أخبار العالمدولى

مبادرة أميركية تخترق الانسداد الليبي وترسم خارطة تقاسم للصلاحيات

ليبيا 24

عبدالعزيز الزقم


انقسام النخبة بين تسوية مؤقتة ورفض الحلول يهدد بارقة الأمل

في أروقة السياسة الليبية، حيث اعتاد الدبلوماسيون والنخب على جمود يشبه سكون ما قبل العاصفة، بدأت تظهر على استحياء تموجات غير مسبوقة. ليست هذه المرة من رحم التوافق المحلي الذي طال انتظاره وأثبت استعصاءه، بل عبر نافذة دولية فتحتها مبادرة يحملها مستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس. إنها لحظة مفصلية يختلط فيها الحذر بخيوط من الأمل، حيث يُنظر إلى التحرك الأميركي ليس كمجرد مقترح عابر، بل كأول محاولة جادة لإعادة هيكلة الصراع الليبي بناءً على خريطة القوى الفاعلة على الأرض، متجاوزة بذلك متاهة الأطر النظرية التي ابتلعت جهود الأمم المتحدة لسنوات.

كسر الجمود: نافذة بولس واللحظة الأميركية

لطالما عانى الملف الليبي من أزمة فراغ استراتيجي، إذ انشغلت القوى الكبرى بملفات أخرى أكثر إلحاحاً في الإقليم. اليوم، يبدو أن واشنطن قررت أن تعيد ترتيب أولوياتها في شمال أفريقيا عبر بوابة ليبيا.

يرى عضو مجلس النواب عبد الناصر النعاس أن دعم الولايات المتحدة، المتجسد في شخص مسعد بولس، ليس مجرد وساطة تقليدية. يقول النعاس: “هذه المبادرة تسهم في كسر حالة الجمود السياسي والدفع بها نحو مرحلة جديدة”. في قاموس السياسة الليبية، تعني “مرحلة جديدة” تجاوز الأفق المسدود الذي خلفه فشل انتخابات كانون الأول ديسمبر من العام الماضي، وعدم قدرة مجلسي النواب والدولة على إنتاج قاعدة دستورية توافقية.

هذه المبادرة، بحسب مراقبين، لا تحمل فقط ثقل واشنطن الدبلوماسي، بل تستند إلى قراءة واقعية. يعلق الكاتب والمحلل السياسي أحمد التهامي قائلاً: “مقترح بولس يُعد حالياً الأكثر واقعية في ظل عجز الأمم المتحدة وغيابها في مسارات غير عملية”. يشير هذا بوضوح إلى التحول من منطق بناء الدولة المثالية إلى منطق إدارة الأزمة بناءً على القوة. فالطرح الأميركي يستند إلى وجود قوتين فاعلتين ميدانياً، ويبحث في إمكانية التنسيق بينهما للوصول إلى صفقة مشتركة، معتبراً أن هذا الخيار “أفضل مقارنة ببقية البدائل المطروحة”. إنه اعتراف صريح بأن ميزان القوى على الأرض هو نقطة البداية الحقيقية، وليس النصوص الدستورية المعلقة.

تشريح الانسداد: عجز مزمن وشرعنة مؤقتة

في مقابل هذا التحرك، يقف المشهد السياسي الليبي عاجزاً، غارقاً في تناقضاته. يصف عضو مجلس الدولة منصور الحصادي هذه الحالة بدقة حين يقول: “استمرار حالة الانسداد السياسي يقوي مبادرة مستشار الرئيس الأميركي”. إنه اعتراف مرير من قلب السلطة التشريعية الاستشارية بأن عجزهم عن الفعل هو ما يستدعي التدخل الخارجي. هذا الانسداد لا يقتصر على الخلافات السياسية المجردة، بل يتغذى على أزمات هيكلية خانقة. يضيف الحصادي أن “تطلع الشعب الليبي إلى إنهاء الأزمات الاقتصادية والمالية والسياسية والمجتمعية والأمنية يدعم المبادرة الأميركية”.

هكذا، تتحول المبادرة الأميركية، في نظر قسم واسع من النخبة، من تدخل أجنبي إلى طوق نجاة شعبي. لكن عجز مجلسي النواب والدولة عن التوصل إلى توافق، واستمرار عرقلة محاولات التسوية، خلق بيئة طاردة للحلول النهائية ومولدة للحلول المؤقتة. من هنا، يأتي الطرح الذي تقدم به عضو مجلس الدولة سعد بن شرادة، والذي يعد الأكثر جرأة وواقعية في آن. يقول بن شرادة إنه “في ظل الانسداد السياسي وتدهور الأوضاع أصبح من الضروري التفكير في حلول واقعية تجنب البلاد مزيداً من الانقسام”. هذا الحل الواقعي ليس انتخابات فورية، ولا هو حكومة وحدة وطنية دائمة، بل هو “ترتيب انتقالي لتقاسم الصلاحيات بين القوى الفاعلة على الأرض، لكن بشرط بأن يكون مؤقتاً ومقيدا بزمن لا يتجاوز سنتين”.

يمثل هذا الطرح نقلة نوعية في الفكر السياسي الليبي. إنه نقل للصراع من مربع الصفر الدستوري إلى مربع مؤقت منظم، وهو اعتراف بوجود كيانات سياسية وعسكرية لا يمكن تذويبها بين ليلة وضحاها. لكن بن شرادة يستدرك بذكاء قائلاً: “هذا الترتيب لا يجب أن يفهم كشرعنة للوضع القائم، بل كآلية لإدارته مؤقتاً”. إنه يضع يده على الجرح الحقيقي: سيناريوهات المستقبل الليبي. فالخيارات كما يراها ليست بين الأسود والأبيض، بل بين الرمادي والأسود الداكن. “الواقع الحالي مفتوح على سيناريوهات خطيرة، أقلّها ضرراً هو استمرار الانقسام، وأسوأها التفكك، ولذلك إن كان لا بد من تسوية، فلتكن مؤقتة، واضحة المعالم، ومربوطة بانتقال حقيقي للشرعية عبر صناديق الاقتراع”.

التفاصيل القاتلة: خارطة طريق من تسع كلمات إلى دستور دائم

في تحليلات السياسة المتقدمة، الشيطان يكمن دوماً في التفاصيل. المبادرة الأميركية، كما تحدث عنها بولس، تقوم على ثلاثة مسارات: توحيد المؤسسة الأمنية، التعاون السياسي، والاقتصاد الموحد. لكن المحللين المحليين يبحثون عن التفاصيل التنفيذية. هنا، يقدم بن شرادة وصفة تفصيلية يمكن اعتبارها الهيكل النظري لأي تسوية انتقالية قادمة. هذه الوصفة تبدأ بتحديد “سقف زمني ملزم ومعلن للمرحلة الانتقالية”، وهي نقطة جوهرية لطمأنة الليبيين الذين حولتهم المراحل الانتقالية المفتوحة إلى كائنات سياسية مرتابة. ثم تشكيل “حكومة موحدة بمهام محددة”، وهي حكومة خدماتية بيروقراطية بعيدة عن الطموحات الرئاسية، مهمتها الأساسية تقديم الخدمات، استقرار الوضع المالي، والبدء في عملية توحيد المؤسسات المنقسمة.

أما المسار الدستوري، وهو الذي أفشل كل التسويات السابقة، فيقدم بن شرادة صيغة عملية: “إطلاق مسار دستوري واضح يفضي إلى استفتاء خلال مدة محددة”. هذا يتجاوز عقبة توافق مجلس النواب والدولة على المواد الخلافية، ويضع الكرة في ملعب الشعب عبر استفتاء على وثيقة دستورية جاهزة. ثم تأتي النقطة الأكثر تعقيداً، وهي “تهيئة البيئة الآمنة للانتخابات بإشراف جهات قضائية مستقلة ومراكز دولية متخصصة”، وأخيراً “إخضاع أي ترتيبات أمنية لرقابة مدنية”. هذا المخطط التفصيلي ليس حلماً مثالياً، بل هو عملية جراحية دقيقة لاستئصال الأسباب التي أدت إلى فشل انتخابات كانون الأول ديسمبر. إنه استباق للطعون القانونية والانقلابات العسكرية الناعمة التي غالباً ما تشهدها الاستحقاقات الليبية. ويختتم بن شرادة فلسفته السياسية بوضوح: “الرهان الحقيقي ليس على تقاسم السلطة، بل على إنهاء المراحل الانتقالية وبناء مؤسسات الدولة والتبادل السلمي على السلطة”.

معسكر الرافضين: تيار التشظي وأوهام الانتخابات الفورية

غير أن خريطة الطريق هذه لا تلقى إجماعاً. هناك تيار قوي، يصفه المحللون بـ”تيار التأزيم”، يعمل بنشاط على إفشال أي تقارب بين الشرق والغرب. يحلل الكاتب أحمد التهامي هذه العوائق قائلاً: “هناك عوائق أمام هذا المسار، تتمثل في تيار التأزيم وتيار المفتي، إضافة إلى أطراف خاسرة لا تمتلك القدرة على خوض الانتخابات”. هؤلاء ليسوا مجرد معارضين سياسيين، بل هم قوى تستفيد اقتصادياً وأمنياً من استمرار حالة السيولة والانقسام. إنهم “لا يسعون إلى حل قريب، بل يعملون على تأجيله إلى حين تهيئة ظروف مواتية لهم، دون تحديد إطار زمني واضح لذلك”. بمعنى آخر، إنهم يريدون انتخابات ولكن فقط عندما يضمنوا نتائجها، وهو أمر مستحيل في ظل غياب الاستقرار.

في الجانب الآخر، هناك مثاليون سياسيون ومتشددون دستوريون يرفضون أي تسوية مؤقتة، معتبرين أنها شرعنة للأمر الواقع. رداً على هؤلاء، يقول الناشط السياسي محمد علي المبروك بلهجة حاسمة: “طبيعي في السلوك السوي من يعترض على حل عملي لإنقاذ ليبيا يجب أن يأتي بحل عملي بديل له”. يصف المبروك الاجتماعات المضادة، وتحديداً اجتماعاً مرتقباً في مدينة مصراتة، بأنها لا تريد حلاً، قائلاً: “حسناً ما الحل في ليبيا؟ لا عندك حل ولا تريد حل”. هذا النقد اللاذع يلخص معضلة النخبة الليبية التي تتفنن في إطلاق بيانات الرفض والشجب دون أن تمتلك القدرة على إنتاج حلول قابلة للتطبيق.

يذهب المبروك إلى أبعد من ذلك، مهاجماً الشعارات السياسية الرنانة التي طالما استُخدمت كأدوات للهروب من التسويات العملية. يقول: “التحجج بما هو بعيد.. نريد انتخابات ونريد دستور وغيرها هي تمنيات، ومن يظنها قابلة للتطبيق في ليبيا فهو واهم قاصر الفهم للوضع المعقد”. في هذا السياق، يتكشف عمق الأزمة الليبية. الجميع يرفع شعار الديمقراطية والانتخابات، لكن قسماً يستخدمها كأفق للخلاص، وقسماً آخر يستخدمها كستار دخاني لعرقلة أي تسوية لا تأتي به إلى السلطة. مبادرة بولس، بهذا المعنى، تكشف العرى، وتفرض على الجميع أن يحدد موقعه الحقيقي من جوهر الأزمة: إما قبول تسوية مؤقتة لإدارة الانقسام، وإما مقاومتها بدون بديل، مما يعني عملياً اختيار الفوضى المستمرة.

نقطة الارتكاز الأمنية: توحيد المؤسسة العسكرية كحجر زاوية

ما يعطي المبادرة الأميركية ثقلاً خاصاً هو تركيزها على البعد الأمني كأولوية تسبق حتى السياسي. في مؤتمر المجلس الوطني للعلاقات الأميركية الليبية، كان حديث بولس مركزاً: “يرتكز مستقبل ليبيا على ثلاثة مسارات، أولها توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية”. هذا ليس تفصيلاً إجرائياً، بل هو قلب المشروع الأميركي. فبدون هذا التوحيد، تصبح الانتخابات مجرد استحقاق شكلي يعقبه صراع مسلح. هنا، تظهر مؤشرات حذرة على تقدم. يؤكد المحلل السياسي عبد العزيز الرواف أن “بوادر هذا الحل بدأت بتوحيد الميزانية، إضافة إلى تقارب بعض الوحدات المسلحة المنظمة في الغرب الليبي مع القيادة العامة للقوات المسلحة”.

هذه النقطة بالغة الحساسية. فالحديث عن تقارب بين تشكيلات مسلحة غربية والقيادة العامة يمثل اختراقاً هائلاً لجدار الانقسام العسكري الذي شُيد منذ العام 2014. يصف الرواف هذا المسار بأنه “الأساس الذي ستبنى عليه بقية خطوات بناء الدولة”، محذراً من أن “التمسك بهذه المسارات يمثل طوق النجاة الأخير للوصول إلى دولة مستقرة وسليمة”.

أما بولس فقد أشار إلى تقدم ملموس في الملف الأمني، مع خطوات نحو توحيد المؤسسة العسكرية، مدعومة بتمارين مثل “فلينتلوك” التي عززت التنسيق وبناء الثقة. لكن المراقبين يعرفون جيداً أن توحيد المؤسسة العسكرية ليس مجرد دمج ثكنات ووحدات، بل هو تفكيك لاقتصادات الحرب الموازية، وتفكيك لشبكات الولاءات المحلية، وإعادة تعريف لهوية المؤسسة العسكرية الوطنية، مما يجعله المهمة الأكثر انفجاراً في أي تسوية.

بين بارقة الأمل وبيع الوهم: تشاؤم الشارع الليبي

في مقابل الترقب الحذر للنخب، يقف الشارع الليبي، الذي تحمل وطأة الانهيار الاقتصادي وتردي الخدمات وانعدام الأمن، عالقاً بين مشاعر متضاربة. هنا، يأتي صوت الناشط الحقوقي هشام سالم الحاراتي ليعبر عن ذلك التشاؤم العميق الذي يسكن الوجدان الليبي. يقول الحاراتي: “جميع الحلول المطروحة للأزمة الليبية على المستوى الوطني والدولي قد استُنفدت”، معتبراً أن ما يجري حالياً “لا يعكس وجود جدية حقيقية في إنهاء الأزمة”.

فيما ترى النخب في واشنطن منقذاً محتملاً، يرى مواطنون مثل الحاراتي أن الملف الليبي بات “متروكاً لرب السماء”، في إشارة إلى يأس مطبق من كل الفاعلين. هذا الإحباط ليس عاطفياً فحسب، بل مبني على تجربة مريرة مع المبادرات الدولية المتعاقبة. يقول الحاراتي موجهاً نقداً لاذعاً للطبقة السياسية والمجتمع الدولي معاً: “المبادرات المتكررة لم تُفضِ إلى نتائج ملموسة، بل تحولت إلى مضيعة للوقت وبيعٍ للوهم”. إن هذا التحذير مهم، لأنه يذكرنا بأن رأس المال السياسي للدبلوماسية الأميركية في ليبيا محدود، وبأن فشل مبادرة بولس لن يكون مجرد فشل مبادرة أخرى، بل قد يكون الفشل الذي يدفع الليبيين إلى قناعة راسخة بأن المجتمع الدولي جزء من المشكلة وليس جزءاً من الحل.

ويختتم الحاراتي حديثه بصورة قاتمة للمشهد اليومي، مشيراً إلى أن الأزمات في ليبيا “تزداد حدة يوماً بعد يوم، وسط تضييق متواصل على المواطنين”، وأن “حالة السلبية لا تزال سائدة لدى شريحة واسعة من الليبيين رغم تفاقم الأوضاع”. هذا الصوت المعبر عن اليأس الجماهيري هو المتغير الأخطر في المعادلة. فالتسويات السياسية التي لا تخاطب معاناة الناس اليومية وتتحدث فقط عن تقاسم السلطة بين النخب، محكوم عليها بأن تكون هشة، لأنها تبنى فوق بركان من الغضب الشعبي. مبادرة بولس، إذا أرادت النجاح حقاً، فعليها أن تثبت للشارع الليبي أنها ليست مجرد “بيع للوهم” جديد.

المصير المتشابك لثلاثة مسارات

عند نقطة الالتقاء بين طموح واشنطن الجيوسياسي، ويأس النخب الليبية من عجزها، وتشاؤم الشارع الليبي العميق، تقف مبادرة مسعد بولس. إنها ليست مجرد اقتراح للوساطة، بل هي مرآة تعكس حقيقة ليبيا الراهنة: بلد أنهكته الصراعات، وأفلس خياراته الذاتية، ويبحث في الخارج عن مخارج لا يثق تماماً بأنها ستتحقق. الحديث الأميركي عن ثلاثة مسارات: الأمن، السياسة، والاقتصاد، صحيح من الناحية النظرية، لكن المسارات الثلاثة تسير فوق حقل ألغام ليبياً. فالتوحيد الأمني يصطدم بجيوش الميليشيات واقتصادات التهريب، والتوافق السياسي يتحطم على صخور أطماع النخب، والاقتصاد الموحد يرقد تحت ركام المؤسسات الموازية والبيروقراطيات المنقسمة ورؤوس الأموال المغذية للحرب.

ما تقدمه مبادرة بولس ليس حلاً سحرياً، بل إطاراً لإدارة التعقيد. إنها تحاول أن تفعل ما عجز عنه الآخرون: الجلوس مع القوى التي تملك مفاتيح الحرب والسلام على الأرض، والتوصل معها إلى صفقة كبرى. وكما يقول بن شرادة، فإن “الواقع الحالي مفتوح على سيناريوهات خطيرة، أقلّها ضرراً هو استمرار الانقسام، وأسوأها التفكك”. في لعبة الأمم والمصير، تقدم الولايات المتحدة عرضاً لتجنب الأسوأ. لكن الكرة الآن في الملعب الليبي، حيث سيواصل “تيار التأزيم” الرافض لأي تسوية، ومعه الرأي العام المرهق والمتشكك، مراقبة إن كانت هذه البارقة مجرد سراب في صحراء الأزمة الليبية الشاسعة، أم أنها المطر الحقيقي الذي يسبق بناء دولة كان اسمها يوماً ما ليبيا.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى