ثلاثي الجوار يضبط إيقاع الملف الليبي.. القاهرة تقود مسارًا موازيًا لإنهاء الأزمة
السيسي يدفع بمبادرة ثلاثية لكسر جمود التسوية في ليبيا

ليبيا 24
مصر والجزائر وتونس تعلن تفعيل آلية الجوار الليبي الاستراتيجية
طرابلس بين مطرقة الجمود ومطرقة الاصطفاف الإقليمي
في توقيت حساس تشهد فيه الساحة الليبية تراجعًا في زخم الحلول الأممية، وانقسامًا يتغذى على التجاذبات الدولية، أعادت القاهرة رسم معالم المشهد من بوابة “آلية الجوار”. التحرك المصري، الذي تجسد في استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي لوزيري خارجية الجزائر وتونس بشكل متزامن، ليس مجرد تشاور دبلوماسي عابر، بل هو إعادة تموضع استراتيجي يعكس عقيدة راسخة لدى صانع القرار في القاهرة بأن استقرار ليبيا هو امتداد مباشر للأمن القومي المصري، وأن أي تسوية لا تُصنع في عواصم الجوار المباشر محكوم عليها بأن تكون ناقصة أو هشة. هذه الرؤية تستند إلى قناعة مفادها أن دول الجوار، وعلى رأسها مصر، تتعامل مع تداعيات الأزمة الليبية يوميًا على حدودها الممتدة، مما يمنحها حق الفيتو الأخلاقي والسياسي على أي مسار لا يحقق الاستقرار الكامل.آلية الجوار.. من إطار تشاوري إلى غرفة عمليات دبلوماسيةتصريحات المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، التي أكدت على “ضرورة تكثيف التشاور والتنسيق بين البلدان الثلاثة عبر الآلية الثلاثية كإطار دبلوماسي استراتيجي”، تكشف عن تحول نوعي في وظيفة هذا التجمع. لم تعد الآلية مجرد منصة لتبادل وجهات النظر، بل يجري العمل على تحويلها إلى غرفة عمليات دبلوماسية فاعلة لتوحيد المواقف الدولية المنخرطة في الملف الليبي. الرسالة الخطية التي حملها الوزير الجزائري أحمد عطاف من الرئيس عبد المجيد تبون، والتأكيد على أن مصر أصبحت الشريك التجاري الأول للجزائر، تضفي بُعدًا اقتصاديًا عميقًا على هذا المحور. فالتقاطع الاقتصادي بين عملاقي شمال أفريقيا يخلق أرضية صلبة للضغط الإيجابي على الفرقاء الليبيين، عبر تقديم نموذج للتكامل الإقليمي يمكن للدولة الليبية المستقرة أن تنخرط فيه بقوة. هذا التوجه يهدف إلى تجاوز منطق تقاسم النفوذ السائد، واستبداله بمقاربة تنموية أمنية شاملة، تدرك أن حل الأزمة في طرابلس يبدأ من بناء توافق إقليمي صلب في القاهرة والجزائر وتونس.توازنات القاهرة.. حائط الصد في وجه الفوضىيعكس إصرار القاهرة على هذا المسار الثلاثي عقيدة سياستها الخارجية التي وصفها السيسي بأنها تقوم على “تجنب التصعيد، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتسوية الأزمات بالوسائل السلمية”. في الملف الليبي تحديدًا، تترجم هذه العقيدة إلى رفض قاطع لأي تدخلات عسكرية أجنبية، أو محاولات لفرض أجندات لا تراعي التركيبة الاجتماعية والسياسية الليبية المعقدة. ترى دوائر التحليل السياسي أن القاهرة تستخدم ثقلها الجيوسياسي كحائط صد يمنع تحويل ليبيا إلى ساحة حروب بالوكالة، أو إلى بؤرة لتصدير الفوضى إلى دول الساحل والصحراء. التنسيق مع تونس، التي تعاني من تداعيات أمنية مباشرة على حدودها، يشكل خط الدفاع الغربي عن الاستقرار الإقليمي. استقبال السيسي للوزير التونسي محمد علي النفطي، وتأكيده على “الدور الهام لدول الجوار في ضمان استقرار ووحدة ليبيا”، هو رسالة طمأنة بأن الحل لن يكون على حساب سيادة الدولة الليبية أو تقسيمها، بل من خلال إسناد المؤسسات الوطنية الجامعة وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية، لتمكينها من فرض الأمن ومكافحة التنظيمات المتطرفة.طموحات جزائرية وهموم تونسية.. التنافس في إطار الشراكةبينما تركز الجزائر على البعد الأمني والسياسي لمنع أي تغيير جذري على حدودها الشرقية، وتحرص على أن تكون طرفًا رئيسيًا في أي تسوية، تأتي المشاركة التونسية محكومة بهاجس أمني واقتصادي مباشر. غير أن القاهرة نجحت في صهر هذه الأولويات المتباينة في بوتقة واحدة، مستفيدة من حرص الرئيس تبون الشخصي على تعزيز التعاون، والطفرة التي شهدتها العلاقات المصرية الجزائرية خلال السنوات الخمس الماضية. هذا التوافق يوجه ضربة قوية للأطراف الإقليمية والدولية التي راهنت على إمكانية إحداث شرخ بين دول الجوار الليبي. إن إعادة إحياء هذا المسار الثلاثي، بالتزامن مع تنامي العلاقات الاقتصادية البينية، يمثل رافعة ضغط حقيقية. فإعلان القاهرة عن أهمية البناء على مخرجات اللجنة العليا المشتركة مع الجزائر، والتشديد على تنفيذ مقررات اللجنة مع تونس، يوحي بأن دول الجوار بصدد بلورة حزمة حوافز اقتصادية أمنية متكاملة، ستوضع على طاولة الأطراف الليبية، ليكون واضحًا أن ثمن الاستقرار هو الانخراط في تسوية تقودها الجوار، وأما ثمن الفوضى فهو العزلة الإقليمية الكاملة.



