الحكومة الليبية تضع أسس مرحلة اقتصادية جديدة.. توحيد الإنفاق في بين ضرورة الإصلاح واختبار التنفيذ
الحكومة الليبية تدفع نحو توحيد القرار المالي كمدخل رئيسي لدعم التنمية الاقتصادية
ليبيا 24 – محمد الشاعر:
خطوة نحو كسر الانقسام المالي
يمثل إعلان الحكومة الليبية الشروع في تنفيذ اتفاق توحيد الإنفاق العام للعام المالي 2026 تحولًا لافتًا في مسار الإصلاح، في ظل واقع اقتصادي تأثر لسنوات بالانقسام المؤسسي وتعدد مراكز القرار المالي.
ويعكس هذا التوجه محاولة جادة لإعادة ضبط إدارة الموارد العامة على أسس أكثر تماسكًا، بما يعزز الاستقرار ويحد من الفوضى المالية التي أثرت على كفاءة الإنفاق.
توافق سياسي يمنح الزخم
يكتسب الاتفاق أهميته من كونه جاء بتوافق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة وبرعاية مصرف ليبيا المركزي، ما يمنحه بعدًا سياسيًا يتجاوز الطابع الفني.
هذا التوافق، وإن كان لا يلغي الخلافات القائمة، إلا أنه يشير إلى إدراك مشترك بضرورة إعادة تنظيم الإنفاق العام وضمان توزيعه بشكل أكثر عدالة بين مختلف مناطق البلاد.
من الاتفاق إلى التنفيذ: اختبار الواقعية
انتقال الحكومة من مرحلة التوافق إلى التطبيق العملي يُعد خطوة حاسمة، حيث تم اعتماد آلية الصرف وفق قاعدة لضمان استمرارية الإنفاق في ظل غياب ميزانية موحدة.
ورغم أن هذه الآلية مؤقتة بطبيعتها، فإنها تعكس توجهاً عملياً لتفادي أي شلل مالي قد يؤثر على الخدمات العامة أو يفاقم التحديات الاقتصادية.
هيكل الإنفاق: محاولة لضبط الأولويات
اعتماد أبواب الميزانية الأربعة الأجور والنفقات التسييرية والتنمية والدعم يشير إلى سعي للحفاظ على توازن نسبي في توزيع الموارد، مع عدم إغفال القطاعات الحيوية.
كما أن إشراف مصرف ليبيا المركزي على عملية الصرف من المفترض أن يضيف بعدًا رقابيًا يعزز الانضباط المالي، ويحد من التجاوزات، ويرفع مستوى الثقة في إدارة المال العام.
تحديات التنفيذ: بين السياسة والإدارة
رغم أهمية الخطوة، يظل التنفيذ الفعلي مرهونًا بقدرة المؤسسات على تجاوز العقبات السياسية والإدارية. فاحتمالات التعطيل أو الخلافات بين الأطراف لا تزال قائمة، خاصة في ظل بيئة سياسية معقدة.
ويعكس تحذير الحكومة من محاولات العرقلة إدراكًا مسبقًا لهذه التحديات، لكنه في الوقت ذاته يضعها أمام مسؤولية ضمان الشفافية والحياد في التطبيق.
الأثر الاقتصادي المتوقع
إذا ما تم تنفيذ الاتفاق بكفاءة، فقد يسهم في تحسين كفاءة الإنفاق العام وتقليل الهدر، إلى جانب دعم استقرار سعر الصرف وتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني.
كما يمكن أن ينعكس إيجابًا على مستوى الخدمات العامة، خاصة في القطاعات الحيوية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية.
آفاق الإصلاح: بداية مسار أطول
لا يُنظر إلى توحيد الإنفاق كحل نهائي، بل كبداية لمسار إصلاحي أوسع يستهدف إعادة بناء منظومة الإدارة المالية على أسس حديثة تقوم على الحوكمة والمساءلة، ويتطلب ذلك تطوير أدوات الرقابة، وتعزيز الشفافية، وربط الإنفاق بالأداء الفعلي للمؤسسات.
اختبار الدولة الحقيقي
في المحصلة، يمثل توحيد الإنفاق العام خطوة ضرورية في الاتجاه الصحيح، لكنه اختبار حقيقي للقدرة على تحويل التوافقات إلى نتائج ملموسة.
فنجاح هذا المسار لن يُقاس بالإعلان عنه، بل بمدى استمراريته وفاعليته في تحقيق استقرار مالي حقيقي يخدم جميع الليبيين، ويؤسس لمرحلة جديدة من الإدارة الرشيدة للموارد.



