انزياح سعر الصرف الجمركي يفاقم الضغوط المعيشية ويكشف هشاشة العدالة الاجتماعية
فجوة الامتيازات التقاعدية تفجر جدلاً حول مبدأ العدالة الاجتماعية.
ليبيا 24
مضاعفة الدولار الجمركي تهدد بتآكل القدرة الشرائية للمواطن الليبي.
في تحليل مفصل نشره الخبير المصرفي الليبي وعضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي السابق، أمراجع غيث، عبر منصات التواصل الاجتماعي، تبلورت صورة قاتمة للمشهد الاقتصادي الليبي تتجاوز الجدل المحتدم حول سعر صرف الدينار لتكشف عن شرخ أعمق يتعلق بفلسفة الحماية الاجتماعية وعدالة توزيع الأعباء والامتيازات بين فئات المجتمع الواحد. التحليل الذي جاء في شكل تدوينة معمقة، لم يكتفِ بتشريح أثر قرار إلغاء سعر الصرف الجمركي التفضيلي، بل امتد ليشمل نقداً لاذعاً للفوارق الهيكلية في أنظمة التقاعد، وتذكيراً صارخاً بقائمة الأولويات المغيبة عن النقاش العام.
قفزة جمركية صامتة: عندما يدفع المستهلك ثمن التسعيرة الرسمية
في قلب الأزمة الراهنة، يقف ما وصفه غيث بأنه “جدار ناري” جديد سيواجه المواطن الليبي. فحتى الأمس القريب، اعتمد احتساب الرسوم الجمركية على سعر صرف افتراضي للدولار حددته وزارة المالية عام 2021 بقيمة 2.5 دينار. هذا القرار كان، وفقاً لتوصيف غيث، بمثابة صمام أمان لتخفيف وطأة الفاتورة الاستيرادية عن كاهل المواطن ووسيلة لحماية محدودي الدخل من التضخم المستورد.
إلا أن إلغاء هذا القرار، والعودة لاستخدام سعر الصرف الرسمي للمصرف المركزي والبالغ 6.40 دينار للدولار الواحد، يعني عملياً أن فاتورة الجمارك التي سيتحملها المستهلك النهائي “ستتضاعف مرتين ونصف” وفقاً لتقديرات غيث. ويشير التحليل إلى مفارقة خطيرة: فبدلاً من أن تكون الضريبة الجمركية وسيلة لضبط إيقاع السوق وحماية المنتج المحلي المتعثر، تتحول إلى أداة جباية تضخمية تثقل كاهل الخزانة العامة للمواطن لا خزانة الدولة. النتيجة المتوقعة لهذا الانزياح هي موجة تضخمية جديدة تهدد بتآكل أي أثر إيجابي لفرض ضريبة على مبيعات النقد الأجنبي، مما يخلق حلقة مفرغة من انخفاض قيمة العملة وارتفاع الأسعار.
تقاعد من فئتين: حين تصبح قوانين الضمان “معياراً للتمييز”
لم يتوقف التحليل عند حدود السياسة النقدية والتجارية، بل انتقل لفضح تناقض هيكلي صارخ في العقد الاجتماعي الليبي، متخذاً من قوانين التقاعد نموذجاً. يتساءل غيث عن “الحكمة” من خصم اشتراكات الضمان الاجتماعي على أساس إجمالي مرتب الموظف، في حين أن العائد التقاعدي لا يتجاوز سقف 80% من ذلك المرتب. يصف غيث هذا المنطق بأنه قد يكون مقبولاً إذا ما رُبط بعدد سنوات الخدمة، مقترحاً معادلة عادلة تمنح معاشاً كاملاً (100%) لمن أمضى عدداً معيناً من السنوات في خدمة المرفق العام.
غير أن ذروة النقد تتجلى عند مقارنة نظام تقاعد “المواطن العادي” مع الامتيازات التي تحظى بها فئات محددة كأعضاء مجلس النواب والسلطة القضائية. بلهجة لا تخلو من الحزم، يؤكد المصرفي السابق أن “قوانين التقاعد قوانين عامة مثلها مثل قوانين الضرائب التي عنوانها الرئيسي العدالة”. ويدعو غيث صراحة إلى تشريع موحد ينهي حالة “الأبارتايد” في المعاملة التقاعدية، محملاً مجلس النواب مسؤولية تصحيح هذا الوضع الذي يكرس شعوراً بالغبن لدى عموم الليبيين الذين يستقطع من دخولهم نفس النسب دون أن ينالوا نفس المزايا. وفي إشارة لافتة إلى بيروقراطية الضمان، أشاد غيث بفكرة استخدام الرسائل النصية الجماعية لتنبيه المتقاعدين إلى مواعيد تجديد استماراتهم، مؤكداً أن الحلول التقنية البسيطة كفيلة بتجنيب المؤسسة الانتقادات الشعبية وإضفاء طابع إنساني على إجراءاتها.
ما وراء الدولار: التنمية كترياق للإهمال المزمن
في ختام تحليله، يبدو غيث وكأنه يحاول إعادة ضبط بوصلة الخطاب العام الذي تختزله وسائل الإعلام المحلية في سؤال “ماذا سيفعل سعر الصرف غداً؟”. يتساءل الخبير باستنكار عن غياب المشاكل الهيكلية عن واجهة النقاش: التضخم المتفاقم، البطالة التي تنخر في طاقات الشباب، تدني الخدمات الصحية والتعليمية، وأزمة السكن الخانقة. ويضيف: “لماذا يسلط الضوء على مصرف ليبيا المركزي وكأنه المسؤول عن كل مشاكل البلاد؟”.
يختتم غيث تدوينته برسالة دعم مشروطة لمشاريع التنمية الجارية، من بناء المدارس والمستشفيات إلى رصف الطرق وإنشاء الجسور، معتبراً إياها الشكل الوحيد لتحقيق “الاستقرار”. وبينما يقر بوجود الفساد، إلا أنه يحذر من أن يكون الفساد ذريعة لوقف عجلة البناء، مذكراً بأن استمرار العمل هو السبيل الوحيد لتقليل الاعتماد على السلع المستوردة والعلاج في الخارج. في هذا السياق، يوجه غيث سهام النقد إلى “أنصار النظام السابق” الذين ردّدوا لعقد من الزمن مقولة “لم تبن طوبة”، قائلاً إن الاستمرار في البناء ولو مع وجود خلل، أفضل من الانكفاء على الذات بانتظار مدينة فاضلة لا فساد فيها. الرسالة واضحة: الإصلاح الاقتصادي الحقيقي لا يقتصر على تحريك أرقام سعر الصرف، بل يمتد ليشمل إعادة بناء الثقة في عدالة الدولة وقدرتها على تقديم الخدمات الأساسية.



