ليبيا على أعتاب العقد الرابع من الألفية: من تشريح الخلل الإداري إلى رسم ملامح المثلث الاقتصادي القادم
عصر: ميزان الأداء الحقيقي في الأرقام لا الشعارات.
ليبيا 24
عصر: ليبيا تحتاج ثورة إدارية لا مجرد ترقيع سياسي.
عصر: لماذا تفشل سياساتنا رغم وفرة الموارد؟
أبعد من مجرد أزمة سيولة.. إنها أزمة تعريف وهوية مؤسسية
في لحظة إقليمية مشحونة بالتحولات الجيوسياسية وإعادة تشكيل خارطة الطاقة والاستثمار، تبرز الحالة الليبية كنموذج فريد للتناقض الصارخ بين الإمكانات الهائلة والتعثر المزمن. في هذا التوقيت بالغ الحساسية، تكتسب أطروحات الدكتور منير علي عصر، وزير الاقتصاد والصناعة السابق، أهمية استثنائية تتجاوز حدود التحليل الأكاديمي المجرد لتلامس جوهر المأزق الوطني.
إن القراءة المتأنية لمنشورات عصر لا تقدم وصفات سحرية جاهزة، بل تقدم ما هو أهم وأخطر: تشريح دقيق لجينات الخلل. إنه لا يتحدث عن الفساد كظاهرة أخلاقية عابرة، بل يصفه كنتيجة حتمية لغياب “التعريف الوظيفي الدقيق للمؤسسات”.
في منظوره، المشكلة ليست في نقص القوانين، بل في “الفهم الخاطئ للنصوص الذي يحوّل التنظيم إلى عرقلة ويفقد القانون روحه”. هذه المقالة تستعرض أبعاد هذه الرؤية التحليلية لتجيب على سؤال مركزي: كيف يمكن لدولة تملك الشمس والموقع والثروة أن تتعثر في توفير الخبز والدواء والكهرباء؟
خلط المفاهيم المؤسسية.. اللغز الإداري الذي يُعطل الدولة
في قلب أطروحة عصر يقوم تشخيص مرير مفاده أن الإدارة الليبية تعاني من انفصام في الشخصية المؤسسية. يستشهد عصر بغياب الفصل بين مفهوم “وزارة الخزانة” و”وزارة المالية”، وكذلك الخلط القاتل بين “وزارة الاقتصاد” و”وزارة التجارة”. هذا ليس ترفاً فقهياً في المسميات، بل هو أصل الداء. فحين تتحول وزارة الاقتصاد إلى مجرد جهاز لضبط إيقاع السوق اليومي (وهي مهمة وزارة التجارة)، فإنها تفقد وظيفتها الأسمى في التخطيط الاستراتيجي ورسم السياسات الكلية.
ويضرب مثلاً أكثر عمقاً بالعلاقة الملتبسة بين “المصرف المركزي” و”المصارف التجارية”، والخلط الأعظم بين “المال العام” و”مال الشركات العامة”.
في تحليله، المال العام يخضع لمنطق الموازنة والإنفاق الحكومي الخدمي الذي لا يشترط الربحية، بينما أموال الشركات تخضع للقانون التجاري البحت الذي يقوم على الميزانية السنوية وحساب الأرباح والخسائر. وعندما تُدار شركات النفط أو الاتصالات أو الخطوط الجوية بمنطق المال العام الإداري، تتحول إلى كيانات خاسرة هيكلياً، تُضخم أصولها وتدور ديونها المعدومة لتبدو ميزانياتها وهمية بينما الحقيقة هي استنزاف صامت لرأس المال الوطني.
يصف عصر هذه الحالة بأنها أقرب لوجود “وزارة واحدة ضخمة” تدير كل شيء بتفرعات لا تملك استقلالية حقيقية، مما ينتج ازدواجية في القرار وضعفاً قاتلاً في المساءلة. الإصلاح من وجهة نظره لا يبدأ بتغيير الأشخاص، بل بـ “إعادة تعريف الأدوار وضبط الاختصاصات”.
وهم السياسة النقدية ومأساة الإنتاج المحلي المُعاق
في مواجهة الدعوات المتكررة للجوء إلى الحلول النقدية البحتة (تغيير سعر الصرف أو ضخ السيولة)، يطرح عصر سؤالاً استفزازياً: “هل تنجح السياسة النقدية وحدها؟”.
إجابته قاطعة بالنفي، فالإصلاح يحتاج إلى تناغم ثلاثي الأركان: السياسة النقدية، المالية، والتجارية. ينتقد عصر الصورة النمطية التي ترى أن استيراد المشتقات النفطية أرخص من إنتاجها محلياً، واصفاً إياها بـ “التصور المحاسبي الضيق” الذي يتجاهل القيمة المضافة، وخلق فرص العمل، والأمن القومي للطاقة.
المفارقة الكبرى التي يرصدها تتجسد في المنتج المحلي الذي يتمتع بدعم كهرباء ووقود وإعفاءات ضريبية، ورغم ذلك يعجز عن منافسة منتج مستورد يتحمل تكاليف شحن وتأمين وجمارك. الإجابة كما يراها عصر تكمن في غياب “وفورات الحجم” وسوء إدارة التكاليف.
يشرح بإسهاب كيف أن النجاح الصناعي لا يبدأ عند تشغيل المصنع، بل عند تجاوز “نقطة التعادل”، تلك اللحظة الفاصلة التي تبدأ عندها التكاليف الثابتة بالانخفاض مع زيادة الإنتاج. غياب هذا الفهم يحول الدعم الحكومي إلى إعانة بطالة مقنعة لا إلى رافعة تنموية.
وفي هذا السياق، يأتي حديثه عن تفعيل “الكمبيالة” كأداة مبتكرة لخلق سيولة حقيقية دون طباعة نقود. يرى عصر أن الكمبيالة، بقوتها القانونية الصارمة وإمكانية خصمها لدى البنوك، قادرة على تحريك عجلة الاقتصاد عبر ربطها بالمرتبات والضمانات المصرفية، كبديل آمن وفعال عن القروض الاستهلاكية التي تثقل كاهل المواطن والدولة.
من تصدير الخام إلى قوة إقليمية في الكهرباء.. والتحول المطلوب
يقدم عصر رؤية استراتيجية بديلة لنموذج “الدولة الريعية” القائمة على تصدير النفط الخام واستيراد كل شيء. إنه يطرح فكرة “تحول ليبيا من مصدر للنفط الخام إلى قوة إقليمية في تصدير الكهرباء”. هذه ليست أمنية، بل معادلة اقتصادية واضحة: توجيه جزء من الغاز والنفط لتشغيل محطات توليد كهرباء حديثة، مع الاستثمار الضخم في الطاقة الشمسية التي تُعد ليبيا من أغنى بلدان العالم بها.
القيمة المضافة هنا هائلة، كما يشرح عصر، لأن تصدير الكهرباء عبر كابلات بحرية إلى أوروبا يدر عائدات تفوق بكثير بيع الخام، ويمنح ليبيا وزناً جيوسياسياً مختلفاً كشريك في أمن الطاقة الأوروبي. هذا التوجه يتكامل مع رؤيته لقطاعات أخرى عالية القيمة مثل قطاع الدواجن الذي يصفه بأنه “فرصة استثمارية عالية القيمة المضافة” بالنظر لملاءمة مناخ المتوسط له.
ولكن هنا أيضاً، يشترط عصر أن لا تتحول الدولة إلى تاجر أو منافس، بل إلى “منظم ومُمكِّن”، واضعةً التشريعات وضامنةً المنافسة العادلة، تاركةً الإنتاج والاستثمار للقطاع الخاص المحلي والأجنبي القادر على الوصول بمنتجاته إلى أسواق التصدير.
الجغرافيا السياسية.. المثلث الاقتصادي القادم وأهمية الاستعداد
في تحليله للمشهد الإقليمي، يخرج عصر عن التحليلات التقليدية للأحداث الجارية ليقرأ ما وراءها. إنه يرى في التوترات والتهدئات المتعاقبة بوادر “تشكّل مثلث اقتصادي جديد” قد تكون ليبيا أحد أضلاعه إلى جانب السعودية ومصر. يلفت الانتباه إلى أن رأس المال العالمي، بطبيعته الجبانة، يبحث عن الاستقرار والأمان. ومع أي تغير في معادلة أمن الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، تبدأ الاستثمارات في إعادة تقييم مواقع تمركزها.
هنا، يطرح السؤال المحوري: هل ليبيا مستعدة لالتقاط هذه الكرة؟ يحذر عصر من أن هذه التحولات لا تنتظر أحداً، وأن غياب الاستعداد والجاهزية سيحول هذه الفرصة إلى عبء، بل وقد يحول التدفقات الاستثمارية غير المنظمة إلى أزمة بدلاً من أن تكون رافعة. إنه يربط ذلك بضرورة “ترسيم الحدود البرية والبحرية” ليس كإجراء قانوني بيروقراطي، بل كضرورة سيادية لحماية الثروات من الاستغلال في ظل التنافس الدولي على الموارد. السيادة في فكره ليست شعاراً، بل “تفعيل الحقوق عبر الاستثمار المباشر والحضور الفعلي على الأرض”.
المساءلة الحقيقية.. الميزانية كسيرة ذاتية للإدارة
ولعل أكثر ما يميز خطاب عصر هو عقلية المحاسب والمستثمر. إنه يرى في القانون التجاري “ميزاناً حقيقياً لكفاءة الإدارة”. في تحليله، الميزانية السنوية التي تقفل وتتضمن الأرباح والخسائر والديون المعدومة هي “شهادة الأداء” الوحيدة التي لا تقبل الجدل. إذا شكلت الجمعيات العمومية للشركات العامة بصورة صحيحة، كما ينص القانون، فلن تبقى على إدارة متعثرة.
يذهب عصر إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن “الميزانية هي السيرة الذاتية الحقيقية للمدير”. في سوق العمل العالمي، لا أحد يوظف مديراً فشل في تحقيق أرباح مجزية في شركات سابقة. ينتقد عصر ظاهرة “تدوير الديون” وتسجيل الأصول الوهمية لإخفاء الخسائر الجسيمة، مشيراً إلى أن مجرد تحقيق أرباح أقل من الفائدة التي كانت ستحققها أموال الشركة لو وضعت وديعة في مصرف، هو مؤشر على فشل الإدارة في استثمار الموارد.
التعليم والبحث العلمي.. الثورة المؤجلة
يمتد تشريح عصر ليشمل قطاع التعليم، حيث يرى أن الخلل ليس في الطالب الليبي، بل في منظومة تعليمية متحجرة خارج سياق التقدم العالمي. يقارن عصر بين التخصصات الدقيقة التي وصل إليها العلم الحديث، مثل تخصص الخلايا المنتجة للأنسولين، وبين الشهادات العامة التقليدية التي تمنحها الجامعات ولا تجد مكاناً لها في سوق العمل الحقيقي.
هذا التخلف الأكاديمي يمتد إلى الاقتصاد، حيث يغيب “البحث العلمي” الحقيقي الذي يضيف معرفة جديدة أو يصحح مساراً قائماً. في غياب مراكز البحوث الاقتصادية المتخصصة، وفي ظل ضعف التكامل بين الجامعات والقطاع الإنتاجي، تتحرك السياسة الاقتصادية الليبية في عتمة، بقرارات عشوائية لا تستند إلى تحليل دقيق للتكلفة والعائد والمخاطر. إن إصلاح التعليم كما يراه عصر ليس ترفاً، بل شرط للبقاء في سوق تحكمه الكفاءة والمنافسة.
اللامركزية كمدخل للإصلاح.. قوة الدولة من قوة أطرافها
يختتم عصر رؤيته بالعودة إلى قضية “اللامركزية وتقسيم المحافظات” كمدخل جذري للإصلاح. في طرحه، الدولة القوية ليست التي تدير كل تفصيلة من المركز، بل التي تحسن توزيع الأدوار وتمنح كل منطقة حقها في التنمية. يدعو إلى نظام تحدد فيه “هوية اقتصادية” لكل محافظة بناءً على مواردها الطبيعية، بحيث تكون هناك محافظة زراعية وأخرى صناعية وثالثة خدمية. هذا التقسيم الوظيفي، المرتبط بحصر دقيق للسكان وربطهم بالنشاط الاقتصادي المحلي، هو الكفيل – بحسب عصر – بالحد من الهجرة الداخلية غير المنظمة وخلق توازن اقتصادي بين مختلف ربوع البلاد.
في النهاية، تقدم أطروحات منير علي عصر صورة قاتمة ولكنها ليست بائسة. إنها صورة لواقع يمكن إصلاحه إذا ما تم الاعتراف بالمرض الإداري العميق. إنها دعوة للانتقال من عقلية “توزيع الريع” إلى عقلية “خلق القيمة”، ومن منطق المحاصصة إلى منطق الكفاءة والميزانية. في عالم يتغير بسرعة، لا يبدو أمام ليبيا، وفقاً لهذه الرؤية، سوى خيارين: إما أن تكون فاعلاً في تشكيل المشهد الاقتصادي الإقليمي الجديد، أو أن تبقى مجرد متفرج تتقاذفه رياح الأزمات العالمية.



