أخبار العالمليبيا

القيادة العامة درع الحماية.. الجيش الوطني الليبي معقل الاستقرار في ذكرى فبراير

ليبيا 24

بقلمعبدالعزيز الزقم

ليبيا.. عقد ونصف من التحولات بين وعود فبراير وتحديات بناء الدولة

بعد خمسة عشر عاماً على المشهد التاريخي الذي غيّر ملامح المشهد السياسي في البلاد، تقف ليبيا اليوم على أعتاب مرحلة جديدة من إعادة تقييم المسار. فثورة السابع عشر من فبراير التي انطلقت بشعارات التغيير وبناء الدولة المدنية الحديثة، لم تكن مجرد لحظة فارقة في التاريخ الليبي المعاصر، بل كانت أيضاً بداية رحلة معقدة من التحولات الكبرى. هذه الرحلة التي امتدت لأكثر من عقد، كشفت عن عمق التحديات التي تواجه عملية الانتقال من النظام القديم إلى دولة المؤسسات، في ظل تركة ثقيلة من التجاذبات الداخلية والتدخلات الخارجية.

التحولات الكبرى: من الاستقلال إلى ثورة فبراير

يمثل مسار ليبيا السياسي منذ الاستقلال عام 1951 حالة فريدة في المنطقة العربية، حيث كانت البلاد تمتلك مقومات دولة واعدة بنظام تعليمي متطور واقتصاد منفتح على العالم. غير أن العقود التي تلت ذلك شهدت تحولات عميقة في بنية المجتمع والدولة، مع تغيرات في التوجهات السياسية والاجتماعية أثرت بشكل كبير على عملية التنمية والبناء المؤسسي. هذه التحولات التاريخية شكلت خلفية مهمة لفهم جذور الأزمة الراهنة، حيث تراكمت الإشكاليات السياسية والاجتماعية على مدى عقود، لتظهر بشكل جلي في أعقاب ثورة فبراير.

لقد كانت ثورة 2011 نقطة تحول رئيسية، حيث التقى فيها السعي الداخلي للتغيير والانفتاح على العالم مع مصالح إقليمية ودولية متشابكة. هذا التقاطع، الذي بدا في بدايته وكأنه قوة دافعة نحو المستقبل، تحول سريعاً إلى عامل تعقيد إضافي مع انهيار مؤسسات الدولة الأمنية والخدمية. فغياب الرؤية الموحدة لمستقبل البلاد، وتفكك الأجهزة الأمنية، وانتشار السلاح بشكل غير مسبوق، كلها عوامل أوصلت ليبيا إلى حالة من السيولة السياسية والأمنية التي تستمر حتى اليوم.

المؤسسة العسكرية: حجر الزاوية في معادلة الأمن القومي

في خضم هذا المشهد المعقد، برز دور المؤسسة العسكرية الوطنية كعامل استقرار رئيسي لا يمكن تجاهله. فقد تمكنت القيادة العامة للجيش الليبي، ومن خلال جهود مضنية، من إعادة بناء هيكل المؤسسة العسكرية وتأهيلها لتكون قادرة على القيام بواجباتها في حماية الحدود وتأمين مقدرات الدولة. هذا الدور المحوري للجيش الليبي يأتي في وقت تتصارع فيه قوى متعددة على النفوذ والثروة، مما يجعل من المؤسسة العسكرية الضامن الحقيقي لوحدة البلاد وسيادتها.

إن الدعم غير المحدود لهذه المؤسسة الوطنية يمثل خياراً استراتيجياً للحفاظ على تماسك الدولة الليبية في مواجهة محاولات التقسيم والانفصال. فالجيش الليبي، بكل ما يمتلكه من عقيدة وطنية وتاريخ مشرف، يشكل اليوم خط الدفاع الأول عن المشروع الوطني الجامع، وهو القادر على توفير البيئة الآمنة التي يحتاجها أي مسار سياسي ناجح.

الانسداد السياسي وتداعياته على الحياة اليومية

على الجانب الآخر، يعاني المسار السياسي من أزمة حقيقية تتمثل في فشل الطبقة الحاكمة في الوفاء بتعهداتها تجاه الشعب الليبي. حالة الانقسام المؤسسي بين حكومتين وبرلمانين، وعدم فاعلية المجالس الاستشارية، وتعطل دور المؤسسات التشريعية والرقابية، كلها عوامل ساهمت في إطالة أمد الأزمة. هذا الشلل السياسي لم يكن مجرد أزمة نخب، بل انعكس بشكل مباشر ومؤلم على حياة المواطن العادي.

فالمواطن الليبي أصبح يدفع ثمن هذا الانسداد غالياً، من خلال تدهور الخدمات الأساسية، وتآكل القوة الشرائية للدينار الليبي أمام العملات الأجنبية، واستمرار أزمة السيولة، وتردي الأوضاع المعيشية بشكل عام. إن الأزمة الليبية اليوم ليست سياسية فقط، بل هي أزمة إنسانية واقتصادية واجتماعية، جعلت شريحة واسعة من الليبيين تعيش حالة من الإحباط وفقدان الأمل في جدوى العملية السياسية برمتها.

التدخلات الدولية: لعبة الأمم في الداخل الليبي

لا يمكن قراءة المشهد الليبي بمعزل عن التأثيرات الخارجية التي تمثل عاملاً حاسماً في إطالة أمد الأزمة. فليبيا لا تزال تحت طائلة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، مع استمرار تعاقب المبعوثين الدوليين الذين يديرون الملف السياسي وفق رؤى غالباً ما تكون مرتبطة بتوازنات القوى داخل مجلس الأمن. هذه التوازنات تجعل من ليبيا ساحة لتصفية الحسابات وتجاذب المصالح بين القوى الكبرى، التي تستخدم أذرعاً إقليمية وعربية لتحقيق مكاسبها.

إن استمرار هذه التدخلات يحول دون الوصول إلى حل ليبي-ليبي حقيقي، حيث تظل القرارات المصيرية معلقة بانتظار تفاهمات خارجية قد لا تتوافق بالضرورة مع تطلعات الليبيين. العديد من الدول الفاعلة في الملف الليبي، بما في ذلك القوى الغربية الكبرى، تنظر إلى ليبيا من منظور مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية فقط، دون اعتبار حقيقي لاستقرار البلاد أو وحدة شعبها. هذا الواقع يجعل من الضروري بمكان أن يمتلك الليبيون زمام المبادرة لاستعادة سيادتهم الوطنية.

المصالحة الوطنية: ضرورة وجودية لا خيار تكتيكياً

في ظل هذا المشهد المركب، تبرز المصالحة الوطنية الشاملة كأولوية قصوى وضرورة وجودية لإنقاذ البلاد. لكن هذه المصالحة لكي تنجح، يجب أن تكون ليبية خالصة، تنبع من الداخل الليبي وتتوافق مع خصوصية المجتمع وتاريخه. التعويل على الحلول الجاهزة القادمة من الخارج أثبت فشله الذريع على مدى السنوات الماضية، وجدد فقط حالة الجمود والانقسام.

المصالحة الحقيقية تتطلب تجاوز خطاب الكراهية والتحريض، وتغليب لغة العقل والحكمة، والاعتراف بأن الوطن يسع الجميع. إنها عملية معقدة تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية، ودعم شعبي واسع، ورؤية واضحة لمستقبل ليبيا كدولة موحدة قائمة على المواطنة المتساوية وسيادة القانون. كما تتطلب إعادة تعريف مفهوم الوطن، من كونه مجرد ولاءات لشخصيات أو مناطق، إلى كونه كياناً جامعاً تقوم على أسسه الحقوق والواجبات.

الآفاق المستقبلية: بين حسابات الداخل وخيارات الخارج

رغم كل التحديات، يبقى الأمل قائماً في قدرة الليبيين على تجاوز محنتهم. فالشعب الليبي الذي استطاع على مدى تاريخه تخطي الكثير من الصعاب، قادر اليوم على إعادة بناء دولته إذا توفرت الإرادة الوطنية الصادقة. الحل يكمن في إطلاق حوار وطني جاد وشامل، يشارك فيه جميع أطياف المجتمع الليبي بلا استثناء، بعيداً عن الإملاءات الخارجية وحسابات المصالح الضيقة.

المرحلة المقبلة تتطلب وقفة صادقة مع الذات، وتقييماً موضوعياً للأخطاء التي ارتكبت في السنوات الماضية. إن ليبيا تمتلك كل مقومات النجاح: ثروات طبيعية هائلة، موقع جغرافي استراتيجي، طاقات شبابية واعدة، ومخزون حضاري وثقافي عريق. ما ينقصها هو التوافق الوطني على مشروع جامع، وإرادة سياسية قوية قادرة على ترجمة هذا المشروع إلى واقع ملموس، مع الاستمرار في دعم المؤسسة العسكرية الوطنية باعتبارها صمام الأمان للبلاد. الطريق طويل وشاق، لكن استعادة الدولة الليبية الموحدة والقوية هي هدف لا محيد عنه، يستحق من أجله الجميع بذل الغالي والنفيس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى