معركة الدولة الواحدة: كيف تشق مقاربة الواقعية طريقها الملغوم في ليبيا؟
لعنة الانقسام الليبي تواجه صدمة الواقعية السياسية الجديدة
ليبيا 24
مبادرة أمريكية تعيد تشكيل ليبيا وسط غليان سياسي واقتصادي
نهاية عصر الأوهام السياسية
في طرابلس، حيث يختلط عبق البحر بضباب الأزمة الممتدة لأكثر من عقد، تتردد أسئلة وجودية لم تعد تحتمل التأجيل. على الجانب الآخر من البلاد، في بنغازي، تسود حالة من الترقب الحذر الممزوج بتفاؤل مشوب بالشك. بين الجغرافيتين، تنسج دبلوماسية القوة الكبرى خيوط لعبة جديدة، لا تشبه في جوهرها لقاءات الفنادق الفخمة ولا بيانات الشجب المتبادلة. إنها لحظة مفصلية تختبر فيها ليبيا إمكانية الخروج من نفق الانقسام، ليس عبر الشعارات الثورية، بل عبر ما بات يُعرف بـ “الواقعية السياسية”، وهو مصطلح تحول من توصيف أكاديمي إلى خارطة طريق مثيرة للجدل، تهدد مصالح طبقة سياسية كاملة نشأت وازدهرت في رحم الأزمة.
تكشف التحليلات المتطابقة لنخبة من الباحثين والمحللين السياسيين الليبيين، والتي رصدتها “ليبيا 24″، عن مشهد شديد التعقيد. فبينما يرى فريق أن المبادرة الأمريكية المطروحة تمثل طوق النجاة الأخير لسفينة الوطن المثقوبة، يراها فريق آخر ليست مجرد اقتراح سياسي، بل “صدمة نفسية” لتلك القوى التي حولت مؤسسات الدولة إلى “أصنام” يجب هدمها لإعادة توزيع الثروة والسلطة. إنها حكاية أمة عالقة بين مطرقة “حراس المصالح الضيقة” وسندان “إرادة التوحيد القسرية”، حيث لم يعد الرفض مجرد موقف سياسي، بل تحول، كما وصفه أحد الكتاب، إلى “حالات نفسية مريحة تحتاج إلى علاج سريري عاجل”.
الانهيار الصامت: حين يدفع المواطن ثمن “رفاهية” الانقسام
لا يمكن فهم ديناميكيات الصراع الحالي دون الغوص في الخراب الهادئ الذي أنهك جسد الدولة الليبية. يؤكد الكاتب الصحفي أحمد التهامي أن المبادرة الأمريكية تستمد قوتها الضاربة من عاملين أحدهما سلبي والآخر إيجابي: فشل كل ما سبقها، وإرهاق المواطن. فبعد مؤتمرات جنيف وبرلين واتفاقات بوزنيقة والقاهرة والصخيرات، لم يجد الليبي العادي نفسه إلا أكثر فقراً وأشد يأساً. يتابع التهامي واصفاً الحالة المزاجية للشارع بأنها لم تعد تحتمل الجدل السياسي العقيم، فالمواطن الذي يكافح يومياً لتأمين لقمة العيش في ظل تدهور الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة وتذبذب سعر العملة، تحولت أولوياته بالكامل نحو تحقيق الاستقرار وتحسين الأوضاع اليومية. في هذا السياق، تصبح أي مبادرة، حتى لو كانت أمريكية، مجرد قشة يتعلق بها غريق، بغض النظر عن لونها الأيديولوجي. لقد سنوات الأزمة أثقلت كاهل الجميع، وصنعت حالة من العطش لأي حل عملي، بعيداً عن التنظير.
هذا الواقع المأساوي هو ما يدفع المحلل السياسي أحمد المهدوي لإطلاق تحذيره الصريح بأن “من يعرقلون توحيد ليبيا هم الأخطر عليها”. ففي تحليل لاذع، يؤكد المهدوي أن المعرقلين لا يدافعون عن وطن، بل “يحرسون مصالح ضيقة على حساب شعب أنهكته الانقسامات”. إن مسؤولية إطالة معاناة الليبيين لا تقع على عاتق طرف خارجي، فالجميع يعرف اللاعبين الأساسيين، ولكن على القوى الداخلية التي ترى في استمرار الفوضى ضمانة لبقائها. وبلغة لا تحتمل المواربة، يضع المهدوي الجميع أمام خيار ثنائي حاد: “إما أن نكون مع ليبيا موحدة قوية، أو نسجل في صفوف من أعاقوا قيام توحيده وبناءه”. هذا الخيار ليس ترفاً سياسياً، بل هو استجابة لحالة الانهيار الصامت التي تعيشها البلاد، حيث الوضع القائم هو الخطر الأكبر وليس تغييره.
تشريح المبادرة: هندسة اقتصادية وأمنية تسبق السياسة
جوهر التحول الذي تمثله المبادرة الجديدة، وفقاً للمحللين، يكمن في منطقها الهندسي المقلوب. فعلى عكس كل المسارات السابقة التي ركزت على البعد السياسي وتقاسم السلطة أولاً، انطلقت هذه المبادرة، كما يوضح المحلل السياسي عبد الله الديباني، من الجانب الاقتصادي عبر إجراءات رقابية ومراجعة لملفات مصرف ليبيا المركزي باعتباره “بيت مال الليبيين”. إن توحيد الإنفاق العام وتوزيع الإيرادات بشكل عادل ومعالجة ملف النقد الأجنبي وتخفيف القيود، هي عند الديباني ليست مجرد إجراءات مالية، بل هي عملية نزع فتيل الصراع من جذوره. فطالما ظل المال العام خاضعاً لازدواجية القرار وغياب الرقابة، ظل الانقسام مربحاً، وظل التوحيد تهديداً.
أما الشق الأمني من المبادرة، فلم يعد مجرد لجان عسكرية للمرة الخامسة أو السادسة، بل تجسد في المناورات العسكرية التي أُقيمت في مدينة سرت، واختيارها كموقع لتمرين دولي بمشاركة أطراف أوروبية وأمريكية ودول من العمق الأفريقي. يرى الديباني في هذا المشهد تحولاً رمزياً وعملياً هائلاً: ليبيا تنتقل من ساحة صراع إلى فضاء شراكة أمنية إقليمية ودولية. مشاركة قوات من شرق وغرب البلاد جنباً إلى جنب في تدريبات موحدة تمثل سابقة مهمة تعكس توجهًا نحو بناء منظومة أمنية مشتركة لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، وفي مقدمتها الإرهاب والجريمة المنظمة. الرسالة هنا واضحة: العدو المشترك يمكن أن يوجد إذا تم تعريفه بشكل صحيح، وليس بالضرورة أن يكون داخلياً.
المحلل السياسي أحمد العبود يضيف طبقة أخرى من التحليل لهذه الآلية، مشيراً إلى أن هذه المبادرة تأتي ضمن عملية متكاملة تتسم بالموضوعية والواقعية السياسية. ويلفت إلى أن الجهود الأمريكية بدأت فعلياً بالمؤسسة الوطنية للنفط باعتبارها الركيزة الأساسية للدخل القومي، ثم امتدت إلى محاولات توحيد السياسة النقدية عبر المصرف المركزي، بدعم من مؤسسات دولية مؤثرة، من بينها وزارة الخزانة الأمريكية وصندوق النقد الدولي والبنك الفيدرالي، والتي قدمت حزمًا إصلاحية تستهدف توحيد السياسة النقدية وتنفيذ إصلاحات اقتصادية. بهذا الفهم، فإن التوغل في إصلاح مؤسسات المال والنفط ليس شرطاً مسبقاً للسياسة، بل هو صلب العملية السياسية نفسها. فمن يسيطر على الاقتصاد يسيطر على مسار الدولة.
كيمياء السلطة المريضة: عن “الأصنام” ومن يحرسونها
هنا تكمن الذروة الدرامية للصراع. فإذا كانت المبادرة الجديدة تقدم وصفة علاجية تقوم على إعادة هندسة تدفقات المال والسلطة، فإن من الطبيعي أن تواجه برفض عنيف من المستفيدين من نظام التدفقات القديم. الكاتب الصحفي عيسى عبد القيوم يقدم توصيفاً سيكولوجياً وسياسياً لاذعاً لهذه الظاهرة، مؤكداً أن المبادرة “كشفت عن حالات نفسية مريضة تحتاج إلى علاج سريري عاجل”. في تحليله، يتجاوز عبد القيوم نقد المواقف السياسية إلى محاكمة العقلية التي تقف وراءها. إنها عقلية “الرفض والممانعة” التي لم تُجِد يوماً غير ذلك، منذ رفضها انتخابات 2014، مروراً بكل المسارات اللاحقة، وصولاً إلى اللحظة الراهنة، دون أن تطرح بديلاً عملياً واحداً.
يغوص عبد القيوم في التحليل السوسيولوجي للمأزق، مستخدماً استعارة تاريخية بليغة. يقول معلقاً على سلوك القوى الرافضة في الغرب الليبي: “القصة ليست في بولس ولا أبوبولس، بل في سلوكٍ مركزيٍّ مقيتٍ حوَّل السلطة إلى ميزة وامتيازاتٍ متراكمةٍ في مكانٍ واحد (بقرة تدر ذهبا)، فأصبحت أي محاولة لإعادة توزيع مميزات السلطة وامتيازات الثروة بمثابة هدم الأصنام”. هذه الاستعارة تلخص جوهر الأزمة. القوى المسيطرة على المركز في طرابلس لا تخشى فقدان الدولة، بل فقدان الامتيازات التي ارتبطت باحتكار مؤسسات تلك الدولة. إنهم لا يبكون على مؤسسة أو إله، بل على نهاية عهدهم كسَدَنة لبيت المال وسوق عكاظ السياسي والاقتصادي. لهذا السبب، يتحول أي مسعى للتوحيد وإعادة التوزيع العادل إلى معركة “هدم أصنام”، تستثير أخطر غرائز البقاء السياسي. ويتحول خطاب البعض، وفق تعبيره، إلى “خطاب الكراهية والموت والاحتراب”، وهو ليس تعبيراً عن قوة، بل عن إدراك متأخر بأن قواعد اللعبة التي أتقنوها على وشك الانهيار.
ويحذر عبد القيوم من أن فشل المبادرة ليس خياراً محايداً، بل سيكون له “عدة سيئات عظيمة: من تجميد الحالة على الوضعية الحالية التي تسببت في نمو الفساد وضياع مسمى الدولة وهدر مالها العام، إلى رفع مؤشر احتمالات الحرب إلى المستوى البرتقالي، إلى احتمال انقسام ليبيا إلى دولتين”. هذا التحذير يقطع الطريق على من يظن أن خيار “لا غالب ولا مغلوب” مستدام. فاستمرار تآكل الدولة يدفع البلاد نحو الهاوية، إما حرباً أهلية شاملة، وإما تقسيم الأمر الواقع يتحول إلى تقسيم قانوني. وفي الحالتين، فإن الوجوه التي تصدرت المشهد بخطاب الكراهية، ستتحمل المسؤولية التاريخية.
ديناميكيات الرفض والقبول: مشهد غربي منقسم على ذاته
خلافاً للصورة النمطية التي تقدم غرب ليبيا ككتلة رافضة، يكشف المحللون عن مشهد أكثر تعقيداً وتبايناً. يؤكد التهامي على أنه حتى داخل مدن الغرب، تتعايش مواقف مؤيدة وأخرى معارضة. هناك أطراف تتحرك بدوافع الحفاظ على مواقعها السياسية، وهذه بطبيعة الحال ترى في المبادرة تصفية لحساباتها. وهناك أطراف مؤثرة تملك نفوذاً فعلياً على الأرض تبدو أكثر حذراً وبراغماتية في مواقفها، لأنها تجيد حساب الربح والخسارة. أما الجمهور العام، فكما سلف، منهك ويبحث عن مخرج.
الديباني يتناول هذه الديناميكية من زاوية “حزب التشكيك والمعارضة”، كما يسميه، والذي وجد نفسه أمام خيارين: إما الاندماج في مسار الاستقرار أو البقاء خارجه. ويشير إلى أن بعض هذه القوى اختارت البقاء خارج دائرة التوافق، بل إن خطاباتها تجاوزت الاعتراض السياسي الدبلوماسي لتصل إلى حد ما يعتبره “التحريض على تحركات ميدانية”، وذلك عبر دعوات لبعض التشكيلات المسلحة للخروج وإعلان الموقف رفضاً للمبادرة. ويقرن الديباني ذلك بتحول خطب منابر دينية أو مؤسسات توجيهية إلى أدوات ذات طابع سياسي، ما يعكس شعورًا بالقلق بعد تراجع تأثيرها في المشهد. لكنه في المقابل، يراهن على أن وجود وعي “مدني أو عسكري” في غرب ليبيا من شأنه دعم المبادرة وتجاوز دعوات الرفض، خاصة أن الأطراف المعارضة التي خرجت من إطار التوافق السياسي تواجه الآن دعماً دولياً وإقليمياً واسعاً (يشمل تركيا وقطر والسعودية ومصر) يسهم في “لجمها”.
العبود من جانبه يرفض توصيف المبادرة بأنها “صفقة مشبوهة”، معتبراً أن الصيغ المطروحة مثل “الحوار المهيكل” أو “4+4” صُممت لمعالجة القضايا الجوهرية كاستكمال تشكيل المفوضية وإقرار القوانين الانتخابية، وهي أمور عجز عنها مجلسي النواب والدولة بأنفسهم. هذا العجز المزمن للمؤسسات الليبية، سواء مجلسي النواب أو الأعلى للدولة أو المجلس الرئاسي، خاصة في ملفات المصالحة الوطنية، هو ما يعزز الحاجة إلى هذه المقاربات الجديدة. هذه المؤسسات، وفق تحليله، مُنحت فرصًا متكررة منذ اتفاق الصخيرات وحتى جنيف، غير أن هذه المسارات كانت كلما اقتربت من التفاهم تعود مجددًا إلى حالة الانقسام، لأنها ركزت على تقاسم الكعكة السياسية دون تغيير وصفة خبزها الاقتصادية والأمنية.
واشنطن، الأبعاد الدولية، ولعبة التوازنات الجديدة
إن تدشين عهد جديد من الانخراط الأمريكي المباشر ليس عملاً خيرياً دولياً. التهامي يقرأ دخول واشنطن على خط الأزمة بمبادرة جديدة بوصفه يحمل دلالات سياسية مهمة، بالنظر إلى ثقلها الدولي. الولايات المتحدة لا تعد طرفاً عادياً، بل لديها قدرة على التأثير، بشكل مباشر أو عبر المؤسسات الدولية، ما يمنح مبادرتها إمكانية حشد دعم دولي أوسع مقارنة بمحاولات سابقة. ويشير التهامي إلى تميز الأسلوب الأمريكي الحالي، حيث لم يعد الاعتماد مقتصرًا على القنوات الدبلوماسية والمؤسسات الرسمية، بل برز دور مباشر للرئيس في توجيه السياسة الخارجية. وهو يعكس أيضاً رغبة في تحقيق مكسب سياسي وإعلامي، من خلال شبكة العلاقات مع القوى الإقليمية المؤثرة مثل مصر وتركيا، وهذا التوازن هو سر القوة الحقيقية للمبادرة، إذ لا يمكن لأي طرف إقليمي أن يشعر بأنه مستهدف أو مستبعد.
الديباني يوسع زاوية الرؤية ليشمل الموقع الاستراتيجي لليبيا الذي يضعها في قلب التوازنات بين الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والبحر المتوسط. ويوضح أن الأزمة تتأثر مباشرة بالتطورات الدولية، بما في ذلك الحرب في أوكرانيا والتوترات الأمريكية الإيرانية والتجاذبات الإقليمية الأخرى. هذه المتغيرات دفعت نحو صياغة مبادرة تستثمر الموقع الاستراتيجي لليبيا لبناء شراكات اقتصادية وأمنية إقليمية، وهو ما يعني بوضوح أن الفوضى الليبية لم تعد احتمالاً مقبولاً في حسابات القوى الكبرى، مما خلق لحظة نضج دولية للضغط باتجاه التسوية.
ويضيف العبود بعداً آخر، مشيراً إلى أن تحسن أسعار النفط، على خلفية التوترات الدولية ومنها أزمة مضيق هرمز، ساهم مؤقتًا في تجنب انهيار الاقتصاد الليبي. بيد أن هذا الغطاء المؤقت لا يحجب حقيقة أن استمرار الانقسام أدى إلى تفاقم الهدر المالي في ظل غياب توافق. وهنا تكمن المفارقة، فبدلاً من أن تكون الوفرة المالية المؤقتة دافعاً للتراخي، تستخدمها المبادرة كرافعة للإصلاح، حاججة بأن إدارة هذه الثروة بشكل موحد ستحقق ازدهاراً، بينما استمرار تبديدها في ظل الانقسام سيقود إلى الانهيار حتى مع ارتفاع الأسعار. إنها رسالة إلى كل الأطراف: لعبة “الثراء دون دولة” تقترب من نهايتها، سواء طوعاً أو كرهاً.
سيناريوهات المستقبل: بين حكومة وحدة وطنية “حقيقية” وقيادة عسكرية موحدة
بالانتقال من تشريح الحاضر إلى استشراف المستقبل، يرسم المحللون ملامح التسوية المحتملة. العبود يقدم تصوراً شاملاً يرتكز على فكرة أن الواقعية السياسية قد تفرض القبول بترتيبات انتقالية، بما في ذلك التعامل المرحلي مع حكومة الدبيبة، بهدف تقصير أمد المرحلة الانتقالية. لكن التعامل “المرحلي” ليس نهاية المطاف، فالسيناريو الأكثر ترجيحاً يتجه نحو إعادة تشكيل الحكومة الحالية باتجاه حكومة وحدة وطنية “حقيقية” تضم كفاءات جديدة قادرة على تنفيذ إصلاحات اقتصادية، بالتنسيق بين السياسات النقدية والمالية. توحيد السلطة التنفيذية عند العبود ليس رفاهية، بل هو “شرط أساسي لإجراء الانتخابات”، إذ من الصعب تنظيم انتخابات نزيهة في ظل الانقسام الحكومي.
لكن المفاجأة في تحليلات العبود تكمن في توقعاته للمجلس الرئاسي. فهو يرجح تشكيل مجلس رئاسي جديد أكثر فاعلية، يتصدره الفريق صدام حفتر، مستنداً في ذلك إلى دوره في ترسيخ المؤسسة العسكرية وتحقيق الاستقرار، مع احتمال قبوله من بعض الأطراف في الغرب الليبي بما يسهم في توحيد المؤسسة العسكرية. هذه النقطة تحظى بتفصيل مهم من الديباني الذي يتناول نتائج تمرين “فلينتلوك 2026” في سرت. فيشرح أن هذه المناورات تمثل خطوة نحو توحيد المؤسسة العسكرية، مع إنشاء قوة مشتركة لمكافحة الجريمة العابرة للحدود والإرهاب. ويكشف عن مؤشر بالغ الأهمية: استعداد جزء كبير من منتسبي المؤسسة العسكرية في غرب ليبيا للانضمام إلى قيادة موحدة تحت مظلة القيادة العامة. هذه المعطيات تجعل من توحيد المؤسسة العسكرية حجر الزاوية في التسوية، وهو ما يثير قلق الأطراف السياسية التي تعتمد على نفوذ الميليشيات.
السيناريو الذي يرسمه الديباني للمستقبل يحمل تطمينات وتحذيرات في آن. التطمينات لأولئك المنخرطين في التشكيلات المسلحة هي أن بإمكانهم العودة إلى الحياة المدنية. أما التحذير فهو أن هذه التشكيلات والميليشيات “ستجد نفسها خارج المعادلة في حال استكمال هذا المسار”. إنها عملية دمج وبناء مؤسسة عسكرية وطنية تزيح الميليشيات خارج دائرة الشرعية والنفوذ. ويكمل العبود هذه الصورة بالإشارة إلى مسارات أخرى موازية كمصالحة وطنية حقيقية خصوصاً في الجنوب، ودور حيوي للجنة العسكرية المشتركة (5+5) في تعزيز الأمن. كلها ركائز تهدف إلى خلق بيئة حاضنة للانتخابات، ليس كمجرد صندوق اقتراع، بل كتتويج لعملية شاملة لبناء دولة.
الاستنتاج: واجب المخلصين وسيئات الفشل
في الختام، يعود الجميع إلى التحذير من مخاطر الفشل. الكل يجمع على أن نجاح المبادرة يمكن حسابه، لكن فشلها لا يمكن تحمله. عبد القيوم يوجز العواقب: تجميد الحالة على فسادها الحالي، رفع احتمالات الحرب، أو تقسيم البلاد. المهدوي يختصر المسؤولية بقوله: “الرهان اليوم ليس على الأشخاص بل على الوطن”. هذا يعني أن المطلوب من النخب والقوى الفاعلة مراقبة ما يجري، والضغط من أجل إنجاح المسار، لأن فشله ونجاحه سيغيران حتمًا قواعد اللعبة السياسية. سقوط المبادرة لن يكون مجرد فشل دبلوماسي أمريكي، بل سيكون إفلاساً للنخبة الليبية بأسرها، ودليلاً على أن القوى المهيمنة على المشهد تفضل “بقرة الذهب” على بناء الدولة، حتى لو عنى ذلك الذهاب بالجميع نحو الهاوية.
إن الرهان على “الواقعية السياسية” هو في جوهره رهان على أن حس البقاء الوطني سيتغلب على جشع السياسة. إنها عملية قيصرية مؤلمة، تحاول انتزاع ليبيا من أيدي حراسها الذين نهكوها، وإعادتها إلى أبنائها. والسؤال المعلق في سماء سرت وطرابلس وبنغازي هو: هل سيكون صوت العقل ومرارة الواقع أقوى من صراخ الأصنام وحراس هيكلها؟



