“بضاعتكم رُدّت إليكم”.. حين يسقط الحوار السياسي إلى درك التجريح وغياب الدولة
الزقم: المشهد ليس هزلياً.. إنه مأساوي بامتياز

بقلم: عبدالعزيز الزقم
لا يحتاج المرء إلى كثير من الجهد ليدرك أن الأزمة الليبية الراهنة لم تعد مجرد خلاف سياسي بين أطراف تتنافس على السلطة، بل تحولت تدريجياً إلى حالة من الانحدار المتواصل في أساليب التخاطب وأدوات الصراع. والواقعة الأخيرة التي جمعت بين المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، والمكلف بتسيير وزارة الخارجية في الحكومة منتهية الولاية الطاهر الباعور، ليست مجرد فصل جديد في مسلسل الانقسام، بل هي ناقوس خطر يدق بقوة ليذكرنا بأن الدولة لم تعد تعاني فقط من غياب المؤسسات الدستورية، بل أيضاً من انهيار الحد الأدنى من الأدب السياسي والرصانة المهنية الواجبة في التخاطب بين المسؤولين.

إن التعليق الذي خطه الباعور بيده على مراسلة رئاسية رسمية، بقوله: “بضاعتكم رُدّت إليكم.. يلزمك تقرأ”، لا يمكن التعامل معه كمجرد زلة قلم أو رد فعل عابر. إنه وثيقة إدانة ذاتية تكشف عن أزمة أعمق بكثير: أزمة فهم طبيعة المنصب، وأزمة إدراك معنى الدولة، وأزمة ثقافة سياسية تزداد ابتعاداً عن الجوهر لتغرق في الشكل، أو حتى في ما دون الشكل من مهاترات لا تليق حتى بمجالس الطلاب، فما بالنا بمقام وزارة الخارجية ورئاسة الدولة.
المشهد ليس هزلياً.. إنه مأساوي بامتياز
قد يميل بعض المراقبين إلى وصف ما حدث بأنه “مهزلة”، وقد يضحك آخرون من عبثية المشهد: رئيس دولة يرسل كتاباً رسمياً إلى مسؤول كبير، فيرد عليه الأخير بتعليق هامشي وكأنه يصحح واجباً مدرسياً. لكن الضحك هنا مرّ، والابتسامة صفراء، لأن ما جرى ليس فصلاً في مسرحية هزلية، بل عرض علني لمرض عضال ينخر في جسد الدولة الليبية: مرض تفريغ المؤسسات من هيبتها، وتحويل المناصب السيادية إلى ساحات لتصفية الحسابات الشخصية.
نحن هنا أمام ثلاثة مستويات من المأساة:
المستوى الأول: مشهد رئيس المجلس الرئاسي، الذي يُفترض أنه رأس الدولة، وهو يخاطب مسؤولاً في حكومة لا يعترف بها بالكامل، في بلد لا يعترف فيه الجميع بصلاحياته. إنه يفعل ذلك وسط فراغ دستوري خانق، حيث لا أحد يعرف على وجه اليقين أين تبدأ صلاحيات الرئيس وأين تنتهي صلاحيات رئيس الحكومة.
المستوى الثاني: مشهد المسؤول الحكومي، المكلف بتسيير وزارة الخارجية، وهو يرد على خطاب رئاسي ليس برد قانوني أو مذكرة توضيحية، بل بعبارة جانبية مقتضبة اختزل فيها كل اعتراضه على مضمون لا يعجبه في سطرين يوحيان بالسخرية والتعالي.

أما المستوى الثالث، فهو الأكثر إيلاماً: مشهد الوطن الليبي نفسه، الذي يراقب هذه التصرفات بذهول، ويدفع ثمنها من رصيده الدولي المتآكل أصلاً، ومن فرصه الضائعة في استعادة شيء من المهابة والاحترام بين الأمم.
“يلزمك تقرأ”: حين يصبح الجهل مدعاة للتعالي
لنتوقف ملياً عند العبارة التي خطها الباعور. هي لم تكن اعتراضاً على فحوى القرار الرئاسي أو مضمونه السياسي، بل كانت ملاحظة شكلية على صيغة المخاطبة ذاتها: “السيد/ الطاهر سالم الباعور المحترم”. لقد رأى فيها خطأ يستحق التصويب العلني والسخرية المبطنة. والحقيقة أن هذه الصيغة صحيحة تماماً وفقاً لقواعد اللغة العربية، ومعتمدة في أعرق دواوين المراسلات الرسمية في المنطقة العربية وخارجها. فذكر الاسم الكامل متبوعاً بلفظ “المحترم” هو عين الصواب، وليس فيه ما يخدش الحياء أو ينتقص من القدر.
هنا تكمن الطامة الكبرى: أن يكون القائم على وزارة الخارجية، وهي واجهة ليبيا إلى العالم، غير ملم بأبسط قواعد المخاطبات الرسمية التي يتقنها موظف صغير في قسم المراسلات. ثم، وفوق ذلك، أن يتبجح بجهله هذا ويسقطه على الطرف الآخر، وكأنه هو الذي يُعلّم غيره قواعد اللغة وأصول التخاطب.
هذا الموقف لا يسيء إلى شخص الباعور وحده، بل يسيء إلى كل ليبي يحلم بأن تمثل بلاده في الخارج بمستوى يليق بتاريخها وحضارتها. كيف يمكن لدبلوماسي ليبي أن يجلس على طاولة مفاوضات دولية، أو يخاطب نظيراً أجنبياً، إذا كان الأساس اللغوي والبروتوكولي عنده بهذه الهشاشة، وإذا كان رد فعله على ما لا يفهمه هو الهجوم والتجريح بدلاً من التواضع والاستفسار؟
ما وراء السجال: دولة بلا تعريف
إن ما جرى ليس سوء تفاهم عابراً بين شخصيتين سياسيتين. إنه عرض لمرض الهوية الذي تعاني منه الدولة الليبية منذ سنوات. ففي الدول الطبيعية، المستقرة، لا يمكن تصور أن يجرؤ مسؤول، مهما علا شأنه، على مخاطبة رئيس الدولة بهذه الطريقة، حتى لو اختلف معه سياسياً. هناك أعراف، وهناك حدود، وهناك فارق بين الخلاف على السياسات وبين المسّ بهيبة المنصب.
لكن في ليبيا اليوم، اختلطت الأوراق، وضاعت الحدود، حتى أصبح كل مسؤول يرى نفسه “دولة داخل الدولة”، لا سلطان لأحد عليه، ولا لزوم للالتزام بأبجديات الحوار الراقي. لقد كرّس الانقسام السياسي المزمن ثقافة “التقابل بالغلط”، حيث يرد كل طرف على تجاوزات الطرف الآخر بتجاوزات مضادة، في سلسلة لا تنتهي من التصعيد المتبادل الذي لا يبقي للدولة لا هيبة ولا معنى.
وإذا كان البعض يرى أن الباعور قد “مرّغ أنف” خصمه السياسي، فإن الحقيقة الأعمق هي أن الباعور، بتصرفه هذا، قد مرّغ أنف الدولة الليبية كلها. لأن الدولة لا تُبنى بالإهانات المتبادلة بين المسؤولين، ولا بالدروس الخصوصية في قواعد اللغة على صفحات المراسلات الرسمية. الدولة تُبنى بالاحترام المتواصل للمؤسسات، حتى عندما نختلف مع الأشخاص الذين يشغلونها.
غياب ثقافة الدولة: الجذر الأعمق للأزمة
لعل الأزمة الليبية برمتها يمكن اختزالها في جملة واحدة: نحن لا نعاني من نقص في عدد السياسيين، بل نعاني من نقص حاد وخطير في “رجال الدولة”. فرجل الدولة هو من يدرك أن المنصب تكليف وليس تشريفاً، وأن السلطة أمانة وليست غنيمة، وأن الخطاب السياسي يجب أن يرتفع إلى مستوى المسؤولية لا أن ينحدر إلى مستوى الزقاق.
إن ما فعله الباعور يعكس ثقافة أوسع باتت سائدة في المشهد الليبي: ثقافة “تسيير الأعمال” بمعناها العبثي. فـ”المكلف بتسيير وزارة الخارجية” هو تعبير يكاد يكون ضرباً من الخيال السياسي في الدول المستقرة. كيف لدولة أن تكلف شخصاً “بتسيير” سياستها الخارجية، ثم تختلف حول ما إذا كان يملك حق تمثيلها من عدمه؟ كيف لدولة أن تترك تمثيلها الدبلوماسي رهينة لخلاف بين رئيس حكومة ورئيس مجلس رئاسي حول تفسير مادة في اتفاق سياسي؟
إن حالة السيولة والالتباس هذه لم تعد مقصورة على وزارة الخارجية وحدها، بل صارت سمة عامة: لدينا حكومة “وحدة” لا توحد أحداً، ومجلس رئاسي لا يمارس رئاسته فعلياً، ومؤسسات “تسير أعمالها” دون أن تدري إلى أين تسير. وفي غمرة هذا كله، يختفي المعنى الحقيقي للدولة، ويتحول الصراع على المناصب إلى غاية في حد ذاته، وليس إلى وسيلة لخدمة المواطن الليبي الذي طحنه الفقر وانعدام الأمن وتدهور الخدمات.
الإقالة التي لا تغير شيئاً
في أواخر أبريل من العام الجاري، صدر قرار عن المجلس الرئاسي بإيقاف السيد الباعور عن العمل، مع مطالبة حكومة الوحدة الوطنية بتسمية مرشح جديد لحقيبة الخارجية. ظاهرياً، يبدو هذا إجراءً حاسماً يضع حداً للمهزلة. لكن في العمق، لا أحد يخدع نفسه: هل سينفذ الدبيبة هذا القرار؟ هل سيعترف به الباعور؟ هل ستتغير موازين القوى على الأرض؟
كل المؤشرات تدل على أن هذا القرار، شأنه شأن عشرات القرارات الصادرة عن المجلس الرئاسي، سيبقى حبراً على ورق. والسبب بسيط: في ليبيا اليوم، القرارات لا تُنفذ إلا إذا توفرت لها قوة إلزام على الأرض، وهذه القوة إما أن تكون شعبية عارمة، أو توافقاً دولياً مسبقاً، أو نفوذاً عسكرياً. والمجلس الرئاسي لا يملك أياً من هذه الأدوات بالقدر الكافي. وبالتالي، فإن الباعور سيبقى في موقعه ما دام الدبيبة متمسكاً به، وما دامت الكتائب المسلحة المسيطرة على طرابلس لا ترى ضرورة لإزاحته.
وهكذا، تدور العجلة في الفراغ: المجلس الرئاسي يصدر قرارات لا تنفذ، والحكومة ترد بقرارات مضادة، والمبعوثون الدوليون يتنقلون بين الفنادق، والمواطن الليبي يدفع الثمن من قوته وقوت أبنائه وكرامته.
كلفة المأساة: ثمن يدفعه الليبيون يومياً
قد يقول قائل: وما شأن المواطن البسيط بكل هذه التفاصيل؟ ما دام الخلاف بين المنفي والباعور على قواعد اللغة وصيغ المخاطبة، فليتصارعوا كما يشاؤون، المهم أن نعيش نحن بسلام.
هذا الفهم، مع وجاهته الظاهرية، خاطئ تماماً. فالمواطن الليبي يدفع ثمن هذا العبث في كل مفصل من مفاصل حياته اليومية:
يدفع ثمنه في الجواز الليبي الذي فقد هيبته، فأصبح حامله يعامل في مطارات العالم كمواطن من الدرجة الدنيا، يحتاج إلى تأشيرات مسبقة لكل وجهة، ويخضع لتفتيش دقيق وكأنه قادم من كوكب مجهول. وهذه النظرة الدونية لم تأت من فراغ، بل هي نتيجة طبيعية لصورة بلد عاجز حتى عن تعيين وزير خارجية بصفة قانونية مستقرة.
يدفع ثمنه في الاقتصاد المنهار، حيث لا تستطيع ليبيا جذب استثمارات حقيقية، ولا بناء شراكات دولية مستدامة. فالمستثمر الذي يرى دولة لا تعرف من يتحدث باسمها في المحافل الدولية، سيحزم حقائبه ويبحث عن وجهة أكثر استقراراً.
ويدفع ثمنه في الخدمات المنهارة: الصحة، التعليم، الكهرباء، الطرق، كلها قطاعات غارقة في العجز والإهمال، بينما ينشغل “قادة” البلاد بمعارك جانبية حول من يحق له أن يوقع المراسلات، ومن هو “المحترم” ومن هو غير ذلك.
“بضاعتكم” التي رُدّت إلينا جميعاً
إن عبارة الباعور الشهيرة: “بضاعتكم رُدّت إليكم”، يمكن أن تُقرأ اليوم قراءة مختلفة تماماً. لم تعد البضاعة المردودة هي مجرد كتاب رئاسي لم يعجب به المكلف بتسيير الخارجية. البضاعة المردودة اليوم هي هذه الطبقة السياسية برمّتها، بكل أطيافها وأجنحتها، التي رُدّت إلينا نحن الليبيين على شكل خيبة أمل مزمنة، ووطن منقسم على نفسه، وحاضر بائس يزداد سواداً كلما ارتفعت أصوات المتصارعين.
نعم، لقد رُدّت إلينا “بضاعة” سياسية معيبة، لا تصلح لبناء دولة، ولا تليق بأمة. رُدّت إلينا على شكل مؤسسات شكلية لا روح فيها، وقوانين لا تُحترم، وأعراف سياسية صارت أقرب إلى أعراف الغاب منها إلى تقاليد الجمهوريات. وكل يوم يمرّ على ليبيا بهذه الصورة، هو يوم إضافي في عمر الأزمة، يدفع ثمنه مواطن لا حول له ولا قوة، سوى أن يشيح بوجهه عن الأخبار قائلاً: “حسبنا الله ونعم الوكيل”.
إن أول الطريق إلى الحل هو أن يدرك الجميع، من أعلى الهرم إلى أسفله، أن كرامة الدولة ليست لعبة يتقاذفها المتنازعون، وأن الكفاءة والتواضع والأدب الجمّ هي الشروط الأولى لتولي أي منصب، قبل الانتماء السياسي وقبل الولاءات الشخصية. وما لم نصل إلى هذا الإدراك، فستبقى مشاهد “بضاعتكم رُدّت إليكم” تتكرر بأشكال مختلفة، وستبقى ليبيا تدور في حلقة مفرغة من الإساءات المتبادلة، فيما العالم يتقدم، ونحن نزداد تخلفاً وانحداراً.



