ليبيا

حرب بيانات بين رموز الماضي وحكام الحاضر تهدد مستقبل “الفرسان”

من المنصة الشرفية إلى الأرض.. انتفاضة أسطورة ليبيا الغاضبة


ليبيا 24

عاصفة بن إبراهيم تهز عرش اتحاد الكرة الليبي المتصدع

في بلدٍ لطالما شكلت فيه كرة القدم متنفسًا وحيدًا لشقاء الحياة اليومية وجسرًا هشًا للوحدة الوطنية المنشودة، تعود ساحات المستديرة لتغرق في دوامة من الشد والجذب لا تقل ضراوة عن المشهد السياسي المعقد. هذه المرة، لم تكن رصاصة الرحمة صادرة من أروقة الفصائل المسلحة أو دهاليز الانقسام الحكومي، بل انطلقت من لوحة مفاتيح أحد أبرز رموز اللعبة التاريخيين، لتكشف عن صدع عميق في بنية “الاتحاد الليبي لكرة القدم”، وهو الصدع الذي بات يهدد بابتلاع ما تبقى من حلم التأهل إلى المحافل الدولية الكبرى.

تشهد الأوساط الرياضية حالة من الجدل المتصاعد والتوتر الملحوظ، وذلك على خلفية القرارات الأخيرة التي اتخذها الاتحاد بشأن إدارة المسابقات والمنتخبات الوطنية. وفي خضم هذه الأحداث، خرج اللاعب الدولي السابق أبوبكر بن إبراهيم، النجم التاريخي لفريق الأهلي طرابلس والمنتخب الوطني، بتصريحات نارية وُصفت بأنها زلزال حقيقي في فضاء التواصل الاجتماعي الليبي، وجه خلالها انتقادات لاذعة وهجومًا حادًا على سياسات مجلس إدارة اتحاد الكرة، متهمًا إياه بإدارة الملف الكروي بعقلية “الغرف المغلقة” وبعشوائية تفتقر لأدنى معايير الاحتراف.

كواليس التعاقد مع “الأسد السنغالي”.. صفقة الأصفار أم خطأ الحسابات؟

استغل النجم الليبي السابق حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” للتعبير عن استيائه الشديد من المسار الذي تتخذه الكرة الليبية حاليًا. وركز بن إبراهيم سهام نقده على القرار الذي اعتبره الأكثر إثارة للجدل مؤخرًا، وهو التعاقد مع المدير الفني السنغالي أليو سيسيه لقيادة المنتخب الوطني الأول. وفي حين ينظر الاتحاد إلى هذه الخطوة باعتبارها نقلة نوعية نحو الاحتراف العالمي من خلال استقدام مدرب يمتلك سيرة ذاتية مرموقة على الصعيد القاري مع منتخب بلاده، وصفها بن إبراهيم بأنها “خطأ جسيم من الأساس ولا يوجد لها أي مبرر منطقي”.

بحسب تحليلات مقربة من دوائر القرار الرياضي، والتي فضلت عدم الكشف عن هويتها، فإن جوهر الخلاف لا يتعلق بكفاءة المدرب سيسيه الفنية بقدر ما يتعلق بآلية اتخاذ القرار وجدواه الاقتصادية في بلد يعاني من ضعف البنية التحتية للملاعب وتوقف النشاط المحلي. ويرى منتقدو هذه الصفقة، وعلى رأسهم بن إبراهيم، أن المبالغ المالية الضخمة التي يُعتقد أنها رُصدت للطاقم الفني الأجنبي كان الأجدر بها أن تُضخ في تطوير الأندية المحلية ودعم المدرب الوطني الكفء، في إشارة إلى توجه اتحاد الكرة نحو الحلول الاستعراضية السريعة بدلًا من العمل الجذري العميق.

وتمضي انتقادات بن إبراهيم إلى ما هو أبعد من حدود المستطيل الأخضر، لتلامس شرعية المنصب ذاته. وصعد من لهجته الهجومية حينما تطرق إلى طريقة وصول مجلس الإدارة الحالي إلى سدة الحكم، واصفًا إياها بأنها “تمت عبر الكواليس وطرق غير مشروعة”. ويشير هذا الاتهام الضمني إلى البيئة السياسية والقانونية المعقدة التي تعمل فيها الأندية والاتحادات الرياضية في ليبيا، حيث غالبًا ما تتداخل الصراعات الحكومية بين الشرق والغرب في اختيار ممثلي الهيئات الرياضية، مما ينعكس بشكل سلبي وواضح على العشوائية في طبيعة القرارات التي يتم اتخاذها يوميًّا.

“انزل إلى أرض الملعب”.. عندما تتحول المنصة الشرفية إلى ميدان معركة

ولم تتوقف انتقادات النجم الدولي السابق عند حدود القرارات الفنية والإدارية، بل امتدت لتشمل مواقف شخصية أثارت حفيظته وحولت الخلاف من نقد موضوعي إلى صراع أجيال وكرامة شخصية. وعبر بن إبراهيم عن استغرابه الشديد وصدمته من التصريحات الصادرة عن رئيس الاتحاد الليبي لكرة القدم، والتي تضمنت قرارًا بمنعه من الجلوس في المنصة الرئيسية لملعب بنغازي خلال حضوره لمنافسات بطولة شمال أفريقيا للناشئين.

وبحسب ما صرح به بن إبراهيم، فإن رئيس الاتحاد طالبه بالنزول والجلوس مع الطاقم الفني داخل أرضية الملعب بدلًا من التواجد في المنصة الشرفية. وفي الثقافة الرياضية العربية والليبية تحديدًا، يُعد الجلوس في المنصة الشرفية تكريمًا رمزيًا لأساطير اللعبة وتاريخهم، وليس مجرد مقعد مريح لمشاهدة المباراة. ووصف نجم الأهلي طرابلس السابق هذا الموقف بأنه “تصريح مؤسف للغاية، ولا يليق أن يصدر عن شخص يتقلد منصب رئيس اتحاد لعبة رياضية عريقة”.

هذه الحادثة، رغم بساطتها الظاهرية، تكشف عن خلل عميق في ثقافة الإدارة الرياضية الحالية. ففي الوقت الذي تسعى فيه كبرى الاتحادات العالمية إلى استثمار رموزها التاريخية في أدوار استشارية وسفراء للنوايا الحسنة، يبدو المشهد الليبي وكأنه يلفظ رجالاته القدامى أو يسعى إلى تحييدهم. وأكد بن إبراهيم في ختام حديثه أن تكرار مثل هذه المواقف يعكس خللًا إداريًّا عميقًا في طريقة تسيير المشهد الرياضي بأكمله، مشددًا على أهمية إعادة الاعتبار للكوادر الرياضية الوطنية، واحترام الرموز التي قدمت الكثير للكرة الليبية على مر التاريخ.

أبعاد الأزمة بين المركزية السياسية وشتات الجغرافيا

لا يمكن تحليل تصريحات أبوبكر بن إبراهيم بمعزل عن السياق الليبي العام. فالاتحاد الليبي لكرة القدم ظل لسنوات طويلة مرآة تعكس الانقسام السياسي، مما أثر بشكل مباشر على مشاركة الأندية في البطولات القارية وعلى اختيار ملاعب المنتخب الوطني. وفي هذا الإطار، يرى مراقبون أن انتقاد بن إبراهيم لرئيس الاتحاد يحمل أبعادًا تتجاوز الشخصنة، فهو بمثابة صوت عالٍ من “الجيل الذهبي” ضد ما يعتبرونه “تسطيحًا” للعمل المؤسسي وغيابًا للشفافية.

إن غياب الحوار بين رموز اللعبة السابقين والإدارة الحالية يهدد بإفراغ خزينة الكرة الليبية من خبراتها التراكمية. فعندما يجد أسطورة بحجم أبوبكر بن إبراهيم نفسه مضطرًا لاستخدام حسابه على فيسبوك كمنصة وحيدة لإيصال صوته، فهذا يعني أن القنوات الرسمية للحوار قد انسدت تمامًا. وهذا الانسداد قد يؤدي إلى مزيد من الانقسامات في الشارع الرياضي، الذي ينقسم ولاءه أصلًا بين أندية الوسط والغرب وأندية الشرق، وقد يعصف بآمال إصلاح المنظومة الكروية التي طال انتظارها.

السيناريوهات المستقبلية: تصحيح مسار أم انهيار هادئ؟

في ظل هذا التوتر، تتجه الأنظار نحو رد فعل الاتحاد الليبي لكرة القدم. فالصمت المطبق من الجانب الرسمي حتى الآن قد يزيد من حدة التكهنات ويضفي مصداقية على رواية بن إبراهيم. وتتمثل المعضلة الأساسية أمام صناع القرار الحاليين في كيفية احتواء الموقف دون الدخول في حرب تصريحات قد تكشف عن مزيد من نقاط الضعف الهيكلية. السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل تؤدي تصريحات أبوبكر بن إبراهيم لإحداث تغيير في إدارة الكرة الليبية؟

هناك سيناريوهان مطروحان على طاولة النقاش في الكواليس الرياضية:
السيناريو الأول والأكثر تفاؤلًا: أن تشكل هذه الصدمة دافعًا لعقد مصالحة شاملة بين إدارة الاتحاد والجيل السابق من اللاعبين، من خلال استحداث لجنة استشارية عليا تضم أساطير الكرة الليبية، لتكون بمثابة صمام أمان للقرارات المصيرية وتعزيز الثقة بين الجماهير ومؤسسات الدولة الرياضية.

السيناريو الثاني والأكثر تشاؤمًا: أن يتجه الطرفان إلى مربع “كسر العظم”، حيث يصر الاتحاد على موقفه ويرد على منتقديه بإجراءات تأديبية أو بتجاهل تام، مما يدفع رموز الرياضة إلى التصعيد أكثر. هذا السيناريو سيزيد من تعميق الجراح في جسد الكرة الليبية، وسيدفع بالمنتخب الوطني إلى خوض استحقاقاته المقبلة في ظل جبهة داخلية مشتتة وجماهير محبطة.

في الختام، تظل كرة القدم في ليبيا أكثر من مجرد لعبة، إنها مرآة للوطن واختبار حقيقي لقدرة نخبه على تجاوز الخلافات من أجل الصالح العام. إن إعادة الاعتبار لأبكر بن إبراهيم وأمثاله من الرموز ليست مجرد “تكريم” عابر، بل هي ضرورة استراتيجية لإعادة بناء الجسور مع التاريخ، لضمان مستقبل كروي لا يشبه حاضر الإخفاقات الإدارية. الأيام القليلة القادمة ستكشف ما إذا كان صوت الانتفاضة الناعمة من لوحة مفاتيح أسطورة سابقة سيكون قادرًا على إحداث شرخ في جدار البيروقراطية الرياضية العتيق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى