ليبيا

ظل إسرائيلي يلاحق طائرة الحداد قبيل تحطمها بأنقرة

ثغرة أمنية تركية تفجر شكوك اغتيال عسكر ليبيا الكبار

ليبيا 24- عبدالعزيز الزقم

بقايا حطام تروي أكثر من مجرد عطل فني

في ليلة الثالث والعشرين من ديسمبر المنصرم، لم تكن طائرة “فالكون” البيضاء ذات الذيل المسجل في مالطا مجرد وسيلة نقل تقل وفداً عسكرياً رفيعاً. كانت تحمل في جوفها أحد أهم ركائز معادلة غرب ليبيا العسكرية، الفريق أول محمد الحداد، رئيس أركان قوات حكومة الدبيبة منتهية الولاية. عندما تحطمت الطائرة في ضواحي العاصمة التركية أنقرة بعد دقائق من إقلاعها، حاولت البيانات الرسمية في طرابلس وأنقرة طي صفحة الحادث بسرعة البرق، متذرعة بـ”عطل كهربائي مفاجئ”. لكن بعد مرور ما يقرب من أربعة أشهر، يعود طيف الحادثة ليخيم على المشهد السياسي الليبي والإقليمي، ليس كمجرد فاجعة جوية، بل كملف مخابراتي شائك يهدد بنسف الرواية الرسمية الهشة، ويكشف عن عجز مركب أصاب أعلى هرم السلطة في غرب البلاد، المتمثل في حكومة عبدالحميد الدبيبة والمجلس الرئاسي بقيادة محمد المنفي.

أنقرة: رواية الصدفة المثيرة للريبة

في الثالث عشر من أبريل الجاري، خرج نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض، دنيز ياووز يلماظ، بتصريح أشبه بقنبلة موقوتة في وجه الرواية الفنية للحادث. لم يكتفِ يلماظ بإبداء الشكوك، بل قدم رواية مفصلة قوامها تسلسل زمني غريب داخل أروقة مطار إسينبوغا بأنقرة. تفيد المعطيات التي كشفها بأن الطائرة التي أقلت الوفد العسكري الليبي هبطت في الثاني والعشرين من ديسمبر، وبدلاً من أن تظل تحت حراسة مشددة تليق برئيس أركان جيش دولة ذات سيادة، تم سحبها إلى ركن بعيد في المطار. الأغرب من ذلك، أن طائرة قادمة من إسرائيل هبطت في اليوم التالي، الثالث والعشرين من ديسمبر، بحجة التزود بالوقود. ووفقاً للمعلومات التي أوردها السياسي التركي، فإن الطائرتين بقيتا جارتين لبعضهما البعض لمدة ساعة وواحدة وأربعين دقيقة كاملة، في ظل غياب كامل لطاقم الطائرة الليبية الذي كان منهمكاً في إجراءات المغادرة الرسمية.

بعد هذه الفترة الحرجة، أقلعت الطائرة الإسرائيلية باتجاه تل أبيب، ثم حان دور الوفد الليبي. وبعد ربع ساعة فقط من إقلاع الطائرة المنكوبة، انقطع الاتصال مع برج المراقبة، وارتطمت الطائرة بمرتفع جبلي لتتحول إلى كرة من اللهب. يطرح هذا التسلسل سؤالاً لا يمكن تجاهله: كيف سُمح لطائرة كيان معادٍ للدولة الليبية نظرياً، بمجاورة طائرة تقل أرفع مسؤول عسكري ليبي، في مطار دولة حليفة مثل تركيا، دون رقابة صارمة من الاستخبارات أو الأمن الدبلوماسي؟

ما بعد الصندوق الأسود: ثغرات تنظيمية أم تخريب متعمد؟

إصرار السلطات التركية على فرضية العطل الفني يصطدم بتصريحات خطيرة أدلى بها مسؤولون سابقون في هيئة الطيران المدني التركي. فقد نقلت أوساط إعلامية تركية عن أوكتاي إرداغي، نائب المدير العام السابق للهيئة، استغرابه الشديد من “الاستهانة” بإجراءات الأمن. إذ أكد إرداغي أن البروتوكولات العالمية تلزم الدول المضيفة بفرض حراسة مشددة ومستمرة على الطائرات التي تقل شخصيات من وزن رئيس أركان الجيش، نظراً لحساسية المعلومات والاتصالات التي قد تحملها. ووصف إرداغي ترك الطائرة الليبية بلا حراسة بأنه “ثغرة أمنية قاتلة”.

هذه الثغرة تفتح الباب واسعاً أمام سيناريوهين، كلاهما كارثي بالنسبة للطرفين التركي والليبي. السيناريو الأول هو الإهمال الجسيم الذي يرتقي إلى مستوى التواطؤ بالتقصير، حيث فشلت الأجهزة الأمنية في حماية ضيوف الدولة. أما السيناريو الثاني، فهو الأخطر، ويتمثل في اختراق مادي أو سيبراني متعمد. ففي عالم الاستخبارات الحديث، لا يحتاج العبث بالطائرات إلى قنابل تقليدية، بل يمكن زرع شريحة إلكترونية صغيرة أو إدخال خلل برمجي في أنظمة الملاحة خلال ساعة وواحد وأربعين دقيقة من الوجود بجوار الهدف. ورغم نفي وزير النقل التركي عبد القادر أورال أوغلو أي شبهة “عمل تخريبي”، فإن وجود طائرة إسرائيلية في التوقيت والمكان ذاتهما يظل صدفة لا يتحملها منطق الأمن القومي.

الورطة الليبية: نظام هش في مواجهة تصفية جسد الدولة

في عمق هذه العاصفة، يقف النظام السياسي الهش في غرب ليبيا مكشوفاً على حقيقته. إن فقدان الفريق أول محمد الحداد لم يكن مجرد خسارة عسكرية عادية، بل كان ضربة قاصمة لجهود هيكلة المؤسسة العسكرية التي طالما تغنى بها رئيس الحكومة منتهية الولاية عبدالحميد الدبيبة. لطالما راهن الدبيبة على ولاء الحداد كضابط له ثقله في ميزان القوى المسلحة بطرابلس. لكن رد فعل حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي على الحادثة يكشف عن قصور سياسي واستخباراتي مذهل.

فبدلاً من تشكيل لجنة تحقيق ليبية مستقلة ذات صلاحيات واسعة للوصول إلى حقيقة ما حدث في الأجواء التركية، اكتفت حكومة الدبيبة بإيفاد فريق رمزي شارك في التحقيقات التركية “كمشارك” وليس كمدعٍ أو محقق رئيسي. لم نسمع عن تحركات دبلوماسية ليبية ضاغطة على أنقرة لتوضيح ملابسات وجود طائرة إسرائيلية، ولا عن استدعاء للسفراء أو إرسال مذكرات احتجاج شديدة اللهجة. هذا الصمت المطبق من جانب المجلس الرئاسي، يثير تساؤلات مشروعة: هل لدى الدبيبة والمنفي ما يخشيانه من كشف حقيقة الحادث؟ أم أن حجم الضعف الاستخباراتي في أجهزة الدولة المفككة يحول دون مقدرتها على حماية كبار ضباطها خارج حدود الوطن؟

منظومة الحكم في طرابلس تتعامل مع القضايا السيادية بنفس العقلية التي تدير بها صفقات الإعمار والمحسوبية السياسية. حين يتم اغتيال رئيس أركان الجيش (أو وفاته في ظروف غامضة)، فإن الدولة الطبيعية تنتفض استخباراتياً ودبلوماسياً. أما في ليبيا ما بعد 2011، فإن رأس السلطة منشغل بتصفية الحسابات الداخلية وتأمين المكاسب السياسية، تاركاً مؤسساته العسكرية لقدرها في مواجهة رياح الشرق الأوسط العاتية.

أبعاد إقليمية: بين المطرقة التركية وسندان التطبيع

لا يمكن قراءة حادثة الطائرة بمعزل عن التوقيت السياسي الحساس الذي وقعت فيه. فقد تزامن تحطم طائرة الحداد مع مصادقة البرلمان التركي على تمديد بقاء القوات التركية في ليبيا لمدة عامين إضافيين. هذا التوقيت يعزز فرضية وجود رسالة موجهة إلى أنقرة بقدر ما هي موجهة إلى طرابلس. تركيا تنشر قواتها في ليبيا لحماية مصالحها في شرق المتوسط ودعم حلفائها في الغرب الليبي. لكنها، في المقابل، لم تستطع حماية ضيوفها في عقر دارها. هذا الفشل الأمني التركي المدوي، إذا ما تأكد وجود بصمات خارجية عليه، يوجه رسالة واضحة من أطراف إقليمية أخرى مفادها أن النفوذ التركي في ليبيا ليس محصناً، وأن العمق الأمني لحلفاء أنقرة في طرابلس مكشوف.

هنا، تبرز بشكل لافت رواية تولغا شاردان، الكاتب في موقع “تي 24″، الذي كشف عن تحقيقات تجريها أجهزة الأمن التركية مع مضيفة طيران سابقة ضمن الطاقم، وعن تدخل محتمل لجهاز الاستخبارات. وعلى الرغم من أن السلطات التركية عاقبت شاردان بتهمة انتهاك سرية التحقيق، فإن مجرد وجود مثل هذه الخيوط داخل التحقيق يشير إلى أن فرضية الحادث العادي كانت أضعف مما يُراد للجمهور تصديقه. كما أن اتهامات زعيم حزب الوطن التركي دوغو بيرينتشيك للولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف وراء الحادثة تعكس حالة من القلق العميق لدى النخب السياسية التركية من إمكانية اختراق السيادة التركية من أجل تصفية أهداف ليبية.

انكشاف غرب ليبيا: الفريسة السهلة في لعبة الأمم

في خضم هذا الجدل، يظل المشهد الأكثر إثارة للشفقة هو موقف القيادة الليبية في طرابلس. إن تصريحات المسؤولين في حكومة الدبيبة منتهية الولاية والمجلس الرئاسي حول الحادثة كانت أقرب إلى بيانات النعي الجافة منها إلى خطاب سياسي مسؤول. لم نسمع كلمة واحدة عن “حق الدولة في معرفة الحقيقة” أو “ملاحقة الجناة”. يبدو الأمر وكأن رئيس الأركان سقط ضحية حادث مرور عابر، لا جريمة دولة قد تغير موازين القوى في المتوسط.

هذا التخاذل يعكس حالة من التآكل العميق في بنية الدولة التي يديرها الدبيبة. فالحكومة التي تعجز عن حماية جنرالاتها، كيف تستطيع حماية الحدود أو الثروات أو المواطن العادي؟ إنها حكومة تدار بمنطق البقاء السياسي المؤقت، وتفتقر إلى أدنى مقومات السيادة الاستخباراتية. فبدلاً من أن تكون حادثة الحداد جرس إنذار لتوحيد المؤسسة العسكرية والاستخباراتية، تحولت إلى مجرد ملف تتفاداه وسائل الإعلام الموالية خوفاً من إغضاب أنقرة أو كشف عورة الداخل الليبي.

إن صمت المجلس الرئاسي، برئاسة محمد المنفي، المطبق عن هذه القضية يرقى إلى مستوى التخلي عن واجباته الدستورية. إنه يعطي الضوء الأخضر لكل متربص بأن ليبيا باتت “أرضاً بلا صاحب”، حيث يمكن تصفية كبار قادتها دون أن يحرك أحد ساكناً.

التحقيق قبل التعزية

بعد أربعة أشهر على الفاجعة، لم يعد مقبولاً أن تظل الحقيقة مطمورة تحت أنقاض طائرة فالكون المحطمة. الرأي العام الليبي، الذي أنهكته الحروب والتجاذبات، له الحق في معرفة من قتل رئيس أركان جيشه. إن استمرار حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي في سياسة النعامة تجاه هذا الملف لن يؤدي إلا إلى مزيد من التآكل في شرعية هذه الأجسام السياسية.

ما كشفه السياسيون الأتراك المعارضون ليس ترفاً إعلامياً، بل دليل إدانة لغياب العقل الاستخباراتي في ليبيا. لقد آن الأوان لفتح تحقيق دولي شفاف بمشاركة فاعلة من الجانب الليبي، لا أن يظل الليبيون مجرد “ضيوف” على تحقيقات دولة أخرى. إن تقاعس طرابلس عن السعي لكشف ملابسات مقتل الحداد هو اعتراف ضمني بأن من قتله أقوى من الدولة الليبية نفسها، وهي رسالة خطيرة لا يجب أن تمر مرور الكرام، لأنها ستفتح الباب على مصراعيه لاغتيالات سياسية وعسكرية جديدة في مستقبل لا يبدو أنه يحمل خيراً لهذا البلد المنهك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى