تصعيد غير مسبوق يضع الشرق الأوسط على حافة الهاوية بين تهديدات الحرس الثوري ووعود ترامب بـ”تغيير شامل”
الحرس الثوري يهدد بتوسيع الرد العسكري خارج غرب آسيا
ليبيا 24
ترامب يتوعد بزوال نظام إيران وتحذير من اختفاء حضارة
طهران تتوعد برد يتجاوز المنطقة وواشنطن تعلن ساعات حاسمة
واشنطن – طهران – تل أبيب
في تطور دراماتيكي يشهد مسرح العمليات في غرب آسيا، رفع الجانبان الأمريكي والإيراني من حدة خطابهما التصعيدي، وسط مؤشرات متزايدة على اقتراب لحظة فاصلة قد تعيد تشكيل خريطة النفوذ في المنطقة برمتها. فبينما حذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من “اختفاء حضارة كاملة” خلال الساعات المقبلة، أعلن الحرس الثوري الإيراني رفع كل القيود والاعتبارات السابقة في اختيار أهداف رده العسكري، مهدداً بالامتداد إلى ما وراء حدود غرب آسيا.
مهلة أخيرة تنتهي اليوم
في خطوة حملت أكثر من دلالة، كشف البيت الأبيض عن قرار ترامب تمديد تعليق تدمير محطات الطاقة الإيرانية ليوم إضافي واحد فقط، ينتهي مع نهاية يوم الثلاثاء الموافق السابع من نيسان الجاري. وكان الرئيس الأمريكي قد أعلن في وقت سابق تعليقاً لمدة عشرة أيام انتهت مساء الاثنين، ليجدّد التمديد ليوم وحيد، في إشارة واضحة إلى أن الخيار العسكري لا يزال مطروحاً بقوة على الطاولة.
ويرى مراقبون للشأن الاستراتيجي أن هذا النمط من التمديدات القصيرة للغاية ليس سوى أداة ضغط نفسي ممنهجة، تهدف إلى إبقاء القيادة الإيرانية في حالة ترقب دائم، وحرمانها من أي قدرة على التخطيط الهادئ للرد أو إعادة ترتيب أوراق الدفاع. فكل يوم يمضي دون ضربة أمريكية هو هدنة مؤقتة وليست سلاماً، وهو ما يعكس إستراتيجية واشنطن القائمة على إدارة الصراع بحافة الهاوية ذاتها التي تتهم طهران بالسير عليها.
تحذير ترامب: لحظة فارقة في التاريخ الحديث
وفي مؤتمر صحفي عقد ظهر الثلاثاء من مقر إقامته في منتجع مار إي لاغو، ظهر الرئيس الأمريكي بنبرة لم يعتد عليها متابعوه، حيث مزج بين اللهجة التهديدية ونبرة تشبه الأسف. قال ترامب: “هذه الليلة قد تمثل واحدة من أهم اللحظات في التاريخ الحديث”، مضيفاً أن تغييراً “كاملًا وشاملًا للنظام” قد يحدث مع صعود قيادات وصفها بأنها أكثر عقلانية وأقل تطرفاً.
لكن اللافت في كلمة ترامب كان إشارته المباشرة إلى “سبعة وأربعين عاماً من الابتزاز والفساد والموت” التي قال إنها تقترب من نهايتها. وهو رقم يحمل دلالة رمزية عميقة، إذ يشير إلى الفترة الممتدة من عام ألف وتسعمائة وتسعة وسبعين، تاريخ سقوط النظام الملكي في إيران وقيام حكم المرشدين. وبهذا يكون ترامب قد حدد بوضوح أن الهدف ليس تغيير سلوك النظام بل تغيير طبيعة النظام ذاته.
وعلى الرغم من وعوده بالتطلع إلى “نتائج إيجابية للشعب الإيراني”، فإن تصريحاته المتزامنة مع استمرار الغارات اليومية على أهداف في طهران ومدن أخرى تضع علامات استفهام كبرى حول ماهية هذه النتائج الإيجابية في ظل استمرار سقوط ضحايا مدنيين.
الحرس الثوري يرفع الغطاء
في المقابل، جاء رد الحرس الثوري الإيراني حاسماً وحامياً، حيث أصدر بياناً في ساعات الصباح الأولى من اليوم الثلاثاء أعلن فيه رفع كل القيود والاعتبارات التي كانت تحكم عملياته السابقة. وأكد البيان أن “أي تجاوز من قبل الولايات المتحدة لما وصفها بالخطوط الحمراء سيقابل برد يتخطى الإطار الإقليمي”.
وهذا التصريح هو الأول من نوعه الذي يعلن فيه الحرس الثوري بوضوح نيته تجاوز حدود غرب آسيا في عملياته الردية. فسابقاً كانت طهران تلتزم بقواعد اشتباك غير معلنة تقضي بحصر الردود العسكرية في نطاق إسرائيل والقواعد الأمريكية داخل المنطقة، أما الآن فقد أزاح البيان هذا الخط الأحمر القديم.
الأبعاد الاقتصادية لهذا التهديد كانت الأكثر إثارة للقلق في الأوساط المالية العالمية، حيث تحدث بيان الحرس الثوري بشكل مباشر عن استهداف “البنى التحتية المرتبطة بأمريكا وشركائها، بما قد يؤدي إلى حرمانهم من موارد الطاقة في المنطقة، وعلى رأسها النفط والغاز، لسنوات”.
وهذه العبارة وحدها كافية لإشعال حالة من الذعر في أسواق الطاقة العالمية، فمنطقة الخليج العربي تضخ نحو خمسة وعشرين في المئة من إنتاج النفط العالمي، وأي تهديد حقيقي لهذه البنى التحتية يعني ارتفاعاً صاروخياً في أسعار النفط قد يصل إلى أرقام قياسية لم يشهدها العالم منذ سبعينيات القرن الماضي.
إستراتيجية الضربة الاستباقية
للتذكير، فإن الحرب المندلعة حالياً لم تكن نتيجة حادثة طارئة، بل جاءت بعد أسابيع من التصعيد المتبادل. ففي الثامن والعشرين من شباط الماضي، أعلنت واشنطن وتل أبيب بدء عملية عسكرية مشتركة وصفتاها بأنها “ضربة استباقية” بسبب تهديدات مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني. ومنذ ذلك التاريخ، تتوالى الغارات الجوية على أهداف في طهران ومدن أخرى، أسفرت عن أضرار مادية جسيمة وسقوط ضحايا مدنيين، بالإضافة إلى اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي وقادة كبار في الحرس الثوري والجيش.
ولم تقتصر العمليات على الضربات الجوية، فقد ردت إيران بصواريخ باليستية ومجنحة استهدفت إسرائيل وقواعد أمريكية في الشرق الأوسط، ووعدت برد “غير مسبوق” لم يتحقق بعد، مما يرجح أن ما تم حتى الآن هو مجرد جولات أولية في صراع طويل.
الاقتصاد الإيراني على المحك
من الناحية الاقتصادية، تعاني إيران بالفعل من ضغوط هائلة بعد سنوات من العقوبات القاسية التي أعادت تشكيل بنيتها التجارية بالكامل. فقد تراجع إنتاج النفط الخام إلى أقل من مليوني برميل يومياً، أي بنحو خمسة وأربعين في المئة عن طاقته القصوى قبل فرض العقوبات. كما أن العملة الإيرانية فقدت أكثر من تسعين في المئة من قيمتها مقابل الدولار خلال العقد الماضي، مما جعل التضخم يقفز إلى مستويات ثلاثية الأرقام.
ولكن الحرب الحالية تضع الاقتصاد الإيراني أمام اختبار وجودي جديد، فاستمرار القصف على محطات الطاقة يعني شللاً متزايداً للقطاع الصناعي، كما أن تدمير البنى التحتية للنفط سيحرم طهران من مصدرها الوحيد للعملة الصعبة. وفي المقابل، فإن تهديدات الحرس الثوري باستهداف منشآت الطاقة الخليجية تمثل سلاحاً ذا حدين، فقد تؤدي إلى إغراق المنطقة في فوضى شاملة لا يستفيد منها أي طرف.
الموقف الروسي بين المطرقة والسندان
على الصعيد الدبلوماسي، أصدرت وزارة الخارجية الروسية بياناً أدانت فيه الهجمات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، داعية إلى خفض التصعيد الفوري ووقف الأعمال العدائية. لكن موسكو تواجه معضلة معقدة، فهي من جهة ترتبط بعلاقات استراتيجية مع طهران تشمل التعاون العسكري والتنسيق في ساحات مثل سوريا، ومن جهة أخرى لا ترغب في الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن.
ومصادر دبلوماسية في فيينا تحدثت عن اتصالات روسية مكثفة مع الجانبين خلال الأيام الماضية، لكنها لم تفلح في تحقيق أي انفراجة، خاصة بعد أن رفض الجانبان الأمريكي والإيراني أي وساطة لا تتضمن تنازلات جوهرية من الطرف الآخر.
ماذا بعد؟
الساعات القادمة ستكون حاسمة حقاً، كما قال ترامب نفسه. فالموعد المحدد لانتهاء المهلة هو منتصف ليلة الثلاثاء بتوقيت واشنطن، أي فجر الأربعاء بتوقيت طهران. وإذا لم تشهد الساعات الباقية تطوراً دبلوماسياً مفاجئاً، فإن كل المؤشرات تتجه نحو تصعيد عنيف قد يشمل ضربات أمريكية واسعة على البنى التحتية للطاقة والنقل في إيران، ورد إيراني نوعي يتجاوز كل ما سبق.
ولعل أخطر ما في المشهد الحالي هو الغموض الذي يكتنف نوايا جميع الأطراف، فترامب يتحدث عن تغيير النظام لكنه لا يقدم تصوراً واضحاً لما بعد ذلك، وإيران تهدد برد يتجاوز المنطقة لكنها لا تحدد طبيعته، والجميع ينتظرون لحظة الصفر.
في مثل هذه الأجواء المشحونة، يبقى السؤال الأكبر: هل العالم على موعد مع إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط، أم أن كل هذه التهديدات ليست سوى مفاوضات تحت وطأة الحرب؟



