ثلاثي الجوار يصدر خارطة طريق لإنهاء الانقسام الليبي

ليبيا 24
بيان القاهرة الثلاثي.. الجوار يرسم ملامح التسوية النهائية في ليبيا
رسالة الجوار إلى الداخل الليبي.. الملكية الوطنية أساس الحل
في خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً في إدارة الملف الليبي، صاغ وزراء خارجية مصر والجزائر وتونس، في ختام اجتماعهم الوزاري الرابع بالقاهرة، رؤية موحدة لا تحتمل التأويل. البيان المشترك الذي صدر عن آلية دول الجوار الثلاثية، مساء الخميس، لم يكن بياناً دبلوماسياً تقليدياً يكتفي بالعموميات، بل حمل في طياته رسائل محددة وواضحة إلى جميع الأطراف الليبية.
الرسالة الأبرز تمثلت في التأكيد القاطع على “مبدأ الملكية والقيادة الليبية للعملية السياسية”، وهو ما يعني أن عواصم الجوار الثلاث ترفض بشكل قاطع أي نموذج تسوية يُفرض من الخارج أو يُكتب في غرف مغلقة بعيداً عن إرادة الليبيين أنفسهم.
هذا الموقف يمثل ضمانة حقيقية لليبيين بأن دول الجوار، التي تتحمل العبء الأكبر من تداعيات الأزمة، تقف إلى جانب خيارهم الوطني الحر دون وصاية، وتعتبر أن الحل يجب أن يكون “ليبياً-ليبياً نابعاً من إرادة وتوافق جميع مكونات الشعب الليبي دون إقصاء”.
بالنسبة للشارع الليبي المنهك من الانقسام والتجاذبات، تمثل هذه الفقرة من البيان بارقة أمل حقيقية بأن عجلة التسوية قد تدور أخيراً وفق إيقاع المصالحة الوطنية لا وفق حسابات المصالح الخارجية.
خريطة طريق متكاملة.. من الانتخابات إلى توحيد المؤسسات
البيان الختامي لم يترك ملفاً شائكاً دون أن يمسكه بوضوح. فعلى الصعيد السياسي، شدد الوزراء الثلاثة على “أهمية الدفع بالعملية السياسية قدماً تحت رعاية الأمم المتحدة، بما يفضي إلى إنهاء حالة الانقسام وتوحيد مؤسسات الدولة الليبية”. هذا التأكيد يأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث تعاني ليبيا من انقسام حاد في المؤسسات التنفيذية والتشريعية، وهو ما يعرقل أي مسار جاد نحو التعافي.
البيان ذهب إلى أبعد من ذلك بتحديد الهدف النهائي بوضوح: “تهيئة الظروف الملائمة لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن”. هذه العبارة تحمل مفتاح الحل من وجهة نظر دول الجوار، فإجراء الانتخابات بشكل متزامن يمنع سيناريوهات الأزمة الدستورية التي قد تنشأ عن انتخاب سلطة دون أخرى، ويضمن بناء شرعية موحدة للدولة الليبية. في طرابلس وبنغازي، يدرك المراقبون أن هذا الموقف الثلاثي الموحد يمنح الغطاء السياسي الإقليمي اللازم لأي خارطة طريق انتخابية، ويحصنها ضد محاولات النسف أو التعطيل من قبل الأطراف التي قد لا ترى في صندوق الاقتراع مصلحة لها.ز
رفض الوصاية والتدخل.. الجوار يغلق الباب أمام الفوضى الخلاقة
لعل أشد فقرات البيان وضوحاً وحسماً هي تلك المتعلقة بالسيادة الوطنية ورفض التدخلات الخارجية. البيان أكد أن الوزراء “يجددون دعمهم لجهود اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) لتثبيت وقف إطلاق النار، والعمل على انسحاب جميع القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب والمرتزقة من الأراضي الليبية في إطار زمني محدد”.
هذه العبارة تمثل رصاصة رحمة سياسية على كل محاولات إضفاء الشرعية على الوجود العسكري الأجنبي في ليبيا، وهو الوجود الذي طالما شكل العقبة الكأداء أمام أي تسوية حقيقية. البيان، وهو يعبر عن موقف الدول الثلاث المتاخمة للحدود الليبية، يرفض بشكل قاطع أن تتحول ليبيا إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. إن مطالبة الجوار الثلاثي الصريحة بخروج القوات الأجنبية “في إطار زمني محدد” تمنح المؤسسة العسكرية الليبية والأطراف الوطنية المنخرطة في مسار 5+5، دعماً سياسياً هائلاً للمضي قدماً في فرض السيادة الكاملة على كامل التراب الوطني. هذا الموقف ينسجم تماماً مع تطلعات الشارع الليبي الذي طالما نادى برحيل كل أشكال الوصاية المسلحة.المقاربة الشاملة.. عندما يلتقي الأمن بالاقتصاد لإنهاء الأزمةالتحول الذكي في البيان الثلاثي تمثل في تجاوز المقاربة الأمنية البحتة التي هيمنت على التعامل مع الملف الليبي لسنوات. البيان شدد على أن “التوصل إلى التسوية السياسية المنشودة يقتضي اعتماد مقاربة شاملة تقوم على الترابط بين مختلف المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية مما يمكن من تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية والرفاه للشعب الليبي”. هذه الرؤية تدرك أن جوهر الأزمة الليبية لا يقتصر على الصراع على السلطة، بل يمتد ليشمل أزمة توزيع الثروة والتنمية المفقودة. بالنسبة للمواطن الليبي الذي يعاني من انقطاع الكهرباء وتدهور الخدمات رغم عوائد النفط الهائلة، فإن ربط الأمن بالاقتصاد يعني أن التسوية القادمة يجب ألا تكون مجرد اقتسام للمناصب بين النخب المتنازعة، بل عقداً اجتماعياً جديداً يعيد توجيه موارد الدولة نحو التنمية الحقيقية. هذا البعد الاقتصادي في البيان يفتح الطريق أمام حزمة من المشاريع التنموية التي يمكن أن تقودها دول الجوار لإسناد أي حكومة ليبية موحدة قادمة، مما يمنح التسوية السياسية أرضية صلبة من الدعم الشعبي الذي يتوق للاستقرار والازدهار.الرسالة إلى الليبيين.. الجوار بوابتكم نحو الشرعية الإقليميةبقراءة متأنية للبيان الختامي لاجتماع القاهرة، يمكن القول إن دول الجوار الثلاث تطرح نفسها كحاضنة إقليمية موثوقة للتسوية الليبية. التأكيد على استمرار آلية التشاور بشكل دوري، والإعلان عن عقد الاجتماع القادم في الجزائر، يحول هذه الآلية الثلاثية إلى مسار موازٍ وداعم لجهود الأمم المتحدة وليس منافساً لها، خصوصاً مع تأكيد البيان على أهمية التنسيق مع “جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي”. بالنسبة لصانع القرار الليبي، وأي فصيل يبحث عن مخرج مشرف من النفق المسدود، فإن بيان القاهرة يوفر له الغطاء الإقليمي العربي والأفريقي اللازم للمضي في مسار التسوية. إنها رسالة مفادها أن الاعتراف الإقليمي الكامل والاندماج في محيط الجوار الطبيعي، بما يحمله من فرص اقتصادية وأمنية هائلة، مرهون بجدية الأطراف الليبية في تقديم التنازلات المتبادلة من أجل إنهاء الانقسام. الجوار يراهن على ليبيا موحدة ومستقرة، وهذا الرهان، كما يعكسه البيان، ليس شعاراً بل خطة عمل قابلة للتنفيذ تنتظر من الليبيين أنفسهم أن يلتقطوا خيوطها.



