خبز الليبيين رهينة الإهمال: المواطن يدفع ثمن غياب الدولة.. وحكومة الدبيبة تتفرج
ليبيا 24
الخبز مرشح للانقراض: الليبي يدفع ثمن غياب الدولة
رغيف تحت رحمة الفوضى والعملة الصعبة
في الوقت الذي يتبارى فيه ساسة الغرب الليبي على اقتسام كعكة المناصب والتمثيليات الدولية، تئن موائد الليبيين تحت وطأة معركة صامتة ولكنها وجودية: معركة الخبز. بين أروقة الحكومة منتهية الولاية برئاسة عبدالحميد الدبيبة، وممرات المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، لا يبدو أن أحداً يسمع وقع ارتفاع كلفة إنتاج الرغيف الذي بات يشكل لغماً حقيقياً يهدد السلم الاجتماعي الهش في البلاد.
في تصريحات تكشف عمق الفجوة بين كواليس السلطة ومعاناة الشارع، خرج علي بوعزة، رئيس لجنة متابعة المخابز، بصوتٍ يقطر حسرة ويحذر من انهيار وشيك في منظومة الغذاء، مؤكداً أن أصحاب المخابز تحولوا إلى “جهات دعم اجتماعي” من جيوبهم الخاصة في غياب تام لأبسط صور الحماية الرسمية للمواطن المطحون.
حكومة الفنادق والمؤتمرات لا تسمع صرير الأفران
لا يحتاج المواطن الليبي إلى تقارير دولية ليعرف أن دخله الحقيقي قد تبخر، فكل رحلة إلى “المخبزة” أصبحت اختباراً للأعصاب. يقول بوعزة في تصريحاته التي رصدتها ليبيا 24: “الخبازون لم يغيروا الأسعار حتى الآن رغم أن التجار يحتفظون بأسعار ما قبل تراجع قيمة الدينار”. هذه المعادلة العبثية تختزل فشل السياسات الاقتصادية لحكومة الدبيبة. فبينما ينشغل الوزراء في معارك “شرعية البقاء” و”توزيع الإيرادات النفطية” بمنطق المحاصصة، يُترك المواطن ليواجه وحش التضخم بسلاح وحيد هو الصبر الذي بدأ ينفد.
الأرقام التي ساقها بوعزة صادمة لمن يتابع مؤتمرات الحكومة الصحفية المبهرجة:
· الدقيق: زيادة 25 بالمئة.
· الخميرة: قفزة بنسبة 45 بالمئة.
· مواد التغليف والأكياس: صعود صاروخي بنسبة 94 بالمئة.
· العمالة وأجور المساندة: ارتفاع يتراوح بين 25 و40 بالمئة.
هذه النسب ليست مجرد أرقام محاسبية، إنها شهادة وفاة لسياسة “الاستقرار المزعوم”. ففي دولة طبيعية، كان لوزارة الاقتصاد أو ديوان الحبوب أن يتدخل بآليات تحوطية، ولكن في ليبيا التي يديرها الدبيبة والمنفي، يبدو أن “الاعتمادات المستندية” من مصرف ليبيا المركزي أصبحت مجرد سراب أو أداة تحكم في رقاب التجار دون أن تصل ثمارها لبطون الجياع.
صمت الدبيبة: دعم حقيقي للنخب أم تخاذل عن الشعب؟
المفارقة الكبرى أن حكومة الوحدة الوطنية تتباهى في تقاريرها الإعلامية بصرف مليارات الدنانير على بند “الدعم”، فهل وصل هذا الدعم إلى كيس الطحين في المخبز؟ الواقع يقول لا. بوعزة يوجه سؤالاً لاذعاً: “لماذا ترتفع الأسعار في ليبيا تلقائياً مع أي أزمة خارجية، رغم أن الاعتمادات المستندية مفتوحة؟”.
الإجابة تكمن في غياب المخزون الاستراتيجي. ديوان الحبوب، الجهة المعنية بضمان ألا يجوع الليبيون، يعاني من الترهل والبيروقراطية وغياب الرؤية في عهد هذه السلطة. رئيس النقابة طالب الدولة بالتدخل لتثبيت سعر الدقيق عند سقف معقول، لكن أبواب الديوان مغلقة، وأبواب صناديق الاقتراع الوهمي هي المفتوحة.
في حوارات جانبية مع مواطنين في سوق الجمعة بطرابلس، يصف أحد كبار السن ويدعى “أبو سالم” الوضع بقوله: “الدبيبة والمنفي عايشين في المريخ، احنا هنا في ليبيا بنحسب حساب كل حبة خميرة. اللي ما عندوش دخل ثابت يا دوب ياكل خبزة وحدة في اليوم عشان يوزع الباقي على عياله”. هذا الصوت لا يصل إلى مكاتب طرابلس الفخمة، لأنه ببساطة ليس من أصوات “نواب” أو “أعيان” يشاركون في حفلات التوقيع على الميزانيات الضخمة التي تذهب جلها للرواتب الموازية والإدارات الوهمية.
“المواطن المطحون” بين مطرقة السوق وسندان الإهمال الرسمي
تحذير بوعزة بأن “الخباز لم يعد قادراً على دعم الخبز من ماله الخاص” هو بمثابة جرس إنذار أخير. فمنطقياً، لا يمكن لأي نشاط تجاري أن يستمر إذا تحول إلى عمل خيري قسري. الحكومة منتهية الولاية والمجلس الرئاسي يمارسان ضغطاً غير مباشر على أصحاب المخابز للإبقاء على الأسعار كما هي، ليس حرصاً على المواطن، بل خوفاً من انتفاضة الجياع التي قد تطيح بما تبقى من هياكلهم الهشة.
آراء الجمهور المطحون:
في جولة ميدانية بعدد من أحياء العاصمة، رصدنا حالة من الغضب المكبوت تخالطها سخرية سوداء.
· خديجة (أم لخمسة أطفال – صلاح الدين): “كل يوم نقول بكرة السعر يزيد. الحكومة تقول الرواتب زادت، طب وين الزيادة؟ زادوا العلاوات حقهم هم، احنا راحت كلها في الخبز والزيت. المنفي طاير في السفرات والدبيبة مشغول بانتخابات ما حد يدري عنها”.
· فتحي (صاحب مخبز – عين زارة): “نحن في واجهة الحرب. المواطن يلومنا إذا زدنا السعر ولو بنصف دينار، لكنه لا يعلم أن أكياس الطحين لم تعد تكفي أسبوعاً بسبب تذبذب الجودة والكمية. الدولة تاركتنا نواجه الناس وجهاً لوجه. الدبيبة لو شاف طابور الخبز صباحاً كان بكى، لكنه نايم في سرير السلطة”.
المجلس الرئاسي: غياب في ملف الأمن الغذائي
في الوقت الذي يفترض فيه أن يكون المجلس الرئاسي قائداً للسيادة والأمن القومي، يغيب ملف الأمن الغذائي تماماً عن أجندة اجتماعاته. فالمجلس الذي يترأسه محمد المنفي يكتفي ببيانات الشجب والتنديد بالتدخلات الخارجية، متجاهلاً أن السلاح الأقوى للأعداء هو تجويع الشعوب. لقد أصبحت ليبيا مرهونة لأي تذبذب في سوق القمح العالمية أو أزمة شحن في قناة السويس، وهذا عيب استراتيجي يعكس فشل المؤسسات التي يديرونها.
تصريحات بوعزة عن “الدولة غير المهتمة بملف الأمن الغذائي” هي اتهام سياسي خطير. فإذا كان الدقيق بـ195 ديناراً اليوم، فما مصير المواطن إذا أغلق مضاربون أبوابهم أو إذا انقطعت سلاسل التوريد الدولية غداً؟ لا توجد إجابة لدى الرئاسي ولا الحكومة سوى “الصبر”، تلك الكلمة التي صارت مرادفاً للإذلال في قاموس الليبيين.
تحذير أخير: رغيف الغضب قادم
يختم بوعزة حديثه بنبرة تشاؤمية منطقية: “الخباز سيضطر في النهاية إلى رفع سعر الرغيف”. هذه الجملة ليست مجرد توقع اقتصادي، إنها نبوءة سياسية. عندما يرفع سعر الخبز، ستهتز الأرض تحت أقدام من يدّعون حكم البلاد من خلف المكاتب المكيفة. سيكون ذاك اليوم هو اليوم الذي تنسف فيه “شرعية فبراير” التي يستند إليها الدبيبة، وستسقط فيها صورة “الاستقرار” الهش الذي يتغنى به أنصار المنفي.
حتى ذلك الحين، يبقى المواطن الليبي منتظراً، يراقب حبة القمح بعين، ويراقب صمت المسؤولين بعين أخرى. المعركة ليست على الرغيف فقط، إنها على كرامة دولة اختطفها فاقدو الولاية من أهلها.



