رد فقهي على فتوى الغرياني: تجزئة معيار “القبض” بين الذهب وسائر السلع لا يسوغ شرعاً
جدل فقهي واسع في ليبيا حول البيع بالبطاقة المصرفية
ليبيا 24
أستاذ بجامعة طرابلس يرد على فتوى الغرياني ويحذر من خلل السوق
أستاذ الفقه بجامعة طرابلس يعلن أن البيع بالبطاقة “نقد حكمي” وليس “بيع آجل”
أثارت فتوى دار الإفتاء الليبية التابعة للمفتي المعزول الصادق الغرياني، التي تصف التعامل بالبطاقة المصرفية بأنه “بيع بالآجل” وتجيز زيادة السعر عليه، جدلاً فقهياً واقتصادياً واسعاً في الأوساط الليبية. وتتصاعد حدة النقاش مع مطالبات بضبط الأسواق وحماية المستهلك من الغبن الفاحش، في ظل أزمة سيولة خانقة تعصف بالبلاد وتقسم السوق المالي إلى نقد وسائل إلكترونية تحكمها فروقات سعرية باتت تثقل كاهل المواطن.
وفي ردّ علمي فقهي هو الأول من نوعه بهذا المستوى من التفصيل، أكد أستاذ الفقه وأصوله بجامعة طرابلس، وعضو مجلس الدولة، أحمد توفيق يعقوب، في تصريحات خاصة أن وصف التعامل بالبطاقة المصرفية بـ”بيع الآجل” يعد خلطاً بين عارض تقني وشرط تعاقدي، وهو قياس لا يصح شرعاً ولا قانوناً.
وشرح يعقوب أن البيع بالبطاقة هو “بيع حاضر بنقد حكمي”، استجمع شروط التقابض الفقهية والقانونية بمجرد “التخلية والقيد” المصرفي، مشدداً على أن البائع يستوفي الثمن برضاه بنقود مصرفية مقبولة قانوناً.
“عائق إداري” لا يقدح في فورية الوفاء
أما عن أزمة تحويل النقود المصرفية إلى سيولة ورقية (كاش) التي تعاني منها ليبيا، فقد عدّها يعقوب “عائقاً إدارياً خارجياً عن ماهية العقد”، مؤكداً أنها لا تقدح في فورية الوفاء، لأن القيمة قد انتقلت والذمة قد برئت.
وحذر من أن القول بخلاف ذلك، أي عدم اعتبار القيد المصرفي قبضاً حكمياً، يؤدي إلى منطق خطير مفاده أن “كل ما يباع عبر البطاقات هو بيع دَين بدَين”، وهو ما يعني منع شراء الذهب والفضة والعملات الأجنبية بالبطاقة فوراً لانتفاء “التقابض” ووقوع الربا المحرم شرعاً.
تجزئة “القبض” بين الذهب والسلع الأخرى تهدد استقرار السوق
في لفتة فقهية استشرافية، أشار يعقوب إلى خطورة تجزئة معيار القبض بين الذهب وسائر السلع، مؤكداً أن هذا التجزئة لا تسوغ شرعاً ولا قانوناً، وهو ما يعني أن تطبيق منطق “بيع الآجل” على البطاقة المصرفية دون سواها من المعاملات، من شأنه أن يخلق فوضى في معايير الأحكام الشرعية ويضرب المبادئ الفقهية المستقرة في باب القبض.
المصرف المركزي وهيئة الأوقاف يرفضان الفتوى
في تطور لافت، رفضت هيئة الأوقاف والشؤون الإسلامية الليبية فتوى الغرياني، وعدّت زيادة السعر “معاملة غير جائزة شرعاً”، في حين تدخل المصرف المركزي الليبي موجهاً الحرس البلدي باتخاذ إجراءات رادعة تجاه التجار الذين يستغلون المواطنين بفروق الأسعار بين الدفع النقدي والدفع الإلكتروني، وذلك في خطوة تهدف إلى تعزيز ثقافة الدفع الإلكتروني وفق استراتيجية رسمية.
وكانت دار الإفتاء الليبية قد أصدرت فتوى أجازت فيها بموافقة واعتماد الصادق الغرياني بيع السلع بسعر أعلى عند استخدام البطاقة المصرفية، على أساس أن التعامل بها يعتبر “بيعاً بالآجل” ويأخذ حكم جواز الزيادة فيه. وهو ما اعتبره المراقبون تناقضاً واضحاً مع مواقف سابقة نُسبت إلى الغرياني قبل عامين، كانت تحظر زيادة السعر عند استخدام البطاقة المصرفية واصفة إياها بأنها استغلال للمواطنين.
وتأتي هذه التطورات في وقت تعاني فيه ليبيا من شح حاد في السيولة النقدية وتراجع في القوة الشرائية، ما جعل من هذه الاجتهادات الفقهية الاقتصادية موضع نقاش حاد بين مؤيد ومعارض، وسط مخاوف من أن تؤدي الفتوى إلى فوضى سعرية وتعميق معاناة المواطنين.



