ليبيا

المرتبات تلتهم الدولة.. غيث يرسم خارطة طريق لمحاصرة الفساد قبل فوات الأوان

امراجع غيث يدق ناقوس الخطر: جداول الرواتب الخاصة تنذر باحتجاجات عارمة


ليبيا 24

تحذير من الانهيار: فوضى المرتبات في ليبيا تبتلع 12 مليار دولار سنوياً

في تحذير يكتسب ثقله من عمق الدواليب المالية للدولة الليبية، فجّر عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي السابق، أمراجع غيث، قنبلة من الحقائق والأرقام عبر منشور على موقع التواصل الاجتماعي، كاشفاً أن فاتورة المرتبات وحدها باتت تتطلب ما يقارب 12 مليار دولار من عائدات النفط سنوياً. هذا الرقم الصادم لا يمثل مجرد بند في موازنة مترهلة، بل هو عرض مرَضي لهيكل دولة باتت أسيرة لفوضى تشريعية وإدارية تهدد بابتلاع كامل إيراداتها قبل أن تمس مشاريع التنمية أو الخدمات الأساسية.

لم يكن تحليل غيث، مجرد توصيف لأزمة رقمية عابرة، بل كان أشبه بدراسة متكاملة في الاقتصاد السياسي للانهيار المؤسسي، راسماً خطاً بيانياً يربط بين تضخم الأجور غير المنضبط، وتفشي الفساد، واحتمالية الانفجار الاجتماعي في المستقبل المنظور. في مقاربته التي تمزج بين التحليل المالي العميق والرؤية الإصلاحية الجريئة، يضع غيث النخبة السياسية أمام مرآة الواقع، متسائلاً إن كانت ليبيا تُدار وكأنها أرض مستأجرة يُعبث بها على أن يتم تسليمها خراباً.

تشريح الأزمة: عندما تصبح المرتبات قنبلة اجتماعية موقوتة

يكمن جوهر التحذير في البنية المشوهة لسوق العمل الحكومي. فبدلاً من توحيد الأجور وفق معايير الكفاءة وطبيعة العمل، نشأت ما يمكن تسميته بـ”جداول النخبة” أو الجداول الخاصة. وهي أنظمة استثنائية تمنح موظفي جهات معينة، غالباً ما تكون تابعة لمجلس النواب أو لمراكز نفوذ متنفذة، امتيازات مالية تفوق بأضعاف ما يتقاضاه نظراؤهم في الجهات الخدمية الحيوية كالصحة والتعليم.

هذا التفاوت الصارخ ليس مجرد خلل محاسبي، بل هو في صميمه قنبلة اجتماعية موقوتة. يطرح غيث سؤالاً استشرافياً بمنطق المحلل المالي الذي يقرأ الميزانيات كما تُقرأ خرائط المخاطر: ماذا سيحدث لو استقرت البلاد؟ في تلك اللحظة، لن يقبل المواطن الذي يئن تحت وطأة التضخم بينما يتقاضى راتباً هزيلاً في قطاع حيوي، أن يظل زميل له في كيان سياسي مُستحدث يتقاضى أضعاف ذلك الراتب دون مبرر موضوعي.
الاحتجاجات التي قد تندلع آنذاك لن تكون فقط للمطالبة بالمساواة، بل قد تكون احتجاجات ضد عجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها المالية الضخمة أصلاً. فالفجوة بين فاتورة رواتب “منفَلتة وغير منضبطة” وبين الإيرادات العامة ستتحول إلى مأزق سيادي يهدد القدرة على دفع المرتبات من الأساس، مما قد يدفع الدولة إلى حافة العجز المالي الكامل.

اقتصاد الظل الحكومي: آليات خلق الأزمة

للتدليل على تفاقم المشكلة بشكل غير مفهوم، يطالب غيث بكشف إحصائية بسيطة لكنها عميقة الدلالة: مقارنة عدد الموظفين في الأجهزة التي استفادت من الجداول الخاصة، قبل وبعد إقرار تلك الجداول.
هذه المقارنة ستكشف بجلاء عن “سيل عارم من طلبات الانتقال” إلى تلك الجهات، وهو انتقال لا يعكس حاجة وظيفية حقيقية بقدر ما يمثل هجرة داخلية نحو الريع الأعلى أجراً. هذا السلوك يحول الجهات ذات الامتيازات المالية إلى مغناطيس للمحسوبية والوساطة، ويُفرغ الوزارات الخدمية من الكفاءات، ويدمر مبدأ العدالة الوظيفية في جوهره.
وقد أشار غيث تحديداً إلى أن كل جهة تتبع مجلس النواب باتت تمتلك جدولاً خاصاً يختلف عن “عباد الله” في بقية مؤسسات الدولة، في إشارة إلى نشوء نظام طبقي وظيفي مدعوم تشريعياً.

وصفة الإصلاح المؤسسي: من اللجان المؤقتة إلى الحوكمة الرقمية

ينتقل غيث من دائرة التشخيص إلى اقتراح آليات تنفيذية دقيقة لمحاربة الفساد، مؤكداً أن المشكلة ليست في القناعة بضرورة المحاربة، بل في الكيفية. وخلاصة رؤيته أن الدول الناجحة لم تحارب الفساد عبر تشكيل اللجان، بل عبر تغيير “بنية النظام المالي والإداري” ذاته. ويقدم روشتة إصلاحية من أربعة محاور رئيسية:

أولاً، مركزة الخزينة العامة، حيث يفضح استحالة الرقابة على آلاف الوحدات الإدارية التي تدفع رواتبها من حساباتها الذاتية، مقترحاً حصر الصرف عبر عشر خزائن فقط، بعدد المحافظات، بالإضافة إلى وزارة المالية. هذا الإجراء ليس تقنياً فحسب، بل هو ثورة في الحوكمة المالية تمكن الدولة من تعقب كل دينار يُصرف وتقليم أظافر الإنفاق الموازي.

ثانياً، مركزة المشتريات وسلاسل الإمداد، وضرب مثالاً عملياً بسلعة بسيطة مثل القرطاسية والكتاب المدرسي. يتساءل غيث عن الحكمة من السماح لكل مراقبة تعليم بطباعة المناهج بشكل منفرد، وما يفتحه ذلك من أبواب للهدر والاختلاس، داعياً إلى نموذج الشراء المركزي والتخزين الاستراتيجي والتوزيع وفق الحاجة الفعلية.

ثالثاً، فصل الوزارات عن التعاقدات الإنشائية، وهنا يصل غيث إلى جوهر الفساد الكبير. برؤية اقتصادية بحتة، يطرح سؤالاً جوهرياً: ما علاقة وزارة الصحة بمقاولات بناء المستشفيات؟ ويجيب بأن دور الوزارة يقتصر على تقديم الخدمة الصحية بعد استلام المبنى، بينما تتولى جهة هندسية متخصصة مسؤولية التعاقد والبناء. هذا الفصل المنطقي يقطع الطريق على تحول الوزراء إلى مقاولين، ويغلق المنبع الرئيسي لنهب المال العام عبر عقود الإنشاء المتضخمة.

رابعاً، فصل التعيين عن الجهات المستفيدة، وهذا هو الإصلاح الأكثر استهدافاً لعصب الفساد الإداري. لوقف التوظيف الوهمي وتضخيم الرواتب، يشدد غيث على أن الجهات ليست مخولة بالتوظيف المباشر، بل عليها تقديم طلبات احتياجاتها لوزارة الخدمة المدنية، التي تقوم بدور الحارس الأمين عبر دراسة الطلب مقابل الملاك الوظيفي المعتمد والموازنة المخصصة.

ما وراء الأرقام: الصراع على الريع والعبث بالمستقبل

ما يطرحه أمراجع غيث يتجاوز البعد التقني ليمسك بأعصاب الاقتصاد السياسي الليبي. فالفوضى الحالية في المرتبات والجداول الخاصة ليست نتيجة سوء إدارة عارض، بل هي انعكاس مباشر لصراع النخب على كعكة الريع النفطي. كل جهة تسعى إلى تأمين ولاء موظفيها عبر شرائه بامتيازات مالية، وتُمرر ذلك تحت يافطة الحاجة إلى “جداول خاصة”.
هذا السلوك يُنتج اقتصاداً طفيلياً يعتمد على الاستيلاء على دخل النفط قبل وصوله إلى خزينة الدولة الموحدة، ويُنتج في الوقت نفسه حالة من السخط الشعبي العميق.

الاستعارة البلاغية التي اختتم بها غيث تحليله، نقلاً عن ذلك الإيطالي الذي تساءل “هل أنتم مستأجرين هذه الأرض تدمرونها وستغادرون بعد انتهاء عقد الإيجار؟”، ليست مجرد صرخة أخلاقية، بل هي خلاصة تحليل سياسي عميق. فمن يدمر الهيكل المالي للدولة اليوم، ويُفلس الخزينة العامة، ويورث الأجيال القادمة ديوناً والتزامات لا يمكن الوفاء بها، إنما يتصرف بعقلية المستأجر المؤقت الذي ينهب الأرض ويسلمها بوراً. في المقابل، يطرح غيث إرث “الأجداد الذين تركوا مزارع ومنازل”، كمقابل موضوعي لفلسفة الدولة المستدامة التي تعمر لقرون.

في المحصلة، رسالة غيث هي شهادة وفاة معلقة لنموذج الحكم القائم على شراء الولاءات بالمال العام. وهي دعوة عاجلة، تستند إلى منطق تحليل الميزانيات العمومية، وبراغماتية فهم صراعات النخب، ودقة في وصف الحلول الإجرائية. السؤال الذي يبقى معلقاً هو: هل من يمتلك مفاتيح الخزائن اليوم على استعداد للإصغاء لصوت العقل المالي قبل أن تبتلع فاتورة المرتبات الدولة بأكملها، وقبل أن تُستبدل الاحتجاجات المالية في الغد بعواصف اجتماعية لا تبقي ولا تذر؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى