بين هموم المعدة ووعود الدبيبة.. الليبيون يستقبلون رمضان بجيوب خاوية وأسعار نار
قبل الهلال.. الحكومة توزع المنح والمواطن يدفع الفاتورة في أسواق الج
ليبيا 24
ليبيون بين مطرقة الغلاء وسندان السياسة.. رمضان يكسو الهموم ولا يحل الأزمات
قبل أيام قليلة من حلول شهر رمضان المبارك، يجد الليبيون أنفسهم وجها لوجه أمام معادلة قاسية لا تحتمل التأويل: كيف يصومون وقد أفطرت همومهم على غلاء لا يرحم، وكيف يفرحون بالشهر الفضيل ودولار يصعد وقدرتهم الشرائية تهوي؟ في مشهد يضاهي أفلام الكوارث الاقتصادية، تحوّلت الأسواق الليبية إلى ساحات معارك يومية بين مواطن يحاول تدبير قوت يومه، وتجار يلهثون وراء الربح السريع، وحكومة توصف بأنها “منتهية الولاية” توزع الوعود تارة والمنح الانتخابية تارة أخرى، وكأن المشهد برمته لا يعدو كونه استعراضا إعلاميا لا يلامس جوهر المعاناة.
المواطن الليبي.. من متفرج على السياسة إلى ضحية الاقتصاد
لم يعد المواطن الليبي يتابع الشأن السياسي كما كان سابقا، فالصراع على الكراسي والتحالفات المتغيرة أصبحت تهمش في وجدانه أمام صرخة البطن الجائع وقائمة المشتريات التي تضاعفت أسعارها خلال أشهر قليلة. فبينما تنشغل السفارات والمبعوثون الأمميون بترتيب الأوراق وإعادة ترتيب التحالفات، يعيش المواطن البسيط في طرابلس وبنغازي وسبها والزاوية واقعا مختلفا تماما: أسعار الزيت قفزت إلى عنان السماء، الطماطم التي كانت زينة المائدة الرمضانية باتت حديث المجالس بسبب سعرها الخيالي، واللحوم الحمراء تحولت إلى رفاهية لا يقوى عليها إلا من ملك زمام السوق السوداء.
في سوق تاجوراء الشعبي، التقينا بـ”أم خالد”، الأربعينية التي تقف حائرة أمام صناديق الخضار. تقول بصوت مبحوح: “رمضان زمان كان له نكهة، كنا نشتري ما لذ وطاب، أما اليوم فإني أحصي الحبات قبل أن أضعها في الكيس. أتيت لأشتري طماطم لإعداد العصير للإفطار، فإذا بالسعر يضاعف ما كان عليه الأسبوع الماضي”. تضيف وهي تشير إلى قائمة التسوق: “الكسكسي والدقيق والزيت والشاي.. كل شيء أصبح بثمن أغلى من ذهب، وحكومة الدبيبة تطل علينا في التلفاز لتقول إنها ضبطت الأسواق، فأي أسواق يقصدون؟”.
تعويم الدينار.. قرار اقتصادي بتبعات إنسانية
ربما يكون القرار الأكثر تأثيرا في جيب المواطن الليبي خلال العام الأخير هو ما أقدمت عليه حكومة “الدبيبة ” من تعويم سعر صرف الدينار بنسبة 14.7 في المائة مقابل الدولار، في خطوة قيل إنها لتصحيح المسار الاقتصادي، لكن نتيجتها العملية كانت انهيارا متسارعا في القدرة الشرائية. الدولار الذي كان يُحتكم إليه في التسعير الموازي أصبح اليوم يتحكم في كل سلعة مستوردة، ومع أن ليبيا بلد نفطي يفترض أن يكون الدولار متوفرا بسخاء، إلا أن المواطن يدفع الثمن غاليا نتيجة سياسات مالية غير مدروسة.
اليوم، يساوي الدولار في السوق الرسمية 6.30 دينار، لكن هذا الرقم لا يعني شيئا للمواطن البسيط، فالسلع الأساسية تخضع لقانون العرض والطلب المزيف، حيث يتحكم التجار والمستوردون المقربون من دوائر القرار في تدفق البضائع وتوقيت رفع الأسعار. والأدهى من ذلك، أن الأسر الليبية تعيش حالة من القلق الدائم من اختفاء بعض السلع الأساسية فجأة من الأسواق، لتظهر بعد أيام بأسعار جديدة أعلى، في سيناريو بات مألوفا مع كل مناسبة أو شهر رمضان.
منحة المتقاعدين.. كسرة خبز في بحر الجوع
في خطوة وصفتها مصادر حكومية بأنها “دعم للفئات الأكثر احتياجا”، أعلنت حكومة عبد الحميد الدبيبة عن منحة استثنائية بقيمة ألف دينار ليبي للمتقاعدين الذين لا تتجاوز معاشاتهم التقاعدية 1500 دينار . القرار الذي صدر تحت رقم (49) لسنة 2026، يبدو في ظاهره خطوة إنسانية، لكنه في باطنه يكشف عن قصور التفكير الحكومي الذي يعالج الأزمة بمسكنات مؤقتة بدل التشخيص الدقيق للمرض المزمن.
المواطن عبد الله البوسيفي، سبعيني من طرابلس، يقول بمرارة: “ألف دينار في رمضان؟ نعم ستساعدنا قليلا، لكن ماذا بعد رمضان؟ المعاش نفسه لا يكفي أسبوعين في ظل هذه الأسعار. نحن لا نريد منحة هنا وزيادة هناك، نريد سوقا مضبوطة وقدرة شرائية تحفظ لنا كرامتنا”. ويضيف في تصريح خاص: “ابني العامل في القطاع الخاص يتقاضى مرتبا لا يتجاوز الألف دينار، كيف سيواجه شهر رمضان بعائلته المكونة من خمسة أفراد؟”.
الخبير الاقتصادي أبو بكر الهادي يرى أن هذه المنح، رغم أهميتها النفسية، لا تلامس جوهر المشكلة. يقول في تحليل سابق: “مثل هذه المنح قد تخفف بشكل مؤقت من ضغوط المعيشة على المتقاعدين، لكنها لا تعالج المشكلات البنيوية المتعلقة بانخفاض القدرة الشرائية للعملة المحلية. الحكومة بحاجة إلى استراتيجيات مالية طويلة الأجل تشمل ضبط الإنفاق العام وتحفيز النمو الاقتصادي” .
أزمة السيولة.. الفلوس مش موجودة
قبل حلول رمضان بأيام، عادت أزمة السيولة النقدية لتطرق أبواب الليبيين من جديد. ففي مشهد يثير الاستغراب والعجب، تقف طوابير المواطنين أمام المصارف لساعات طويلة، فقط ليقال لهم “لا يوجد سيولة”، أو “ماكينة الصراف الآلي عطلانة”. أزمة تكرر نفسها كل موسم، وكأن الحكومة والمصرف المركزي لا يمتلكان خارطة طريق لحلها.
مجلس النواب ، ومنذ يناير الماضي، شكل لجنة خاصة برقم (2) لسنة 202م للتواصل مع محافظ مصرف ليبيا المركزي ومجلس إدارته، للتحقيق في أسباب الأزمة النقدية ومشاكل نقص السيولة وسعر الصرف . اللجنة عقدت اجتماعها الخامس مع النائب العام المستشار الصديق الصور، في محاولة للوصول إلى جذور المشكلة التي تستعصي على الحل منذ سنوات. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: أين وصلت تحقيقات هذه اللجنة؟ وهل ستخرج بنتائج تعيد الثقة إلى المواطن في من يجب أن تكون الأكثر استقرارا في البلاد؟
التسعيرة الجبرية.. حل أم مشكلة؟
وزارة الاقتصاد في حكومة الدبيبة تعوّل كثيرا على “التسعيرة الجبرية” لبعض السلع، واصفة إياها بأنها “أداة مؤقتة” لخفض الأسعار، دون التسبب في اختفاء السلع أو خلق نقص مصطنع في السوق. لكن الواقع الميداني يقول شيئا آخر. ففي جولة سريعة على بعض الأسواق، نجد أن المواد الغذائية الأساسية إما أنها لا تتوفر بالسعر الرسمي، أو أنها تختفي تماما لتظهر في السوق الموازية بأسعار خيالية.
بائع التجزئة “أحمد الترهوني” يشرح المعادلة الصعبة التي يعيشها: “نحن نشتري البضاعة من تجار الجملة بأسعار مرتفعة، وعندما نلتزم بالتسعيرة الجبرية نخسر رأس مالنا، وإذا لم نلتزم يهددنا الحرس البلدي بالغلق والمخالفة. المواطن يظن أننا سبب الغلاء، لكننا في الحقيقة الحلقة الأضعف في هذه السلسلة”. ويضيف: “الحكومة لو كانت جادة في ضبط الأسعار، يجب أن تبدأ من الجمارك والموانئ ومنافذ التوزيع الكبرى، وليس من دكان صغير لا يملك هامش ربح يتجاوز 10 في المائة”.
صوت المعارضة.. اتهامات بالفساد واستغلال المناسبات
في خضم هذه الأجواء المشحونة بالهموم، ترتفع أصوات معارضة تتهم حكومة الدبيبة باستغلال شهر رمضان لتمرير مكاسب سياسية وشراء ذمم المواطنين بمنح إغاثية لا تقدم حلا حقيقيا. مصادر سياسية تشير إلى أن الاعتمادات المالية الإضافية التي فتحتها الحكومة خلال الأسابيع الماضية، والمقدرة بمئات الملايين، تذهب في جزء كبير منها إلى جهات غير رسمية ومقربين من دوائر القرار، تحت مسميات الدعم الاجتماعي والحماية المدنية .
رغم أن الحكومة تنفي هذه الاتهامات جملة وتفصيلا، إلا أن المراقبين يرون أن توقيت هذه الاعتمادات المالية المفتوحة، عشية شهر رمضان، يحمل الكثير من الشبهات. ففي الوقت الذي يعاني فيه المواطن العادي للحصول على مقومات العيش الأساسية، تتدفق الأموال على مؤسسات وهيئات لا تخضع للمساءلة أو الرقابة، مما يعمق الشعور بعدم العدالة ويزيد الاحتقان الاجتماعي.
المشهد السياسي في الظل.. معركة على كعكة الحكم
بينما ينشغل الليبيون بهموم العيش، يستمر الصراع السياسي في غرف مغلقة. رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي يلتقي برئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة لبحث آخر المستجدات، والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تستأنف لقاءاتها مع القوى والأطراف الليبية لحلحلة العملية السياسية. لكن المواطن الليبي، الذي ذاق مرارة انسداد الأفق السياسي لسنوات، بات لا يعلق أملا كبيرا على هذه التحركات.
المحلل السياسي محمد محفوظ يرى أن أغلب الليبيين يشعرون بإحباط حيال حدوث أي تغيير في المشهد السياسي، سواء عبر البعثة الأممية أو أي مبادرة دولية . ويضيف أن الصراع السياسي لم يحول تفكير الليبيين عن الانشغال بأمور ومشاكل حياتهم اليومية، فالمواطن بات أكثر اهتماما بارتفاع سعر الطماطم منه بتغيير الحكومة أو عقد الانتخابات.
عضو المجلس الأعلى للدولة علي السويح يذهب إلى أبعد من ذلك، مؤكدا أن المواطن “عاد للانشغال بأزماته المستمرة دون أن ينخدع بخطوات استقطابه، لكونه يحتاج إلى من يشعره بكرامته عبر توفير خدماته الأساسية من تعليم وصحة وأمن” .
نساء ليبيا.. خط الدفاع الأول في معركة العيش
في المشهد الرمضاني الليبي، تبقى المرأة هي خط الدفاع الأول عن الأسرة. هي من تدير ميزانية البيت المثقلة بالديون، وهي من تبحث عن أرخص السلع في أبعد الأسواق، وهي من تخفي دموعها عندما لا تجد ما يسد رمق أطفالها. فاطمة العباني، أرملة وأم لأربعة أطفال، تصف واقعها بكلمات تخترق القلب: “الزيادة التي أعلنتها الحكومة مهمة، وتظهر أنهم يحاولون، لكنها لا تكفي لمجاراة التضخم. الأسعار ترتفع أسرع من المرتبات، ونشعر بأن قوتنا الشرائية تتراجع يوميا. المنحة تساعد على شراء بعض الاحتياجات الرمضانية، لكنها لا تغطي تكاليف الإيجارات وأسعار اللحوم والنقل التي ارتفعت بشكل كبير جدا” .
تضيف فاطمة وهي تمسح دمعا يكاد يسقط: “أطفالي يسألونني كل يوم: ماما، هل سنصوم هذا العام؟ هل سنشتري حلوى العيد؟ لا أعرف ماذا أقول لهم. أخشى أن يأتي رمضان فأكون عاجزة عن توفير حتى أساسيات الإفطار. ليس ذنبي أنني أرملة، وليس ذنب أطفالي أن الحكومة فشلت في حمايتنا”.
القطاع الخاص بين فكي الأزمة
لم يكن المواطن العادي وحده من يعاني ويلات الأزمة الاقتصادية، فالقطاع الخاص الليبي يعيش هو الآخر أياما عصيبة. أصحاب المحلات والمقاهي والمطاعم الصغيرة، التي تشكل شريان الحياة في المدن الليبية، يجدون أنفسهم أمام خيارين: إما رفع الأسعار لمواكبة التضخم وفقدان الزبائن، أو الإبقاء على الأسعار قد ما أمكن والإفلاس التدريجي.
محمد الفيتوري، صاحب مقهى صغير في وسط طرابلس، يقول: “رمضان كان في الماضي موسما للرزق، المقاهي تمتلئ بالزبائن بعد الإفطار، والعائلات تخرج للتنزه، لكن اليوم الوضع مختلف. الناس أصبحت تحسب الريال قبل أن تخرج من بيتها، وكثيرون فضلوا الجلوس في المنازل لتوفير النفقات. أنا لا ألومهم، فالظروف صعبة على الجميع”. ويضيف: “الضرائب علينا ثقيلة، وفواتير الكهرباء مرتفعة، والإيجار لا يرحم، والإقبال ضعيف. لا أدري كيف سأمرر هذا الشهر”.
مستقبل مجهول.. ورمضان يطل
مع اقتراب الهلال، تبقى الأسئلة معلقة دون إجابة: هل ستشهد الأسواق الليبية استقرارا في الأسعار؟ هل ستنجح الحكومة في توفير السيولة النقدية للمواطنين قبل العيد؟ هل سيعيش الليبيون رمضان بكرامة أم أن الشهر الفضيل سيكون مجرد محطة جديدة في مسلسل المعاناة اليومية؟
الحكومة تبدو واثقة من خطواتها، تعلن عن منح وتكشف عن خطط لضبط الأسواق وتتحدث عن إجراءات اقتصادية ستنعكس إيجابا على المواطن. لكن الليبيين، الذين خبروا مرارة الوعود على مدى سنوات، لم يعودوا يصدقون الكلام المعسول. يريدون فعلا على الأرض، يريدون أسعارا منخفضة، يريدون سيولة في أيديهم، يريدون حكومة تحس بمعاناتهم وتعمل على تخفيفها، لا حكومة تنتظر انتهاء ولايتها لتترك خلفها تركة مثقلة بالأزمات.
في شارع الظهرة بطرابلس، حيث تزدحم المحال التجارية، تتجول عائلة صغيرة تنظر إلى واجهات المحلات بحسرة. الأب يقول لأطفاله: “رمضان هالسنة غير، خلينا ندعي ربي يفرجها علينا”. الأم تمسك بيد طفلها الصغير الذي يبكي لأنه يريد لعبة، وتمضي به مسرعة بعيدا عن واجهات الألعاب التي باتت حلما بعيد المنال. إنها ليبيا قبل أيام من رمضان، حيث الهموم تفوق العبادات، وحيث السياسيون يتناحرون على كعكة الحكم بينما الشعب يدفع الثمن.



