إعلام تونسي خاص يوظف الإساءة لليبيين مادة للترند.. تصريحات مستفزة تهدد النسيج الاجتماعي بين الشعبين الشقيقين
حين يتحول الجوار إلى مادة للإثارة: إعلام يهدد النسيج الليبي التونسي
ليبيا 24:
عندما يصبح البث العابر للحدود أداة للفرقة
في مشهد إعلامي متكرر، يطل أحد مقدمي البرامج في قناة تونسية خاصة، ليعيد طرح الأسئلة ذاتها، وليطلق التصريحات نفسها التي تستهدف شرائح من المجتمع الليبي، متخذاً من بعض التجاوزات الفردية مادة دسمة للحديث، وكأنه بصدد كشف حقائق كبرى تهدد الأمن القومي، في حين أن ما يعرضه ليس سوى صور نمطية مبتذلة، يعرف كل متابع لتاريخ المنطقة أنها لا تمثل بأي حال من الأحوال حقيقة الشعب الليبي، ولا تعكس قيمه المتجذرة في الكرم والنخوة وحسن الجوار.
إن ما يحدث ليس مجرد زلة لسان عابرة، أو حلقة نقاش في برنامج حواري، بل هو جزء من ظاهرة أوسع، تتغذى على خلطة سامة من البحث عن المشاهدات، وتغذية الأحكام المسبقة، واستغلال التوترات الاجتماعية الكامنة.
وعندما يتكرر هذا النمط من محتوى إعلامي، يصبح من الضروري التوقف عنده، ليس من باب رد الفعل الغاضب، بل من منطلق تحليل أبعاده، وفهم دوافعه، وتفكيك آثاره على علاقات شعبين تربطهما أواصر التاريخ والدم والمصير المشترك.
هذا المقال لا يستهدف شخصاً بعينه، ولا يسعى إلى الدخول في سجال مع قناة أو برنامج، بقدر ما يهدف إلى قراءة متعمقة لظاهرة إعلامية خطيرة، من منظور يدافع عن كرامة الشعب الليبي، ويحمي العلاقات الأخوية مع الشعب التونسي الشقيق، ويفضح الممارسات التي تسيء إلى المهنة الإعلامية في البلدين معاً.
تشريح الخطاب – تفكيك أدوات الإساءة المقنعة
البنية المتكررة للاستهداف
بالعودة إلى حلقات البرنامج المذاع على إحدى القنوات التونسية الخاصة، يمكن رصد نمط متكرر في طريقة تناول الشأن الليبي.
يبدأ مقدم البرنامج عادة بطرح أسئلة توحي بالبراءة، سرعان ما تتحول إلى اتهامات مبطنّة.
يتعلق الأمر بتصرفات بعض الليبيين في أماكن السهر، أو احتفالات أعياد الميلاد، أو ما شابه ذلك من مناسبات اجتماعية ثم ينتقل البرنامج إلى تعميمات فضفاضة، تخلط بين سلوك فردي محدود وسمعة شعب بأكمله.
ما يغيب عن هذا الطرح هو السياق الموضوعي: هذه الفئة التي يجري الحديث عنها هي مجموعة صغيرة خارجة عن القانون، توجد في أماكن محددة لا تمثل المجتمع الليبي، ولا يفتخر أي ليبي بالمرور أمامها، وفق تعبير المعلقين على هذه القضايا.
والأهم من ذلك، أن هذه الظواهر موجودة في كل دول العالم دون استثناء، وهي ليست حكراً على ليبيا أو الليبيين. لكن الإعلام المذكور يتعامل معها وكأنها اكتشاف مذهل، أو خصوصية ليبية فريدة، في قلب واضح للحقائق.
لغة الاستفزاز المقصود
لا يتوقف الأمر عند المحتوى، بل يمتد إلى أسلوب الطرح ويكشف عن عقلية استفزازية مقصودة. فمقدم البرنامج لا يناقش قضية اجتماعية بهدف المعالجة، بل يعلن صراحة أنه يختار أسلوب الهجوم بدلاً من بناء الجسور.
هذا النوع من الخطاب يتجاوز حدود النقد المشروع إلى منطقة الابتذال المتعمد، إنه خطاب لا يهدف إلى الإصلاح أو التنبيه، بل إلى خلق حالة من الجدل المفتعل، واستدراج ردود فعل غاضبة من الجانب الليبي، لاستثمارها في تعزيز نسب المشاهدة والتفاعل على منصات التواصل الاجتماعي.
إنها مقامرة رخيصة على حساب العلاقات بين بلدين جارين، وتضحية بالاستقرار الاجتماعي في سبيل أرقام آنية على شاشات البث.
الاقتصاد السياسي للإثارة – من يدفع الثمن؟
المشاهدات عملة رائجة على حساب العلاقات
في عصر تتنافس فيه القنوات التلفزيونية والمنصات الرقمية على جذب انتباه الجمهور، أصبحت المشاهدات والتفاعلات عملة رائجة، يدفع ثمنها أحياناً النسيج الاجتماعي للعلاقات بين الشعوب.
لقد فهم بعض الإعلاميين هذه المعادلة جيداً، فأصبحوا يتعمدون إثارة الجدل حول قضايا حساسة، ويلعبون على وتر الانتماءات والهويات، لضمان بقائهم في دائرة الضوء.
المعادلة بسيطة: تصريح مستفز ضد الليبيين يولد موجة غضب في ليبيا، تنتقل إلى منصات التواصل الاجتماعي، فتتحول إلى ترند، فيجني صاحب التصريح مكاسب مضاعفة.
المشاهدون في تونس يتفاعلون، والمتابعون في ليبيا يتابعون للرد، وخوارزميات المنصات ترفع المحتوى إلى مزيد من الجماهير، وهكذا تدور الدائرة.
إنها عملية أشبه بغسيل أموال أخلاقي، يُستثمر فيها رأس المال الاجتماعي للبلدين في مشاريع ربحية فردية مشبوهة.
من المستفيد الحقيقي؟
في هذه المعادلة، لا يستفيد أحد سوى مقدم البرنامج وقناته. الشعب التونسي لا يستفيد، بل يتضرر من تشويه صورته عبر ربطه بخطاب كراهية لا يمثله.
الشعب الليبي يتعرض لإساءة متكررة تمس كرامته. العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين البلدين تتوتر. وحتى المشاهد العادي يخسر وقته ومشاعره في متابعة محتوى لا قيمة له.
أما المستفيد الأكبر، فهو ذلك الإعلامي الذي نجح في تحويل قناة تلفزيونية إلى منصة للتحريش، وفي تحويل العلاقات الأخوية إلى وقود للإثارة.
إنه نموذج للإعلام الطفيلي الذي يعيش على جروح الآخرين، ويبني شهرته على أنقاض الجسور التي بناها الأجداد عبر قرون من التآخي والتجاور.
عمق التاريخ المشترك – ما يهدده الإعلام المستفز
إرث من الدم والمصاهرة والجوار
العلاقات الليبية التونسية ليست علاقات دبلوماسية باردة بين دولتين، بل هي شرايين حية من الدم المشترك والمصاهرة والجوار.
على امتداد قرون طويلة، امتزجت العائلات، وتقاسمت القبائل المراعي والموارد، وتنقل التجار والعلماء والشعراء بين طرابلس وتونس كما يتنقل المرء بين غرف بيته.
في السراء والضراء، كان البلدان سنداً لبعضهما. في زمن الاستعمار، احتضنت تونس المناضلين الليبيين، واحتضنت ليبيا التونسيين الباحثين عن العمل والرزق.
في أزمنة الشدة، فتحت البيوت الليبية أبوابها للتونسيين دون مقابل، وفتحت البيوت التونسية أبوابها لليبيين دون سؤال.
هذه ليست شعارات للاستهلاك الإعلامي، بل هي حقائق يعرفها كل من عاش في البلدين، ويتناقلها كبار السن للأجيال الجديدة.
عندما يهدد الإعلام ذاكرة الأمة
عندما يخرج إعلامي في قناة خاصة ليبث خطاباً يزرع الضغينة بين الشعبين، فهو لا يسيء إلى جيل واحد، بل يهدد ذاكرة جمعية ممتدة عبر العصور.
إنه يحاول أن يكتب فوق سجل العلاقات المشتركة عنواناً جديداً من الكراهية، متجاهلاً آلاف الصفحات المليئة بالود والتآزر.
الأخطر من ذلك، أن هذا الخطاب يزرع بذور الشك في عقول الأجيال الصاعدة، الشباب الليبي الذي لم يعش تجربة العلاقات العميقة مع تونس، قد يكوّن انطباعاً سلبياً بناءً على هذه المحتويات المسيئة.
والشباب التونسي الذي لم يزر ليبيا قد يصدق الصور النمطية التي تروج لها هذه البرامج. وهكذا، يتم تسميم المستقبل باسم حرية التعبير، وتدمير الإرث التاريخي تحت شعار البحث عن الحقيقة.
الأخلاق المهنية بين الغياب والانتهاك
مواثيق الشرف الإعلامي
لكل مهنة أخلاقياتها، وللإعلام مواثيق شرف تحكم ممارساته. من أبرز هذه المبادئ: الالتزام بالصدق والدقة، واحترام كرامة الأشخاص والشعوب، وعدم التحريض على الكراهية، والتمييز بين النقد الموضوعي والتجريح الشخصي.
عندما نفحص محتوى البرنامج المذكور في ضوء هذه المعايير، نجد أنفسنا أمام حالة من السقوط المهني المدوي.
فالتعميم على شعب بأكمله بناءً على سلوكيات فردية هو انتهاك صارخ لأبسط قواعد المهنة. وتصوير الليبيين بصورة نمطية مسيئة هو تحريض ضمني على الكراهية. والإصرار على هذا النهج رغم الانتقادات المتكررة هو تحدٍ سافر للضمير المهني.
المعايير المزدوجة في النقد
ما يزيد الطين بلة هو المعايير المزدوجة التي يطبقها هذا النوع من الإعلاميين. فعندما تحدث تجاوزات في بلدان أخرى، يتم التعامل معها باعتبارها حوادث معزولة لا تعكس صورة المجتمع.
أما عندما يتعلق الأمر بليبيا، فتصبح التجاوزات الفردية دليلاً على “خلل مجتمعي” يستحق حلقات متكررة من النقاش.
هذه الازدواجية في المعايير ليست بريئة، بل هي انحياز مقصود يخدم أجندة الإثارة فلو تم تطبيق المعايير نفسها على جميع المجتمعات، لوجدنا أن ليبيا أقل كثيراً من غيرها في هذه الظواهر، وأن الشعب الليبي يتمتع بمستوى عالٍ من التماسك الاجتماعي والأخلاقي. لكن الحقيقة لا تخدم أهداف الإثارة، ولذلك يتم تجاهلها بشكل ممنهج.
القسم الخامس: الرد الليبي – بين النخوة وضبط النفس
“لو أردنا الرد لفعلنا”
في تصريح مثير للتأمل، قال الإعلامي الليبي عطية باني تعليقاً على هذه الممارسات: “نحن كإعلاميين نعرف هذه الحركات والبروباغندا، وبإمكاننا أن نستضيف ليبيين ونتفق معهم للحديث عن بعض التونسيين… لو أردنا فعله لفعلنا، لكن أخلاقنا لا تسمح لنا”.
هذا التصريح، رغم بساطته، يعكس موقفاً أخلاقياً متقدماً. إنه يقول بوضوح: نحن قادرون على الرد بالمثل، ولدينا الأدوات نفسها، ونعرف أساليب اللعبة الإعلامية جيداً.
لكننا نختار طواعية ألا ننحدر إلى هذا المستوى، احتراماً للشعب التونسي الشقيق، وحفاظاً على علاقات الجوار، وتمسكاً بالقيم التي تربينا عليها.
هذا الموقف ليس ضعفاً، بل هو قوة أخلاقية. إنه يعبر عن نضج في التعامل مع الاستفزازات، ووعي بأن الرد بالمثل لن يؤدي إلا إلى دوامة لا تنتهي من التراشق الإعلامي، لن يستفيد منها سوى مثيري الفتن في الجانبين.
الغضب الشعبي الليبي بين المشروعية والانضباط
لا يمكن إغفال الغضب الشعبي الليبي إزاء هذه التصريحات المسيئة. فعلى منصات التواصل الاجتماعي، عبر مئات المعلقين الليبيين عن استيائهم البالغ، ووصفوا هذه الممارسات بأنها “حاقدة”، و”مدفوعة”، و”غير أخلاقية”.
لكن اللافت للنظر أن هذا الغضب ظل في معظمه منضبطاً، ولم ينزلق إلى التعميم على الشعب التونسي.
فعبارات من قبيل: “الشعب التونسي شعب طيب وأسلوبه طيب لكن القلة من الإعلاميين تحاول تشويش العلاقات”، و”هذا الشخص لا يمثل الشعب التونسي ولا الإعلام التونسي المحترم”، تعكس وعياً عميقاً بالتمييز بين الشعب والإعلام المستفز، وبين تونس كحضارة وتاريخ وشعب كريم، وبين فرد أو قناة تبحث عن الشهرة على حساب العلاقات الأخوية.
هذا النضج في ردود الفعل الشعبية هو أكبر رد على الإعلام المستفز، لأنه يحرمه من الهدف الذي يسعى إليه: استدراج الليبيين إلى ردود فعل عنيفة تعمم الإساءة على كل التونسيين، فيتمكن هو من القول: “أرأيتم؟ لقد قلنا لكم إنهم يضمرون العداء لتونس”، لكن الليبيين، بحكمتهم الفطرية، قطعوا الطريق على هذه اللعبة القذرة.
من يدفع ثمن الكراهية؟ تداعيات اقتصادية واجتماعية
العلاقات الاقتصادية في مرمى النيران
العلاقات الليبية التونسية ليست علاقات عاطفية فحسب، بل هي علاقات اقتصادية متشابكة ومعقدة، فليبيا هي أحد أهم الشركاء التجاريين لتونس، وآلاف التونسيين يعملون في السوق الليبية، وآلاف الليبيين يستثمرون في تونس أو يتلقون العلاج في مستشفياتها أو يقضون عطلاتهم في مدنها الساحلية.
عندما يبث إعلامي خطاباً كراهياً ضد الليبيين، فهو لا يسيء إلى مشاعرهم فحسب، بل يهدد هذه الشبكة الاقتصادية الحيوية.
فالمستثمر الليبي الذي يشعر بالإهانة قد يعيد النظر في استثماراته. والسائح الليبي الذي يتابع هذا الخطاب قد يقرر تغيير وجهته.
والمريض الليبي قد يختار بلداً آخر للعلاج. إنها خسائر اقتصادية ملموسة تترتب على كلمات طائشة في برنامج تلفزيوني، يدفع ثمنها في النهاية مواطنون بسطاء في تونس لا علاقة لهم بهذا الخطاب ولا يمثلهم.
الأمن المجتمعي في البلدين
الأخطر من ذلك هو تأثير هذا الخطاب على الأمن المجتمعي في البلدين فالمجتمعات التي تعيش فيها جاليات من الجنسيات الأخرى تكون عرضة للاحتقان إذا ما تم التحريض عليها إعلامياً.
والعمال التونسيون في ليبيا، والجالية الليبية في تونس، كلهم يصبحون رهائن لخطاب الكراهية الذي يبثه إعلاميون يلهثون وراء المشاهدات.
إنها مسؤولية جسيمة تقع على عاتق كل من يملك منبراً إعلامياً. فالكلمة قد تكون مثل الرصاصة، إذا انطلقت لا يمكن استعادتها، وقد تصيب أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم ينتمون إلى جنسية معينة.
مقاربات دولية – كيف تعامل العالم مع إعلام الكراهية؟
تجارب عالمية في مكافحة خطاب الكراهية الإعلامي
لم تكن العلاقات الليبية التونسية هي الأولى التي تتعرض لتهديد من إعلام الكراهية. ففي تجارب دولية عديدة، واجهت شعوب متجاورة تحديات مماثلة، وطورت آليات للتعامل معها.
في أوروبا، تم وضع تشريعات صارمة تجرم خطاب الكراهية في وسائل الإعلام، وتعاقب القنوات التي تبث محتوى يحرض على الكراهية ضد جنسيات أو أعراق معينة.
وفي أفريقيا، تم إنشاء مجالس إعلامية مشتركة بين الدول المتجاورة لمراقبة الخطاب الإعلامي وضمان عدم تجاوزه الحدود المهنية.
وفي آسيا، تم تطوير مدونات سلوك طوعية تلتزم بها القنوات الخاصة في تناولها للعلاقات مع دول الجوار.
هذه التجارب تقدم دروساً مهمة للحالة الليبية التونسية. فالمشكلة ليست فريدة، والحلول موجودة، والمطلوب فقط هو الإرادة السياسية والمجتمعية لتفعيلها.
عندما يتدخل العقلاء
في الحالة التونسية نفسها، هناك أصوات عاقلة رفضت هذا الخطاب وأدانته. فهناك إعلاميون تونسيون محترمون عبروا عن استيائهم من هذه الممارسات التي تسيء إلى سمعة الإعلام التونسي قبل أن تسيء إلى الليبيين.
وهناك مثقفون ونشطاء تونسيون رفضوا أن يتم اختزال علاقاتهم مع ليبيا في بضع حلقات من برنامج مثير للجدل.
إن هؤلاء العقلاء هم خط الدفاع الأول عن العلاقات الليبية التونسية، وهم الحصن الذي يمنع انهيار الجسور بين الشعبين ودعم هؤلاء، وإبراز أصواتهم، هو أحد أهم سبل مواجهة إعلام الكراهية.
نحو استراتيجية مواجهة – توصيات ومقترحات
على المستوى الإعلامي: تعزيز الإعلام الهادف
لمواجهة هذه الظاهرة، لا بد من استراتيجية إعلامية مضادة، تقوم على إنتاج محتوى إعلامي هادف يبرز عمق العلاقات الليبية التونسية، ويكشف زيف الادعاءات التي تروج لها برامج الإثارة.
يمكن للإعلاميين الليبيين والتونسيين الشرفاء إطلاق برامج مشتركة، تبث على قنوات البلدين، تسلط الضوء على قصص النجاح في التعاون بين الشعبين، وعلى تاريخ العلاقات المشتركة، وعلى نماذج التآخي في السراء والضراء.
هذا النوع من الإعلام ليس مجرد رد فعل، بل هو بناء استباقي لجدار منيع ضد خطاب الكراهية.
على المستوى الشعبي: حملات توعية وتواصل
لا يقل دور المجتمع المدني أهمية عن دور الإعلام فتنظيم لقاءات شبابية ليبية تونسية، وإطلاق حملات توعية على منصات التواصل الاجتماعي، وتشجيع التبادل الثقافي والرياضي بين البلدين، كلها أنشطة تعزز مناعة المجتمع ضد خطاب الكراهية.
إن الشباب الليبي والتونسي هم المستهدف الرئيسي من هذا الخطاب، وهم أيضاً الأمل في تجاوزه.
فعندما يلتقي الشباب من البلدين في أنشطة مشتركة، ويكتشفون قيمهم المشتركة، ويتشاركون الأحلام والتطلعات، يصبح من الصعب على إعلام الكراهية أن يجد أرضاً خصبة بينهم.
على المستوى الرسمي: تفعيل الاتفاقيات الإعلامية
بين ليبيا وتونس اتفاقيات إعلامية تنظم التعاون في هذا المجال. لكن هذه الاتفاقيات تحتاج إلى تفعيل أكبر، وإلى آليات للمتابعة والمحاسبة عند الخرق.
يمكن للجهات الرسمية في البلدين إنشاء لجنة إعلامية مشتركة، تكون مهمتها مراقبة الخطاب الإعلامي، ورصد التجاوزات، وتوجيه التنبيهات للقنوات المخالفة، والتنسيق مع نقابات الصحفيين في البلدين لاتخاذ الإجراءات المناسبة.
كما يمكن سن تشريعات تجرم خطاب الكراهية ضد شعوب الدول الشقيقة والصديقة، أسوة بالتجارب الدولية الناجحة في هذا المجال.
رسالة إلى العقلاء في البلدين
إلى الشعب التونسي الشقيق
أيها الشعب التونسي الكريم، يا أهل الحضارة والتاريخ والفنون، يا جيراننا وأشقاءنا وأهلنا، لا يخفى عليكم أن هذا الخطاب لا يمثلكم، وأن الإعلامي الذي يتطاول على الليبيين هو غريب عن تقاليدكم النبيلة.
لقد عرفناكم شعباً كريماً، يفتح بيوته للضيف، ويشارك الخبز مع الجار، ويقف مع الشقيق في الشدة. وهذا الخطاب المسيء هو دخيل عليكم، تماماً كما هو مسيء إلينا.
نداؤنا إليكم ليس نداء غضب أو عتاب، بل نداء شراكة في مواجهة هذا الدخيل المشترك الذي يهدد ما بناه الأجداد.
إن إعلام الكراهية يضر بنا جميعاً، ومواجهته مسؤولية مشتركة، تبدأ بإعلان الرفض الواضح له، وتنتهي ببناء إعلام جديد يقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
إلى الإعلاميين الليبيين
أيها الزملاء في المهنة الإعلامية، إن امتلاككم لناصية الرد لا يعني وجوب استخدامها. إن قدرتكم على اللعب بنفس الأوراق لا تعني أن تفعلوا ذلك.
فالأخلاق الإعلامية التي تمنعكم من الرد بالمثل هي تاج على رؤوسكم، وهي ما يميزكم عن أولئك الذين تخلوا عن ضمائرهم المهنية.
استمروا في نهجكم القائم على احترام الجوار، وفضح الممارسات المسيئة دون الانحدار إلى مستواها، وبناء الإعلام الذي يليق بليبيا وبتاريخها.
تذكروا أن أفضل رد على الإعلام الهابط هو إعلام هادف، وأن أقوى مواجهة للكراهية هي المحبة، وأن أعظم دفاع عن الكرامة هو الصمت أحياناً، حين يكون الكلام استجابة لاستفزاز لا يستحق الرد.
مستقبل العلاقات في ميزان الإعلام
في النهاية، تبقى العلاقات الليبية التونسية أعمق وأكبر من أن تهددها حلقات برنامج أو تصريحات إعلامي يبحث عن الشهرة.
إنها علاقات منحوتة في صخر التاريخ، تسري في عروق الأجيال، وتتجذر في الأرض واللغة والدين والعادات.
لكن هذا لا يعني أن نستهين بالخطر. فالإعلام في عصرنا الحالي أصبح قوة هائلة في تشكيل الوعي الجمعي، وفي بناء الصور النمطية أو تدميرها، وفي مد الجسور أو هدمها.
وما لم يتم تدارك هذه الممارسات الإعلامية المسيئة، فإنها ستترك ندوباً في جسد العلاقات الأخوية، قد يصعب مداواتها مع الزمن.
إن المسؤولية تقع على عاتق الجميع: الإعلاميين الشرفاء، والمثقفين، والمجتمع المدني، والجهات الرسمية، والشعوب نفسها.
فمواجهة إعلام الكراهية ليست مهمة جهة واحدة، بل هي جهاد جماعي، يتطلب تنسيقاً وتعاوناً وإرادة صلبة.
فلنقف جميعاً في وجه العابثين بعلاقاتنا، ولنحمِ إرث الأجداد من عبث الأحفاد، ولنبنِ إعلاماً يليق بتاريخنا المشترك، ويحترم حاضرنا المتشابك، ويؤسس لمستقبل أكثر إشراقاً لأجيالنا القادمة.
فما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا، وما بنيناه عبر القرون لا يمكن أن يهدمه بضع ساعات من البث التلفزيوني، إذا امتلكنا الوعي الكافي للتصدي له، والإرادة الجماعية لمواجهته، والحكمة اللازمة لتفويت الفرصة على مثيري الفتن في الجانبين.
إن التاريخ سيذكر الذين بنوا الجسور، وسينسى الذين حاولوا هدمها والخيار اليوم في أيدينا جميعاً: أن نكون من البناة، أم نتفرج على الهادمين وهم يعبثون بأغلى ما نملك.



