ليبيا

صندوق الزجاج والورود الحمراء.. قصة غزال “دوركاس” التي هزت الضمير البيئي في ليبيا

منظمة تطالب بحماية الحياة البرية بعد حادثة صندوق الزجاج

ليبيا 24

مقطع زفاف يظهر غزالاً مهدداً كهدية يثير غضباً عارماً

مشهد الزفاف الذي تحول إلى فضيحة

في لحظة كانت مفترضة أن تكون عنواناً للفرح والبهجة، تحولت لقطة سريعة التقطتها كاميرا هاتف نقال إلى أداة كشف فاضحة لسلوك بيئي وإنساني هز أركان النشاط الحقوقي في ليبيا. ذلك المشهد الذي جمّد الابتسامات على شفاه الناشطين، تمثل في غزال بري نادر وضع داخل صندوق زجاجي شفاف، وزينت جوانبه الورود الحمراء، ليُقدَم كهدية عرس في حفل زفاف، وكأنه طبق حلوى أو باقة أزهار.

ما إن انتشر المقطع المصور على منصات التواصل الاجتماعي، حتى انقلبت الآلية الرقمية من فضاء للترفيه إلى ساحة للمساءلة الأخلاقية والقانونية. لم يكن الفعل مجرد هفوة عابرة في نظر المراقبين، بل تجاوز ذلك إلى اعتباره انتهاكاً صارخاً للقوانين البيئية والاتفاقيات الدولية التي تحمي الكائنات المهددة بالانقراض.

غزال “دوركاس”.. كنز صحراوي على حافة الهاوية

بحسب المعطيات المتاحة من الهيئات البيئية الدولية، فإن غزال “دوركاس” الذي وثقه المقطع، يُصنف ضمن القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، وهي القائمة التي لا تدرج إلا الأنواع التي تلوح في أفقها شبح الانقراض. يتميز هذا الغزال بقدرة استثنائية على التكيف مع البيئات الصحراوية القاسية، إذ يستطيع العيش لأشهر طويلة دون الحاجة إلى شرب الماء، مستلهماً رطوبته من النباتات التي يتغذى عليها.

وهذه الخاصية الفريدة، التي جعلت منه أيقونة للصمود في البرية، هي ذاتها التي جعلته هدفاً للصيد الجائر والاستغلال البشري. إذ يسهل اصطياده في فترات الجفاف عندما يضطر للاقتراب من الواحات والمناطق المأهولة، مما أدى إلى تناقص أعداده بشكل مقلق خلال العقود الأخيرة.

غضب رقمي يتحول إلى مطالب قانونية

لم ينتظر الناشطون البيئيون طويلاً قبل أن تتحول مشاعر الصدمة إلى أفعال. ففي منشورات متتالية، دوّن ناشط على فيسبوك تعليقاً لخص حالة الاستنكار العامة قائلاً: “ما حدث انتهاك واضح لحقوق الحيوان واستغلال لكائن بري في غير بيئته”. هذا التعليق الذي بدأ كرأي فردي، سرعان ما تحول إلى شعار تردده مئات الحسابات الناشطة في المجال الحقوقي والبيئي.

أما الناشطة التي فضلت عدم كشف هويتها خوفاً من ردود فعل عائلية محتملة، فذهبت إلى أبعد من ذلك، واصفة ما جرى بـ”الجريمة والمخالفة القانونية”، ومؤكدة أن “الصمت على مثل هذه التصرفات يشجع تكرارها”. وهو تحذير لم يكن مجرد تهويل عاطفي، بل يستند إلى وقائع ميدانية تؤكد أن التعامل مع الكائنات الحية كديكور مناسبات بات ظاهرة متنامية في بعض الأوساط الاجتماعية.

الجمعية الليبية لحماية الحياة البرية تتدخل رسمياً

في تطور لافت، أصدرت الجمعية الليبية لحماية الحياة البرية بياناً رسمياً يوم الأحد، جاء فيه أن استغلال الكائنات الحية لأغراض الاستعراض والترفيه “يمثل سلوكاً غير إنساني ويخالف القوانين والاتفاقيات الدولية”. وبحسب البيان، فإن وضع الغزال داخل صندوق زجاجي وتقديمه كهدية يحمل ثلاثة انتهاكات في آن واحد: الأول متعلق بحقوق الحيوان في العيش في بيئته الطبيعية، والثاني يتعلق بالاتجار غير المشروع بالأنواع المهددة، والثالث يتعلق بتحويل كائن حي إلى سلعة استهلاكية.

وأضافت الجمعية في بيانها أن غزلان “دوركاس” تخضع لحماية دولية صارمة بموجب اتفاقية “سايتس” التي تنظم الاتجار بالأنواع المهددة، وأن أي عملية صيد أو نقل أو عرض لهذه الحيوانات دون تراخيص رسمية تعتبر جريمة يعاقب عليها القانون في معظم الدول الموقعة على الاتفاقية.

توتر اجتماعي وبيئي.. من يتحمل المسؤولية؟

المتابع للتعليقات على مواقع التواصل يلاحظ انقساماً حاداً بين فئتين: فئة ترى في ما حدث مجرد “عيب اجتماعي” لا يرقى إلى مستوى الجريمة، وفئة أخرى تصر على أن المشهد يعكس أزمة حضارية وأخلاقية عميقة في علاقة المجتمع بالكائنات الحية.

وهذا الانقسام يعيد طرح سؤال جوهري: هل القوانين البيئية الليبية الحالية كافية لردع مثل هذه السلوكيات؟ وهل هناك وعي مجتمعي كافٍ بخطورة استغلال الحيوانات البرية في المناسبات الاجتماعية؟

بحسب خبراء بيئيين تحدثوا لمراسلنا، فإن القوانين الليبية المتعلقة بحماية الحياة البرية تعاني من ثغرات كبيرة في مواد التنفيذ والعقوبات، كما أن غياب آلية رقابية فاعلة على المنافذ البرية والبحرية يسهل عمليات تهريب وصيد هذه الحيوانات النادرة.

مطالب بتشديد العقوبات وإطلاق حملات توعوية

في خضم هذا الجدل، بدأت أصوات حقوقية وبيئية تعلو للمطالبة بتشديد العقوبات على كل من يثبت تورطه في صيد أو نقل أو استغلال الحيوانات المهددة بالانقراض. كما طالبت هذه الأصوات بإطلاق حملات توعوية وطنية موجهة للأسر والمؤسسات التعليمية، بهدف تغيير النظرة الثقافية السائدة التي تتعامل مع الكائنات البرية كأدوات ترفيه أو مظاهر تباهي اجتماعي.

أحد النشطاء البيئيين قال في تصريح لمراسلنا: “لن يتوقف هذا السلوك إلا عندما يشعر مرتكبه أنه مراقب، وأن ثمناً باهظاً سيدفعه. نحتاج إلى قوانين رادعة، لكننا نحتاج أيضاً إلى تغيير ثقافي جذري يبدأ من المنزل والمدرسة”.

تحذير من تكرار السيناريو

الخشية الأكبر التي يعبر عنها المراقبون الآن، هي أن يكون هذا المشهد مجرد غيض من فيض، وأن تكون هناك حالات مشابهة لم يتم توثيقها أو كشفها بعد. وهو ما دفع الجمعية الليبية لحماية الحياة البرية إلى إطلاق خط ساخن للإبلاغ عن أي انتهاكات مماثلة، مع وعد بالحفاظ على هوية المبلغين.

في الوقت نفسه، دعت الجمعية النيابة العامة إلى فتح تحقيق عاجل في الحادثة، والكشف عن هوية الشخص الذي قدم الغزال كهدية، والشخص الذي التقط المقطع، ومنظمي حفل الزفاف، تمهيداً لتقديمهم إلى العدالة.

خلاصة المشهد

ما حدث في حفل الزفاف ذلك ليس مجرد خطأ فردي عابر، بل هو انعكاس لأزمة أكبر تتعلق بغياب الوعي البيئي وضعف تطبيق القوانين. غزال “دوركاس” الذي نجا لآلاف السنين في صحراء ليبيا القاسية، بات اليوم مهدداً ليس فقط بالصيد الجائر وتغير المناخ، بل أيضاً بثقافة اجتماعية تحول الكائنات الحية إلى ديكور عابر في ليلة فرح.

المشهد الذي صدم الناشطين، قد يكون نقطة تحول إذا ما استثمر بشكل صحيح لدفع السلطات والمجتمع إلى مراجعة جادة للعلاقة مع الحياة البرية. وإلا فإن الصورة القادمة قد لا تكون غزالاً في صندوق زجاجي، بل قبراً لآخر أنواع “الدوركاس” في البرية الليبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى