ليبيا

أجسام طرابلس السياسية… صور شكلية والسلاح يفرض واقع المرحلة المقبلة

صراع خفي بين الدبيبة والمنفي يعمق أزمة الشرعية المتهاوية

ليبيا 24

مع تفاقم مظاهر الاحتشاد المسلح في طرابلس وتلاشي أي أفق انتخابي حقيقي، يبدو المشهد الليبي وقد وصل إلى حالة من الجمود القاتل الذي لا يشبه سوى مرحلة انتقالية عبثية بلا سقف زمني. فبين تصريحات تنتقد “حكومة الفساد منتهية الولاية” وتدوينات تكشف عن إطاحة سفراء في صراع كسر العظم بين مراكز نفوذ متآكلة، تبرز حقيقة جلية مفادها أن هياكل السلطة القائمة في غرب البلاد باتت مجرد ديكور شكلي لدولة لم تولد بعد، بينما تحتكر التشكيلات المسلحة حق تقرير مصير ثلاثة ملايين مواطن رهائن للفوضى.

المشهد التشريعي والتنفيذي: أجسام تتنفس اصطناعياً

في تحليل لاذع يعكس مزاج الشارع الليبي المنهك، وصف المحلل السياسي سالم بوخزام الأجسام الحاكمة بأنها “صور شكلية لدولة خاوية ضعيفة”، مشيراً إلى أن المجلس الرئاسي بقيادة محمد المنفي والحكومة منتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، إضافة إلى مجلسي النواب والدولة، لا تملك الحد الأدنى من الإرادة المستقلة لفرض هيبة القانون أو تنظيم الاستحقاق الدستوري. ويذهب بوخزام إلى ما هو أبعد من التحليل النظري حين يؤكد بشكل قاطع أن إجراء أي انتخابات في البلاد يبقى ضرباً من الخيال طالما أن هذه الأجسام ذاتها هي من تسيطر على دفة المسرح السياسي. ويستند في ذلك إلى حقيقة ميدانية دامغة: لا يستطيع رئيس المجلس الرئاسي ولا رئيس الحكومة إصدار أي تعليمات ملزمة للتشكيلات المسلحة المنتشرة في طرابلس وضواحيها، مما يحول أي قرار سياسي إلى مجرد حبر على ورق ما لم يقترن بموافقة غرف العمليات العسكرية والأمنية الموازية.

حكومة منتهية الصلاحية.. اتهامات بالفساد وازدواجية في الخطاب

لا يبدو أن معسكر الدبيبة بمنأى عن النيران الصديقة، فقد كشفت تدوينة حسين بن عطية، عميد بلدية تاجوراء السابق، عن حالة احتقان متعاظمة حتى داخل الدوائر التي كانت توصف بأنها داعمة لبقاء الحكومة في طرابلس. وصف بن عطية أنصار الحكومة بأنهم “في ورطة ولن يعتذروا للشعب”، متهماً إياهم بممارسة “نفاق 2026″، في إشارة لاذعة إلى تمسكهم بالسلطة رغم وضوح فسادها وفشلها في إدارة الشأن العام. عبارة “الحكومة الدلوعة” التي استخدمها بن عطية تلخص شعوراً شعبياً عارماً بأن الطبقة الحاكمة في غرب ليبيا تعيش في فقاعة معزولة عن معاناة المواطن في أزمتي الكهرباء والسيولة، وتستخدم مفردات السياسة كشماعة لتبرير البقاء في كراسي منتهية الصلاحية.

صراع الأجنحة: إطاحة السفراء تكشف حرب المواقع الخفية

في غضون ذلك، يبدو أن المياه تجري من تحت الجسور السياسية المتآكلة. فقد فجر الدبلوماسي السابق محمد شعبان قضية بالغة الحساسية حين كشف عن إطاحة الدبيبة بسفير ليبيا لدى جامعة الدول العربية بالقاهرة، مطلب ثابت، المعروف بقربه الشديد من رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي. هذه الخطوة، بحسب ما ورد في تدوينة شعبان، أثارت غضباً واسعاً داخل أروقة المجلس الرئاسي، واعتُبرت ضربة موجعة من الدبيبة لمحاولة تقليم أظافر حلفاء خصمه السياسي. ويشير المحللون إلى أن هذه الواقعة ليست مجرد إجراء إداري روتيني، بل هي انعكاس لمعركة نفوذ شرسة تجري في الظلام بين معسكر الدبيبة ومعسكر المنفي. وأكد شعبان أن المنفي “يترنح ويفقد جميع حلفائه بعد ضربات الدبيبة”، مما يعكس تهاوي البناء الهش للمجلس الرئاسي الذي بات بلا أسنان حقيقية داخل معادلة الغرب الليبي المعقدة.

أحزاب بلا جذور ولقاءات في الفراغ السياسي

وسط هذه التجاذبات، تبرز مشاهد سريالية تحاول إضفاء شرعية على كيانات سياسية لا وزن لها في ميزان القوى الحقيقي. فقد علق الناشط السياسي محمد المبروك على لقاء المنفي برؤساء أحزاب وتكتلات سياسية وصفها بـ “خطوة في الفراغ”. وجاء تعليقه ليؤكد حقيقة هيكلية في ليبيا، وهي أن الأحزاب لا تملك أي تأثير جماهيري ولا قوة ضاغطة على الأرض. ويلخص المبروك المعادلة الليبية بجملة واحدة قاسية: “الدور والتأثير في ليبيا لمن يملك السلاح والقوة والسلطة بمختلف وجوهها”. هذه العبارة تنسف أي ادعاءات بأن المجلس الرئاسي يمكن أن يشكل مظلة لحوار سياسي مجتمعي، في وقت تغيب فيه مؤسسات الدولة الفعلية ويحل محلها منطق الميليشيا والقبيلة.

أصوات الحوار في مواجهة طوفان السلاح

على الجانب الآخر، ثمة محاولات خجولة للدفع باتجاه العقلانية، عبر عنها مقرر اللجنة التنسيقية في مجلس الدولة نوح المالطي، الذي شدد على أن المرحلة الراهنة تستوجب الجلوس إلى طاولة حوار حقيقية. غير أن دعوات المالطي، رغم وجاهتها المنطقية، تصطدم بجدار الواقع حيث لا وجود لأرضية مشتركة للتفاوض. فالسلطة الحقيقية ليست بيد “الدلوعة” ولا بيد “المنفي المترنح”، بل بيد غرف عمليات تتحكم في تدفق الوقود وحركة المطارات والمعابر. وفي بلد تعجز فيه حكومة بأكملها عن إقالة سفير دون إثارة زوبعة من الانتقام السياسي، يصبح الحديث عن مصالحة وطنية أو دستور دائم مجرد ترف فكري يمارسه ساسة في فنادق العواصم الإقليمية، بينما تتآكل البنية التحتية للدولة الليبية حجراً بعد حجر تحت وطأة الفساد والانقسام.

خلاصة المشهد: دولة بلا قوام وسلطة بلا هيبة

إن ما نشهده اليوم في المشهد الليبي هو صراع على “حقائب فارغة”. حكومة الدبيبة فقدت مبرر وجودها القانوني والأخلاقي منذ نهاية ولايتها، وتحولت إلى إدارة ذاتية تمول نفسها من إيرادات النفط بغطاء دولي يتضاءل يومًا بعد يوم. وفي المقابل، يقف المجلس الرئاسي عاجزاً عن لعب دور المحايد أو الجامع، بل يبدو طرفاً في صراع الكراسي الذي يفضحه استهداف المقربين منه في مواقع دبلوماسية هامشية. يعلق الليبيون آمالاً ضئيلة على أي اختراق دولي يفرض واقعاً جديداً، لكن الحقيقة الماثلة للعيان أن الحل يبدأ من إدراك أن هذه الأجسام لم تعد صالحة لإدارة مرحلة فارقة، وأن بقاءها ليس سوى تأجيل لانفجار اجتماعي واقتصادي أكثر عنفاً مما نراه اليوم في شوارع تاجوراء أو سوق الجمعة. طالما بقي صوت الرصاص أعلى من صوت القانون، وطالما صُنفت الحكومات بـ “الدلوعة”، ستظل ليبيا أسيرة لنماذج سلطة هجينة لا هي بالدولة القوية ولا هي بفوضى العشوائيات، بل هي حالة من العبث الممنهج يدفع ثمنها المواطن وحده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى