بوابة خلفية للميليشيات والمرتزقة. منفذ التوم تحديداً يعد الشريان التجاري البري الوحيد الذي يربط موانئنا الشمالية بأعماق إفريقيا، وسقوطه بيد أي جهة يعني خنق التجارة المشروعة وفتح الأبواب أمام الجريمة المنظمة» .

القيادة العامة تتحرك.. اجتماعات ميدانية وتعزيزات استباقية

لم يتأخر رد فعل القيادة العامة. فور استعادة السيطرة على المعبر، تصدر ملف «جاهزية الوحدات العسكرية» مباحثات قيادة الجيش. لقاء الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام، بقائد المنطقة العسكرية سبها اللواء المبروك سحبان في بنغازي، حمل رسائل واضحة: الجنوب خط أحمر، وأي خلل في المنظومة الدفاعية سيُعالَج فوراً .

مصادر عسكرية أكدت أن القيادة العامة كانت قد سبقت الهجوم بشهور في تعزيز وجودها بالجنوب، عبر نشر قوة مشتركة من اللواء 73 واللواء 128 معزز وسرية الواو والكتيبة 672، تمركزت في أم الأرانب والقطرون، بهدف تأمين الشريط مع النيجر وتشاد، وتجفيف منابع التهريب التي كانت تمول جماعات خارجة عن القانون .

القوات المسلحة لم تترك الجنوب أبداً، بل كانت تعيد ترتيب صفوفها لحرب استنزاف طويلة مع عدو لا يحمل جنسية ولا وطناً.

من يقف خلف الهجوم؟.. سرديتان وتقاطع مصالح

تباينت الروايات حول منفذي الهجوم. القيادة العامة وصفتهم في بيان رسمي بـ«مرتزقة وعصابات إرهابية خارجة عن القانون، مدعومة بأجندات خارجية»، مؤكدة أن بعضهم فر باتجاه الأراضي النيجرية بعد تكبده خسائر فادحة . في المقابل، روّجت المجموعة المهاجمة عبر مقاطع مصورة لشعارات «تصحيح مسار الثورة» والاحتجاج على «نقص الخدمات».

هنا يكمن الخطر. تطعيم مطالب الخدمات والتنمية بدماء الجنود المرابطين، ومحاولة خلط الأوراق بين حق المواطن في العيش الكريم وحق الوطن في سيادته.

اللافت أن قيادات قبيلة التبو في الجنوب سارعت إلى نفي أي تورط لأبنائها في الهجوم، مؤكدة وقوفها مع القوات المسلحة ضد محاولات زعزعة الاستقرار . اتحاد شباب التبو، ورغم انتقاده لسياسات سابقة، دان بشدة أي اعتداء على الجيش، محذراً من محاولات تحويل الجنوب إلى ساحة للجريمة المنظمة تحت غطاء سياسي .

هذا الموقف القبلي الواضح يحسم جدلاً كبيراً؛ فالمعركة ليست بين الجيش وأبناء الجنوب، بل بين الجيش وشبكات مصالح استفادت لعقود من الفراغ والتهريب، وتضررت بشدة من ضربات القيادة العامة التي جفت منابع ثرائها غير المشروع.

التنمية سلاح موازٍ.. إستراتيجية شاملة أم حلول وقتية؟

أحد أبرز المخرجات التي خرج بها المراقبون من تداعيات الهجوم هو الإجماع على أن الحل العسكري وحده غير كاف. وزير الدفاع الليبي السابق، محمد البرغثي، يرى أن «توظيف آليات مراقبة حديثة وسد الثغرات الصحراوية يجب أن يسير بالتوازي مع تنمية الجنوب وتحسين أوضاع سكانه»، محذراً من أن الانقسام السياسي يعطل هذه الجهود .

رئيس حزب «شباب الغد» أحمد المهدوي ذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن «استراتيجية التأمين الحقيقية لا تقوم على القوة المسلحة فقط، بل تشمل رؤية وطنية تقوم على الإعمار والمصالحة». وأكد أن الهجوم استهدف بالأساس عرقلة مسار التنمية في الجنوب عبر تصويره كمنطقة توتر دائم .

الجنوب الليبي ليس مجرد ثكنة عسكرية. هو وطن فيه ثروات طبيعية هائلة، من الذهب والفوسفات إلى حقول الشرارة والفيل، ومخزون استراتيجي من المياه الجوفية يكفي لزراعة الصحراء. حماية هذا العمق تعني حماية مستقبل الأجيال القادمة .

المؤتمر الأمني في بنغازي.. إقليم يبحث عن استقرار

تزامنت تداعيات هجوم التوم مع حدث بالغ الأهمية؛ انعقاد «المؤتمر الأمني الاستراتيجي الأول لرؤساء أركان دول حوض المتوسط وجنوب الصحراء» في بنغازي. الفريق خالد حفتر، رئيس الأركان، وجه رسالة تحذير صريحة خلال الافتتاح: «الفشل الأمني في أي دولة يمثل تهديداً مباشراً لأمن محيطها بالكامل» .

المؤتمر، الذي جمع 47 باحثاً وخبيراً دولياً، ناقش على مدى ثلاثة أيام آليات مواجهة الجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية والإرهاب العابر للحدود. الرسالة الليبية كانت واضحة: ليبيا لم تعد جزءاً من المشكلة، بل أصبحت رقماً صعباً في معادلة الحل. استضافتها لقادة أركان دول الجوار يؤكد أن القيادة العامة تمتلك رؤية إقليمية متكاملة، وأن التعاون الاستخباراتي والعسكري هو السبيل الوحيد لتجفيف مستنقعات الإرهاب .

رسالة إلى الداخل والخارج

ما حدث في التوم لم يكن هزيمة، بل كان اختباراً صادقاً لجهوزية القوات المسلحة ووعي القيادة. سرعة استعادة السيطرة، والتعبئة القبلية الواسعة خلف الجيش، وانعقاد المؤتمر الأمني الدولي في بنغازي، كلها مؤشرات على أن ليبيا بدأت تتعافى، وأن من راهنوا على انهيار الدولة من جنوبها راهنوا على وهم.

الليبيون، في الشرق والغرب والجنوب، أدركوا أن ما يحدث على حدودهم ليس شأناً عسكرياً بحتاً، بل هو معركة وجود. الجيش الوطني الليبي يقاتل نيابة عن الأمة جمعاء، في مواجهة عدو لا يعرف وطناً ولا قانوناً. دعمه ليس ترفاً سياسياً، بل واجب وطني وديني وأخلاقي.

الشعب الليبي داعم وبقوة للجيش الوطني الليبي وللقيادة العامة للقوات المسلحة الليبية.. الليبيون في صف الوطن والمواطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى