ليبيا

معركة الرقم الوطني في ليبيا: حين يتحول التزوير إلى قنبلة هوية تهدد الدولة

ليبيا: تصاعد المخاوف من تزوير الأرقام الوطنية وتبعاتها الديمغرافية

ليبيا 24

أزمة الأرقام الوطنية المزورة تهدد التماسك الاجتماعي في ليبيا

انطلاقاً من رحلة رقم وطني واحد، يُختزل مصير دولة بأكملها. ففي ليبيا، حيث تتصارع السلطات القضائية مع إرث ثقيل من الفوضى الإدارية، لم يعد الرقم الوطني مجرد أداة لتحديد الهوية القانونية للفرد، بل تحول إلى ساحة مواجهة صامتة بين مشروع الدولة ومخاطر التفكك الديمغرافي. فبين أدراج مكاتب السجل المدني وأروقة المحاكم، تتكشف فصول أزمة متشعبة تتجاوز مجرد التلاعب بالوثائق، لتمس جوهر الهوية الوطنية والنسيج الاجتماعي نفسه.
إنها قصة 88 ألف رقم وطني غير صحيح، و700 ألف حالة مزورة محتملة، ومخاوف لا تهدأ من أن يكون التفريخ الصامت للأرقام المزورة قد زرع بذور تحول سكاني يصعب احتواؤه.

اكتشاف الصدمة: من انتخابات ملغاة إلى آلاف الأرقام الوهمية

تعود أولى إشارات الزلزال إلى نهاية عام 2021، حين أُعلن عن ضبط 3,829 بطاقة انتخابية مزورة خلال الاستحقاق الانتخابي الذي كان مقرراً آنذاك.
يومها، اعتقد كثيرون أن الأمر لا يتجاوز محاولات محدودة لاختراق العملية السياسية.
لكن ما انكشف لاحقاً في أغسطس 2022 بدد أي أوهام: أعلنت النيابة العامة اكتشاف أكثر من 88 ألف رقم وطني غير صحيح، تبين أن 63,900 منها مجرد أطياف لا وجود لها في منظومة السجل المدني. أرقام وُلدت من العدم، وحملها أشخاص، كثير منهم ليسوا ليبيين، ليحصلوا بموجبها على حقوق المواطنة وخدماتها.

شكل هذا الإعلان صدمة مزدوجة. فهو من جهة كشف عن اختراق عميق للجهاز الإداري للدولة، ومن جهة أخرى نبّه إلى احتمال أن تكون التركيبة السكانية الحقيقية للبلاد قد شهدت تغييرات صامتة وغير منظورة.
أصبح السؤال المؤرق: كم من هؤلاء لا يزال مجهولاً؟ وما حجم التزوير الذي لم يُكتشف بعد في دولة مزقتها الصراعات وعانت من غياب الإحصاءات السكانية الدقيقة طيلة عقد من الزمن؟

أرقام متضاربة وتحقيقات شاقة: 700 ألف مزور أم أقل؟

في غياب رقم رسمي نهائي، تتضارب التقديرات حول العدد الإجمالي للأرقام الوطنية المزورة. من جهته، تحدث عضو لجنة الأمن القومي بمجلس النواب، طلال الميهوب، عن تقديرات تصل إلى نحو 700 ألف رقم وطني مزور، وهو رقم يمثل نحو عُشر سكان ليبيا تقريباً، ويعادل تعداد مدينة كبيرة.
لكن المسؤول بمصلحة الأحوال المدنية، منير الحكيمي، يخفض من سقف التوقعات، مؤكداً أن التحقيقات التي انطلقت منذ عام 2017 لم تنته بعد، وأن لجاناً مختصة أجرت زيارات ميدانية شملت جميع مكاتب السجل المدني في البلاد. ويقول الحكيمي في تصريحات صحفية رصدتها ليبيا 24: “التحقيقات استقصائية للغاية، وهذا ما يفسر بطء الحسم. استرجاع قاعدة بيانات الأرقام الوطنية ليس مهمة سهلة بعد الكم الهائل من وقائع التزوير التي تم رصدها”.

ويتراوح المشهد بين قلق سياسي من أن التقديرات العليا قد تكون أقرب إلى الحقيقة، وحرص إداري على عدم تضخيم الأرقام قبل انتهاء التدقيق الكامل.
لكن ما يجمع عليه الطرفان هو حجم الكارثة المؤسسية: أنظمة سجل مدني اخترقتها شبكات منظمة، وموظفون متورطون، والمئات من الوافدين من جنسيات أفريقية وشرق آسيوية تمكنوا، وفق تصريحات وزير داخلية حكومة الدبيبة منتهية الولاية عماد الطرابلسي في يوليو 2025، من الحصول على أرقام وطنية ليبية.

البعد الاجتماعي: من ورقة مزورة إلى أزمة هوية مجتمعية

قد يبدو تزوير الأوراق الثبوتية جريمة إدارية أو اقتصادية تهدف إلى الاستفادة من الوظائف أو المنح المالية المخصصة للمواطنين. لكن الخطر الأعمق، كما يوضح عضو المجلس الأعلى للقبائل الليبية فرج الفيتوري، يكمن في الوصول إلى الجنسية وجوازات السفر، ومن ثم إلى صميم الهوية المجتمعية.
يقول الفيتوري في تصريحات صحفية رصدتها ليبيا 24: “المسألة لا تتعلق برفض الآخر، بل بالخوف من أن تصبح الهوية القانونية منفصلة عن الامتداد الاجتماعي الحقيقي داخل البلاد”.
ويرى أن التحديد الذي أورده وزير الداخلية بشأن جنسيات المزورين يضع البلاد أمام واقع خطر، حيث تتركز المخاطر في المدن الكبرى التي يطبعها الاختلاط السكاني وتذوب فيها الفوارق.

القلق الذي يعبر عنه الفيتوري يلامس منطقة حساسة في ليبيا، حيث لا تزال البنية الاجتماعية التقليدية تقوم على التعارف العائلي والامتداد القبلي. في الأرياف والبوادي، يصعب على الدخيل الاندماج بسهولة، فالعيون اليقظة تميز الغريب. أما في المدن، حيث العلاقات محدودة ببيئات العمل والجوار الضيقة، يصبح التسلل عبر هوية مزورة أمراً أكثر سهولة.
وهكذا ينشأ خطر مزدوج: تآكل الثقة الاجتماعية بين الأفراد من جهة، وإمكانية أن تؤدي ردود الفعل الشعبية تجاه تفشي التزوير إلى تصاعد الحساسية حيال مسائل الأصول والانتماءات، بما يفضي إلى حالة من الإرباك في النسيج المجتمعي الهش أصلاً.

التحول الديمغرافي: تقنين الواقع الجديد؟

بعيداً عن الحالات الفردية، فإن السيناريو الذي يثير قلق النخب الليبية هو ما يمكن وصفه بـ”تقنين التحول الديمغرافي”. فإذا كانت أعداد الأرقام الوطنية المزورة تفوق قدرة السلطات القضائية والأمنية على الضبط والتطويق، فإن هؤلاء السكان الجدد، الحاملين لوثائق ليبية قانونية شكلاً، سيصبحون جزءاً من نسيج الدولة، لهم حقوق التصويت والتملك والتعليم والصحة، وقد يتجاوز الأمر إلى التمثيل السياسي مستقبلاً.
وفي بلد يمر بمرحلة تحول سياسي معقد، ويستعد للاستحقاقات الانتخابية، يصبح ضبط ديمغرافية الناخبين مسألة سيادية وجودية.

الرقم الوطني هو حجر الزاوية في تنظيم شؤون الفرد القانونية وإثبات شخصيته. لكنه في ليبيا يتجاوز ذلك ليكون المرجع الأساسي في توزيع الثروة عبر الخدمات والمرتبات والدعم الحكومي، مما يجعله هدفاً ثميناً للمتلاعبين. وقد استشرى الفساد الصغير والكبير في هذا القطاع، فأنتج سوقاً سوداء للهوية الليبية، تتراوح بين الرقم الوطني الممنوح مقابل رشوة، وبطاقات انتخابية مزورة تغير نتائج صناديق الاقتراع، وجوازات سفر تمنح حاملها القدرة على الحركة الدولية باسم الدولة الليبية.
إن هذا المنزلق الخطير لا يهدد الأمن القومي فحسب، بل يضرب في العمق فكرة المواطنة القائمة على المساواة القانونية بين أبناء البلد الواحد.

ملاحقات قضائية واعترافات متأخرة

في الأشهر الأخيرة من عام 2025 وبداية العام الجاري، صعدت السلطات القضائية من وتيرة الملاحقات، معلنة ضبط شبكات تزوير في مناطق متفرقة من البلاد، وأعداداً متزايدة من المتورطين، ليصل إجمالي ما ضُبط في بداية العام إلى نحو 1,703 حالات تزوير.
غير أن هذه الأرقام، رغم أهميتها، لا تقدم صورة كاملة عن حجم المشكلة، بقدر ما تشير إلى قمة جبل الجليد. فالمتورطون المضبوطون غالباً هم من صغار الموظفين والوسطاء، أما العقول المدبرة وشبكات النفوذ التي قد تكون سهلت عمليات التزوير على نطاق واسع فلا تزال بعيدة عن يد العدالة، في بلد تعاني مؤسساته من الانقسام السياسي وضعف سيطرة الدولة على مناطق شاسعة.

كما أن الطابع الاستقصائي للتحقيقات، الذي يؤكد عليه الحكيمي، يكشف حقيقة مرة هي أن الدولة نفسها لا تعرف على وجه الدقة عدد سكانها الحقيقيين. فغياب تعداد سكاني منذ عقود، وتقادم قاعدة البيانات، وازدواجية المراكز الإدارية، كلها عوامل خلقت بيئة مواتية للاحتيال المنظم.

المدن الكبرى: بوتقة الاندماج ومصدر الخطر

يعيد التركيز على المدن الكبرى كبؤر أساسية للمشكلة تعريف الأزمة بوصفها ظاهرة حضرية في المقام الأول. في مدن مثل طرابلس وبنغازي ومصراتة، حيث يتعايش الليبيون مع جاليات أجنبية كبيرة، وحيث حركة العمالة الوافدة نشطة منذ عقود، تسهل عملية إذابة الدخيل في النسيج الحضري.
لقد استفاد المزورون من طبيعة الحياة المدينية الحديثة، حيث لا يسأل الجار عن جذور جاره، وحيث تتيح الوظائف الرسمية والمنح المالية غطاءً اجتماعياً فورياً.

ويرى متابعون أن لهذه الظاهرة جذوراً تمتد لسياسات سابقة فتحت أبواب البلاد أمام تدفقات بشرية من دول الجوار الأفريقي دون ضوابط صارمة، ثم جاءت النزاعات المسلحة لتخلق فراغاً أمنياً وإدارياً حوّل مكاتب السجل المدني إلى ثغرات سهلة الاختراق.
والنتيجة تحول ديمغرافي تدريجي قد لا يكون محسوساً في الحياة اليومية، لكنه يصبح صادماً في لحظات التدقيق أو عند محاولة توزيع الموارد على المواطنين المستحقين.

تداعيات تتجاوز الحدود: السمعة والمخاطر الأمنية

لا تقتصر تداعيات أزمة الأرقام المزورة على الداخل الليبي. فجواز السفر الليبي الذي قد يحصل عليه شخص مزور الهوية يصبح وثيقة سفر معترفاً بها دولياً، ما يعرض سمعة البلاد للخطر ويفتح الباب أمام مخاطر أمنية عابرة للقارات.
وبالنسبة لدولة تسعى إلى تثبيت الاستقرار وإعادة الإعمار وجذب الاستثمارات الأجنبية، فإن وجود مئات الآلاف من الهويات المشكوك في أمرها يقوض جهود بناء مؤسسات ذات مصداقية، ويمنح الذرائع للقوى الخارجية للتدخل بحجة ضبط الأمن.

وفي المحافل الدولية، غالباً ما تصنف ليبيا ضمن الدول التي تعاني من ضعف في إدارة الحدود وتسجيل السكان. هذا التصنيف ليس مجرد تقييم تقني، بل ينعكس مباشرة على قدرة البلاد على الحصول على دعم فني ومالي لإصلاح الأحوال المدنية، ويدخلها في دوامة مفرغة: فكلما تعاظمت المشكلة، ازدادت الحاجة إلى المساعدة الخارجية، وكلما ازداد التدخل الخارجي، تعقدت المسائل السيادية المرتبطة بالهوية والمواطنة.

بين الحلول الترقيعية والإصلاح الجذري

في مواجهة هذه الأزمة، تبدو الحلول المطروحة بطيئة ومحفوفة بالعراقيل السياسية. فمن ناحية، هناك جهود قضائية وأمنية لملاحقة المزورين، لكنها تظل ذات أثر محدود ما لم تقترن بإصلاح شامل لمنظومة السجل المدني.
ومن ناحية أخرى، تدعو أصوات قبلية وسياسية إلى إجراء تعداد سكاني عام يشكل قاعدة بيانات لا تقبل الجدل. غير أن إجراء تعداد في بلد منقسم، تسيطر فيه الميليشيات على أجزاء من الجغرافيا والسكان، يطرح صعوبات هائلة، بل قد يتحول إلى أداة صراع سياسي جديدة إذا ما حاول كل طرف استخدامه لإثبات كتلة ديمغرافية متفوقة.

ثم هناك سؤال العدالة الانتقالية: كيف يمكن التعامل مع الأشخاص الذين حصلوا على أرقام وطنية وجنسية ثمينة عبر التزوير، بينما يقيم بعضهم في البلاد منذ سنوات، وأنجبوا أطفالاً، وأصبحوا جزءاً من النسيج الاقتصادي والاجتماعي؟ إن سحب الجنسية منهم أو إلغاء أرقامهم الوطنية على نحو جماعي من شأنه أن يخلق فئة من عديمي الجنسية داخل ليبيا، وهي معضلة إنسانية وقانونية تختبر مدى استعداد الدولة لتحمل تبعات أخطائها الإدارية.

هوية على المحك

إن معركة الرقم الوطني في ليبيا ليست مجرد قضية جنائية أو أزمة بيانات. إنها معركة حول من يحق له أن يكون ليبياً، ومن يقرر ذلك، ومن يراقب حدوده. هي معركة تختبر قدرة الدولة على بسط سيادتها ليس على الأرض والحدود فحسب، بل على الهوية نفسها.
وبين تحقيقات لا تنتهي، وأرقام متضاربة، ومخاوف شعبية من الذوبان الديمغرافي، تقف ليبيا على حافة منعطف تاريخي: فإما أن تنجح في استعادة السيطرة على نسيجها السكاني عبر إصلاحات مؤسسية عميقة، وإما أن تشهد تحولات قد تعيد رسم ملامح المجتمع والدولة لعقود قادمة. وفي الميزان، لا يوجد ما هو أقل من فكرة الوطن ذاته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى