ليبيا

الجيش الوطني الليبي يعيد تشكيل معادلة الردع: «درع الكرامة 2» تتجاوز التدريب إلى تثبيت بنيان الدولة

درع الكرامة 2 تدفع بجاهزية الجيش الليبي لذروتها القتالية

ليبيا 24- عبدالعزيز الزقم

استعدادات نهائية لمناورة ليبية كبرى تحشد قوات الجيش الوطني

عندما تتحول المناورات إلى وثيقة سيادة

في لحظة تتقاطع فيها تحولات المشهد الإقليمي مع اختبارات السيادة الداخلية، لا تنفصل الاستعدادات العسكرية عن دلالاتها السياسية العميقة. إن ما توشك القيادة العامة للقوات المسلحة العربية الليبية على تنفيذه تحت مسمى «درع الكرامة 2» يتجاوز بكثير حدود التمرين العسكري التقليدي، ليُقرأ كإعلان واضح عن اكتمال طور جديد في بناء المؤسسة الدفاعية الليبية الموحدة.

فحين تتحرك تشكيلات قتالية يصل عديدها إلى نحو خمسة وعشرين ألف مقاتل في مسرح عمليات واحد، فإن الرسالة لا تتجه نحو الداخل الليبي فحسب، بل تتعداه إلى كامل الفضاء المتوسطي والإفريقي، مؤكدة أن شرق ليبيا وجنوبها يخضعان لسيطرة قوة منظمة عقائدياً وعملياتياً، قادرة على فرض إيقاعها في أي ترتيبات مستقبلية للبلاد.

هندسة القيادة والسيطرة: عقل ثلاثي لإدارة العملاق الميداني

تعكس اجتماعات القيادة العامة المتعاقبة، والتي كان آخرها ذلك اللقاء الموسع الذي ترأسه الفريق أول ركن صدام حفتر، نائب القائد العام، مع آمر الفرقة 309 وآمري الألوية والوحدات المشاركة، فلسفة عسكرية راسخة تقوم على مركزية التخطيط ولامركزية التنفيذ.
وقد بدا واضحاً أن القيادة العامة، التي يقود هرمها المشير خليفة حفتر، تتعامل مع هذا التمرين باعتباره محاكاة حقيقية لمعركة متعددة الأبعاد وليس مجرد عرض للقوة.
إن حديث نائب القائد العام عن “الحفاظ على أعلى درجات الجاهزية والانضباط” ينم عن عقيدة قتالية ترفض الاسترخاء الذي قد يسببه الجمود النسبي على خطوط التماس، وتحول فترات الهدوء إلى فرص ذهبية لإعادة بناء القوة وتحديث عقائدها القتالية.
وفي السياق ذاته، يبرز دور رئيس الأركان العامة الفريق أول ركن خالد حفتر في إدارة التنسيق المتشعب بين الوحدات المقاتلة والأجهزة الأمنية المساندة. إن تأكيده الأخير على “توحيد الجهود ووقوف القيادات العسكرية والأمنية صفاً واحداً لمواجهة مظاهر الفساد” ليس مجرد تصريح روتيني، بل هو اعتراف ضمني بأن أمن الجبهة الداخلية هو أساس صمود الجبهة الأمامية.
فالجيش الذي يستعد لخوض أضخم مناورة في تاريخ ليبيا المعاصر، يحتاج إلى ظهير أمني صلب يقطع الطريق على أي محاولة لاختراق الاستقرار من الداخل، وهو ما يجعل من اجتماعات رئيس الأركان مع الكيانات الأمنية حلقة مكملة للاستعدادات العسكرية الخالصة.

الفرقة 309 ومفهوم القوة الضاربة: احترافية تتجاوز النمطية

إن إسناد دور محوري للفرقة 309 في سياق التحضيرات يشير إلى تحول نوعي في عقيدة القوات المسلحة العربية الليبية. فهذه الفرقة، التي خاضت معارك شرسة في الماضي القريب، لم تعد مجرد تشكيل مشاة تقليدي، بل تبلورت لتصبح نموذجاً للتدخل السريع والقدرة على المناورة بالنيران.

في «درع الكرامة 2»، لن تكون المهمة مجرد السير على الأقدام في الصحراء، بل ستختبر الفرضيات المعقدة للحرب الحديثة: الاستطلاع الإلكتروني، الاستهداف الدقيق، الإسناد النيراني غير المباشر، والحركة السريعة بواسطة المحاور اللوجستية الطويلة. إن التركيز على “آليات التنسيق بين مختلف الصنوف” يكشف عن جيش لم يعد رهيناً لسلاح واحد، بل بات ينسج بين المدرعات والمدفعية والمشاة والهندسة العسكرية نسيجاً قتالياً متماسكاً، قادراً على التعامل مع تهديدات غير متماثلة سواء في عمق الصحراء أو في النسيج المدني المعقد.

المسرح الجغرافي: لماذا الشرق والجنوب؟

إن اختيار مسرح العمليات في شرق ليبيا وأجزاء من الجنوب ليس اعتباطياً، بل يحمل في طياته أبعاداً جيواستراتيجية بالغة الحساسية. ففي الشرق، حيث تتركز البنية التحتية الرئيسية للجيش الوطني وقواعده اللوجستية، تريد القيادة العامة توجيه رسالة للمجتمع الدولي بأنها القوة الوحيدة القادرة على تأمين منابع النفط والحدود البرية والبحرية الممتدة.

أما في الجنوب، حيث الفراغ الأمني وتقاطع طرق التهريب والهجرة غير الشرعية، فإن إجراء المناورة هناك يعني وضع اليد بقوة على الشريان الحيوي للدولة الليبية. إن حشد الآلاف من المقاتلين في تلك المناطق النائية هو تمرين حقيقي على التغلب على شبح المسافة واللوجستيات، وهو رسالة مفادها أن أي تهديد للمقدرات الوطنية في الجنوب سيواجه بقوة ساحقة لا تعترف بالبعد الجغرافي.

من فلينتلوك إلى درع الكرامة: إعادة تعريف الشراكة الدولية

لا يمكن قراءة «درع الكرامة 2» بمعزل عن المشاركة عالية المستوى للجيش الوطني الليبي في مناورات «فلينتلوك 2026» التي احتضنتها سرت مؤخراً. آنذاك، جلس ضباط القوات المسلحة العربية الليبية جنباً إلى جنب مع قوات من ثلاثين دولة، تحت مظلة القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا. لقد كانت تلك المناورات بمثابة شهادة ميلاد دولية جديدة للجيش، حيث أثبت قدرته على العمل وفق معايير التحالف المعقدة، واستخدام أنظمة اتصالات متطورة، وتطبيق قواعد اشتباك صارمة.

واليوم، في «درع الكرامة 2»، ستظهر الثمرة العملية لتلك التجربة. فالجيش الذي تدرب مع قوى كبرى على مكافحة التطرف وتأمين الحدود، سيطبق تلك الدروس بشكل أحادي ولكن بروح احترافية متعددة الجنسيات. إنه تحول من مرحلة المتدرب إلى مرحلة القادر على حماية سيادته بأدواته الذاتية بعد أن أتقن فنون القتال الحديث.

البعد المعنوي: استعادة هيبة الزي العسكري

في مجتمع أنهكته الصراعات وأرهقته الميليشيات، تعيد القيادة العامة من خلال هذه المناورات تعريف مفهوم “الغلبة” لصالح الدولة. حين يرى المواطن الليبي قوافل الجيش الوطني تتحرك في الصحراء بتنظيم وانضباط، وحين تملأ أصوات المدفعية الآمنة سماء التدريب بدلاً من أصوات الرصاص العشوائي، فإن ذلك يعيد تخزين الذاكرة الجمعية بصورة القوات المسلحة كحامٍ وليس كطرف في النزاع. إن تشديد القيادة على “الانضباط” في توجيهاتها ليس فقط خشية من الاختراقات الأمنية، بل هو إدراك عميق بأن الجيش في ليبيا يجب أن يكون نموذجاً أخلاقياً قبل أن يكون قوة نيرانية.

في هذا السياق، تصبح مكافحة الفساد التي أشار إليها رئيس الأركان جزءاً لا يتجزأ من العقيدة القتالية، فالمقاتل الذي يحمي جبهته من العدو، يجب أن يحمي ظهره من الفاسدين الذين يضعفون النسيج الوطني.

الجاهزية اللوجستية: معركة خلف الخطوط لكسب الحرب

تعتبر القدرة على تحريك ونشر خمسة وعشرين ألف جندي بمعداتهم وأسلحتهم وذخائرهم في وقت قياسي، إنجازاً لوجستياً لا يقل أهمية عن الانتصار الميداني. إن الحديث عن “اللمسات الأخيرة” للاستعدادات يشير إلى أن أركان الإمداد والتموين في الجيش الوطني الليبي قد قطعت شوطاً كبيراً في بناء قدرات النقل الاستراتيجي، سواء عبر الأساطيل البرية أو عبر تأمين خطوط إمداد مرنة.

ففي بيئة صحراوية قاسية كالتي ستجرى فيها المناورة، يتحول الماء والوقود إلى أسلحة استراتيجية. إن نجاح الجيش في إدارة هذه المنظومة المعقدة يعني امتلاكه ليس فقط القدرة على خوض المعارك، بل على استدامتها، وهو ما يغير من موازين القوى بشكل جذري في أي مفاوضات سياسية قادمة، إذ يثبت الجيش أنه قادر على الفعل المستقل بعيداً عن المزاج السياسي المتقلب.

رسائل مزدوجة للخارج: استقرار بلا وصاية

في العواصم الغربية، ستراقب كاميرات الأقمار الصناعية حركة القوات بكثير من الاهتمام. إن رسالة “درع الكرامة 2” معقدة وذكية: هي تطمئن العواصم المعنية بمكافحة الإرهاب والهجرة بأن هناك قوة قادرة على ضبط الحدود، وفي الوقت نفسه تحذر من أن أي محاولة لتجاوز المؤسسة العسكرية في ترتيبات الحكم ستكون محفوفة بالمخاطر.

لقد أثبت الجيش الوطني أنه شريك موثوق في الحرب على التطرف، كما حدث في سرت، ولكنه اليوم يؤكد أنه ليس مجرد أداة وظيفية لتنفيذ أجندات خارجية. إنه يعرض قوته الذاتية، المصقولة بالمعايير الحديثة، ليعلن أن الاستقرار في ليبيا لا يمكن أن يمر عبر إضعافه أو تجاوزه. إنها معادلة دبلوماسية عسكرية تقول: “نحن قادرون على حماية مصالحكم المشروعة، ولكن وفق شروط سيادتنا”.

نحو عقيدة دفاعية جامعة

بينما تنتظر الساحة الليبية تحديد الموعد النهائي لانطلاق «درع الكرامة 2» في منتصف الشهر، فإن ما تحقق فعلياً هو انتصار للنموذج المؤسسي على الفوضى. إن المناورة، بما تحمله من رمزية “الكرامة”، ليست مجرد استعراض للقوة، بل هي تتويج لمرحلة من البناء الشاق، حيث انتقل الجيش من مرحلة المقاومة والدفاع عن الوجود إلى مرحلة التخطيط الهجومي وبناء أنظمة أسلحة مشتركة.

إن القوات المسلحة العربية الليبية، بهرمها القيادي المتمثل في المشير خليفة حفتر ونائبه صدام حفتر ورئيس أركانه خالد حفتر، تقدم نفسها اليوم كتعبير موضوعي عن جوهر الدولة الليبية القادمة: مؤسسة عابرة للقبائل والجهات، منضبطة، متمرسة، وقادرة على فرض الأمن. في صحراء ليبيا الممتدة، ستزأر محركات «درع الكرامة 2» ليس فقط لترهيب المتربصين، بل لتبعث برسالة صوتية هادرة إلى كل ليبي بأن الجيش قد عاد ليكتب الفصل الأخير من معركة السيادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى