تشريح الاقتصاد السياسي لفتوى الغرياني وكيف تحولت دار الإفتاء إلى غرفة مقاصة مالية
فتوى التوقف عن الدولار تصعّد حرب النفوذ النقدي بليبيا
ليبيا 24
دار الإفتاء تشل سوق الصرف ومصالحها المالية تحت المجهر
في مشهد يعكس عمق الاختراق الذي تعانيه المؤسسات السيادية الليبية، أطلقت دار الإفتاء بقيادة المفتي المعزول الصادق الغرياني فتوى أربكت منظومة النقد الأجنبي برمتها، داعية المواطنين إلى التوقف الفوري عن حجز الدولار عبر منصة مصرف ليبيا المركزي.
وبينما غلّف البيان نفسه بغلالة شرعية من الحذر والاحتياط من شبهة الربا، تكشف المعطيات المالية وتحليلات المراقبين وأصوات المواطنين عن صراع أعمق بكثير؛ صراع لا يدور حول التقابض في مجالس العقد، بل حول ملايين الدولارات من التسهيلات المالية التي جفّت منابعها فجأة تحت وطأة نظام مراقبة مصرفي جديد يستهدف تجفيف منابع تمويل الإرهاب وغسيل الأموال.
هذا التحقيق يسلط الضوء على الخيوط المتشابكة بين الفتوى والمال، ويكشف كيف تحولت دار الإفتاء إلى طرف فاعل في الحرب النقدية الدائرة، لا كحَكَمٍ شرعي، بل كطالب انتقام مالي يسعى لاستعادة امتيازات ضائعة.
غيمة الفتوى وزوبعة السيولة: ما الذي حدث حقًا؟
في بيانها المطول، لم تعلن دار الإفتاء تحريمًا قاطعًا للتعامل، بل مارست ما يصفه الفقهاء بـ”الاحتياط المشروع”، مؤسسة موقفها على أن المصرف المركزي لم يجبها عن استفساراتها التفصيلية حول كيفية إتمام القبض الشرعي في معاملات الصرف عبر منظومته الإلكترونية.
وأشار البيان إلى ثلاثة نماذج محتملة للعلاقة التعاقدية بين المصرف وشركات الصرافة، مؤكدًا أن غياب التوصيف الفني الدقيق يمنعها من إصدار حكم جازم، وبالتالي كان التوجيه للمواطنين بالتوقف احترازًا من الوقوع في الربا.
هذا الموقف، لو عُزل عن سياقه المالي والسياسي، قد يبدو أقرب إلى الحصافة الفقهية. بيد أن التوقيت والملابسات والتصريحات السابقة تكشف أنه لم يكن سوى ذروة جبل جليدي من المصالح المتضاربة.
المصرف المركزي في مرمى نيران الإفتاء: حكاية لجنة شرعية واستقالة غامضة
محور الأزمة ليس جهل دار الإفتاء بالإجراءات، بل تغيير هيكلي في آلية الرقابة على المعاملات المالية. فقد أفادت المصادر بأن المصرف المركزي أسس لجنة شرعية يفترض أن تدقق في العقود قبل التعامل بها.
والمفارقة الكبرى أن رئيس تلك اللجنة كان القيادي السابق في دار الإفتاء ذاتها، حمزة بوفارس، الذي قدم استقالته منذ فترة دون إعلان الأسباب. استقالة بوفارس لم تكن مجرد تغيير إداري، بل كانت الشرارة التي كشفت عن حجم المكاسب التي كانت تجنيها شبكة شيوخ الإفتاء من وجودهم داخل اللجان الشرعية للمصارف.
وتشير وثائق وتحقيقات إلى أن عددًا من هؤلاء كانوا يتقاضون مكافآت شهرية تُقدّر بالآلاف لقاء خدمات استشارية ورقابية، مما حوّلهم فعليًا من جهة رقابية مستقلة إلى مستفيدين ماليين من النظام المصرفي الذي يُفترض أن يخضعوا تدقيقه.
الصندوق الأسود: أين ذهبت ملايين التسهيلات؟
المنعطف الحقيقي في هذه القضية يكمن في التشريعات المالية الجديدة التي فرضها المصرف المركزي، والمتوافقة مع المعايير الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب وغسيل الأموال، والتي أغلقت الباب أمام تدفق ملايين الدولارات كتسهيلات إلى جهات كانت تُصنف على أنها عالية المخاطر.
هنا يربط محللون اقتصاديون وأمنيون بين الفتوى الصادمة وتعثر دار الإفتاء في الحصول على حصتها من “الكعكة الدولارية” تحت نظام المراقبة الجديد.
فلم تعد التحويلات الضخمة تمر دون تدقيق، ولم يعد بوسع جهات مدرجة على لوائح الاشتباه، أو مرتبطة بشخصيات متهمة بدعم الميليشيات المسلحة، أن تستفيد من النقد الأجنبي المدعوم الذي يوفره المركزي للحفاظ على استقرار الدينار الليبي. هذا الغلق المالي المفاجئ هو ما يصفه مراقبون بأنه السبب الموضوعي وراء تحريك ورقة الفتوى لإحراج المصرف المركزي ودفعه للتراجع عن إجراءاته أو على الأقل لردم الفجوة المعلوماتية بهدف استعادة تلك الامتيازات.
منظور المواطن: سخرية لاذعة تكشف المستور
لم يكن الشارع الليبي غافلًا عن هذا الصراع. فعلى منصات التواصل، انهالت ردود فعل المواطنين لتكشف عن إدراك شعبي عميق بأن المسألة أبعد ما تكون عن التقوى.
الناشط السياسي أسامة الشحومي خاطب دار الإفتاء وكأنها شركة وساطة مالية ناشئة بقوله: “واضح إن دار الإفتاء بقيادة الصادق الغرياني ومعاه سامي الساعدي وسهيل “ولد صاحب الزرع”، ماعادش دار إفتاء فقط، بل دخلوا رسميًا في تجارة الدولار والسياسة النقدية.
لهذا أقترح عليهم استخراج سجل تجاري وترخيص مزاولة نشاط، لأن كمية تقريب النار للخبيزة في فتاويهم أصبحت واضحة جدًا”.
هذا الخطاب الساخر ليس معزولًا، بل هو صدى لعشرات التعليقات التي أشارت إلى أن الدار التي أوفدت أشخاصًا إلى البرازيل للتحقق من كيفية ذبح الدجاج بما يوافق الشريعة، عجزت عن إيفاد شخص واحد إلى مبنى المصرف المركزي الذي يبعد عنها كيلومترات معدودة، للسؤال عن آلية بيع الدولار.
وتضيف الإعلامية والباحثة في شؤون الهجرة ريم البركي بلهجة تحليلية ناقدة: “جماعة دار الإفتاء شكلهم عندهم بزنس مليح في الدولار… نازلين عشرات ضد شراء الدولار من المركزي (مكان البيع الوحيد السليم)!”.
تصريحات المواطنين هذه تحولت إلى ما يشبه إجماعًا على أن الفتوى ليست سوى غطاء لمعركة اقتصادية ضروس.
النفق المظلم للصرافة الإسلامية المسيّسة: بين فقه المعاملات وتجيير الفتوى
يتذرع أنصار الدار بأن البيان لم يحرم، بل دعا للتوقف المؤقت، وهو تفرقة قد تكون دقيقة في القاعات الفقهية ولكنها تنهار أمام اختبار السوق. عندما تدعو أعلى سلطة إفتائية – حتى لو كانت متنازعًا على شرعيتها – الناس إلى التوقف عن حجز الدولار، فإنها تخلق حالة من الذعر المالي الفوري.
النتيجة العملية الحتمية هي انهيار الطلب الرسمي على الدولار عبر المنصة، وزيادة الضغط على السوق الموازي، وارتفاع سعر الصرف في السوق السوداء، مما يلحق ضررًا مباشرًا بقوت المواطنين وأسعار السلع المستوردة. والأخطر من ذلك، أن هذا التوجيه يفتح الباب أمام المضاربين وتجار الحروب لاستغلال الفوضى.
وهنا يصبح الفارق بين “الاحتياط الفقهي” و”العدوان المالي” شبه معدوم. فالمفتي الذي يعلم أن كلمته تحرك أسواقًا، يتحمل مسؤولية النتائج الاقتصادية لتوجيهاته، خاصة حين يعجز عن إثبات أنه استنفد كل الوسائل للحصول على المعلومات من الجهة المختصة قبل أن يخاطب الجمهور مباشرة بنداء قد يزلزل استقرار العملة الوطنية.
تضارب المصالح المنهجي: عندما تصبح اللجنة الشرعية أداة للتحكم المالي
هنا يجب التشريح العلمي الاقتصادي لبنية تضارب المصالح. وفقًا للبيانات المتاحة، فإن المفتي المعزول الغرياني والتيار التابع له لم يكونوا مجرد جهة مفتية، بل كانوا متحكمين في جزء كبير من البنية التحتية للاقتصاد الإسلامي الموازي في غرب ليبيا.
فقد اخترقوا اللجان الشرعية في المصارف التجارية ومصرف ليبيا المركزي، وأصدروا سابقًا فتاوى أجازت فرض رسوم إضافية على معاملات الدفع الإلكتروني، مما درّ عليهم وعلى شبكاتهم أموالًا طائلة. هذه اللجان، التي يفترض أن تكون رقيبًا محايدًا، تحولت إلى مراكز لجني الأرباح وإضفاء الشرعية على استقطاعات مالية لصالح جماعات محددة.
وعندما جاء نظام المراقبة الجديد ليفرض قيودًا على هذه التدفقات المالية المشبوهة ويطالب بالشفافية، كان رد الفعل الطبيعي من جانب المستفيدين هو محاولة شل حركة المركزي عبر أداة الفتوى التي يمتلكون ناصيتها. إنها لعبة كلاسيكية: استخدام السلطة الدينية لحماية الريع الاقتصادي.
قراءة في أبعاد الحرب النقدية: قيود مكافحة الإرهاب تضرب مراكز النفوذ
منظور تحليل هذه المعركة يقودنا إلى محور أساسي: الإجراءات المصرفية الجديدة لم تأت من فراغ، بل هي نتيجة لضغوط دولية متصاعدة على ليبيا لإغلاق الثغرات المالية التي تستغلها الميليشيات والجماعات المصنفة إرهابية. تشير تقارير غربية إلى أن شبكات معقدة كانت تستخدم حسابات مصرفية وتسهيلات ائتمانية لتمويل أنشطة مسلحة، وكان جزء من تلك الشبكات يمر عبر جهات دينية وشخصيات مرتبطة بدار الإفتاء والكيانات الموالية لها.
فرض رقابة صارمة على توزيع الدولار ومنع الاستفادة من الاعتمادات المستندية دون تدقيق، يعني تجفيف منابع تمويل تلك الكيانات. ومن هذا المنطلق، فإن فتوى التوقف عن حجز الدولار يمكن تفسيرها على أنها هجوم مضاد، ليس فقط لاستعادة الامتيازات المالية، بل أيضًا للحفاظ على شبكات التمويل التي تضررت بفعل الشفافية المفروضة حديثًا. إنها محاولة لجر المصرف المركزي إلى مستنقع عدم الاستقرار وإجباره على تقديم تنازلات تعيد فتح الصنبور المالي.
أصوات من الداخل الفقهي: حتى المدافعون لم يسلموا من النقد
اللافت أن البيان وجد من يدافع عنه في الأوساط الشرعية، حيث حاول بعض الباحثين تبرير موقف الدار بأنها لم تحرم وإنما توقفت احتياطًا، وأنها ملتزمة بقاعدة “العلم بالشيء فرع عن تصوره”. إلا أن هؤلاء المدافعين أنفسهم وقعوا في تناقضات واضحة، إذ اعترفوا أن الدار لا تملك تصورًا كاملًا للإجراءات، ومع ذلك امتدحوا توجيهها للمواطنين بالتوقف، وهو توجيه يُفضي عمليًا إلى تعطيل المعاملة برمتها.
والأدهى أن أحد هؤلاء الباحثين، الذي زُعم أنه عضو في لجنة الرقابة الشرعية بالمصرف المركزي، كتب ردًا مطولًا انتهى فيه إلى أن المعاملة تخلو من شبهة الربا. وهذا يعني أن الجهة الرقابية التابعة للمركزي ترى الجواز، بينما دار الإفتاء المنعزلة عن المركزي تدعو للتوقف.
فبأي المنطقتين يأخذ المواطن؟ الحقيقة أن هذه الفوضى الفقهية مقصودة بذاتها، فهي تصنع حالة من اللايقين تمنح المفتي المعزول سلطة الأمر والنهي بناء على معلومات يختار هو الإفصاح عنها أو حجبها.
الضرر الاقتصادي الفادح: من يدفع ثمن الفتوى؟
على الجانب الاقتصادي، يتساءل خبراء المالية العامة: من المستفيد من دفع الليبيين إلى التوقف عن حجز الدولار عبر القنوات الرسمية؟ المستفيد الأول هو شبكات تجار العملة والمضاربين الذين يعيشون على فرق السعر بين السوق الرسمية والسوق الموازي. عندما تغلق القناة الرسمية أبوابها أو تُربك بسبب الفتوى، تضعف ثقة المواطن في المصرف المركزي ويلجأ إلى السوداء، حيث يرتفع الطلب ويهوي سعر الدينار، فتتعمق أزمة التضخم وتتآكل القدرة الشرائية.
هكذا، وفي غضون أيام معدودة، تتحول الفتوى “الاحتياطية” إلى أداة لتدمير الاستقرار الاقتصادي الهش أصلاً. وهذا يتماهى بدقة مع المصالح المالية لأطراف تبحث عن بيئة مضطربة تتيح لها غسل الأموال دون رقابة، وتداول العملة الصعبة بعيدًا عن أعين الدولة. إنها حلقة مفرغة تُضعف فيها الفتوى الثقة فيعمل السوق الأسود لتنتعش حسابات المستفيدين من الفوضى.
النظام المصرفي تحت الحصار: دروس من فشل الحوار
رفض المصرف المركزي الرد على استفسارات دار الإفتاء لم يكن صمتًا بلا معنى، بل قد يُقرأ كموقف مؤسساتي رافض للخضوع لسلطة موازية. فالمصرف يعمل وفق قانون مصرفي ولوائح داخلية، ولجنته الشرعية هي جهة الاختصاص الوحيدة المخولة بإضفاء المشروعية على معاملاته.
في اللحظة التي تسمح فيها إدارة المركزي بأن تصبح دار الإفتاء طرفًا في حوار فني حول العقود المصرفية، تكون قد فتحت الباب أمام تحويل كل إجراء مالي إلى مادة للجدل السياسي والديني. ولذلك، فإن المركزي، مدعومًا بتشريعات دولية، اختار أن يُفعل آلياته الخاصة ويتجاهل ما يعتبرها استفسارات مسيّسة.
لكن الثمن كان باهظًا: فوضى في سوق الصرف وبلبلة بين المواطنين. الحل يكمن في تعزيز استقلالية القضاء الإداري والمالي، وليس في الرضوخ لفتاوى جهة فقدت شرعيتها الرسمية وتعمل كوكالة توظيف سياسي للفقه.
مستقبل الاقتصاد الليبي بين مطرقة الفتوى وسندان الإرهاب
ما تكشفه قصة فتوى الدولار هو أن ليبيا تواجه خطرًا وجوديًا يتجاوز شح السيولة، ألا وهو تحويل المؤسسات الدينية إلى ميليشيات مالية تبتز الدولة عبر أسلحة الفتوى. مالم تُستكمل عملية تفكيك هذه الشبكات وقطع الطريق أمام استغلال المنابر الدينية لغسل الأموال والسيطرة على مقدرات الليبيين، ستظل كل محاولات الإصلاح النقدي مرهونة بمزاج مفتٍ معزول وحسابات بنكية سرية.
السوق تحتاج إلى يقين، لا إلى غموض مدفوع بملايين الدولارات المجمدة. والمواطن الليبي الذي صمد في وجه الحروب، يستحق مصرفًا مركزيًا محصنًا ضد الابتزاز، وليس دار إفتاء تبحث عن استعادة تسهيلاتها تحت ستار محاربة الربا.



