اقتصادليبيا

أبو سنينة وبي في مواجهة نارية حول الدعم النقدي.. هل ينقذ التحويل النقدي الفقراء أم يضاعف أزمات ليبيا؟

بين التحويل النقدي والدعم العيني.. جدل متجدد حول كلفة الإصلاح ومخاطره الاجتماعية

ليبيا 24

في زمن باتت فيه الكلمة على منصات التواصل الاجتماعي أسرع من أي بيان وزاري، اشتعلت جبهة جديدة من الجدل الاقتصادي، هذه المرة بين رجل الأعمال حسني بي والخبير الاقتصادي الدكتور محمد أبو سنينة.

نقاش لم يبق حبيس الجدران الأكاديمية أو مجالس المال، بل انسكب على الشاشات الصغيرة، حاملاً معه كل تناقضات الاقتصاد الليبي الرازح تحت وطأة الانقسام السياسي، وسوء تخصيص الموارد، وتهريب الثروة عبر الحدود.

وبين منشور مطوّل وآخر مقتضب، وردّ مكثف بالأرقام، تتجلى صورة أزمة لا تعرف منحىً واحداً: أزمة الفقر، وأزمة الدعم، وأزمة الثقة بين رجل الأعمال والخبير، وكلاهما يدّعي الدفاع عن الليبيين.

ملعب المنصات.. حين تصبح “فيسبوك” ساحة للسياسة الاقتصادية

لم يكن الغريب أن يبدأ النقاش من صفحة الدكتور محمد أبو سنينة، الخبير الاقتصادي الذي كثيراً ما دخل في مواجهات فكرية مع صُنّاع القرار.

الرجل نشر كلمة مقتضبة وصفها بأنها “لابد منها”، مؤكداً أن ارتفاع معدلات الفقر في ليبيا لا يُختزل في سياسة دعم المحروقات وحدها، بل هو حصيلة صراع طويل، ونزوح، وانقسام سياسي، وسوء تخصيص موارد، وسياسات توزيع دخل غير عادلة.

وحذر من أصوات تقدم استبدال الدعم العيني بدعم نقدي مباشر باعتباره “وصفة سحرية” لإغناء الليبيين، معتبراً أن القضاء على الفقر أكبر من أن يعالج بمثل هذه السياسات “ضيقة الأفق”.

رد حسني بي، الذي يقود منذ سنوات حملة شرسة ضد منظومة الدعم القائمة، لم يتأخر. بلغة مباشرة صادمة، كتب: “كفى متاجرة باسم الفقير… وكفى دفاعاً عن منظومة تستنزف ثروة الليبيين”.

بي لم يترك نقطة إلا وفنّدها، مقدماً ما وصفه بنموذج محاكاة اقتصادي يقول إن التحويل النقدي المباشر سيخرج جميع الليبيين من تحت خط الفقر، وبأثر تضخمي لا يتجاوز 1.8 في المئة.

وهكذا، تحولت منصة التواصل إلى ما يشبه جلسة استماع مصغرة، تابعها آلاف الليبيين المتعطشين لإجابة عن سؤال واحد: أين تذهب ثروة النفط؟ ومن المستفيد الحقيقي من بقاء الوضع على ما هو عليه؟

جذور المعركة: منظومة الدعم التي التهمت الأخضر واليابس

لفهم عمق النقاش، لا بد من العودة إلى الوراء قليلاً. فمنذ العام 1973، تبنت الدولة الليبية سياسة دعم عيني للمحروقات والكهرباء، كجزء من عقد اجتماعي غير مكتوب. لكن مع مرور العقود، تحول هذا الدعم، وفقاً لرجل الأعمال حسني بي، إلى “واحدة من أكبر بوابات الهدر والفساد والتهريب في الاقتصاد الليبي”.

واستشهد بي بأن 25 في المئة من إنتاج ليبيا النفطي ذهب لسد فجوة الدعم السعري، بما يعادل، وفق تعبيره، خمسمئة مليار دولار أُهدرت منذ ذلك التاريخ، بينما لا يزال أكثر من ثلث الليبيين يعانون ضغوطاً معيشية متزايدة.

أما الدكتور أبو سنينة، فلا ينكر وجود الهدر، لكنه يرى أن التعليل الذي يربط الفقر بالدعم العيني للمحروقات هو “اختزال مخل” للآثار الاقتصادية المعقدة لدعم الطاقة.

فالدعم، في رأيه، ليس مجرد بند إنفاق، بل هو مُتغير يتشابك مع تكاليف النقل، وأسعار السلع، ودخول الأسر، واستقرار الأسواق.
وبالتالي، فإن استبداله نقداً، في ظل مجتمع يرتفع فيه ما يُعرف اقتصادياً بـ”الميل الحدي للاستهلاك”، أي توجه معظم أي زيادة في الدخل نحو تلبية الاحتياجات الاستهلاكية الضرورية، لن يؤدي إلى شراء المحروقات، بل سيتجه فوراً إلى السلع الغذائية والخدمات الأساسية، مما يفجّر موجة تضخمية تأكل الزيادة النقدية في مهدها.

هنا، تظهر نقطة الخلاف الجوهرية: هل الدعم النقدي المباشر هو الحل الأمثل لمشكلة الفقر والتهريب، أم أنه مجرد إعادة تدوير للأزمة ذاتها بآليات مختلفة؟ يجيب أبو سنينة باقتراح بديل، وهو بطاقات ذكية رقمية مشحونة بقيمة الدعم، تُستخدم حصراً في محطات الوقود عبر نقاط بيع إلكترونية، على غرار التجربة الناجحة لمنظومة “إيفاء” التي أوصلت المنح إلى ربات الأسر.

أما بي، فيرى أن هذا التعقيد غير ضروري، وأن التحويل النقدي المباشر إلى حساب المواطن، والمستند إلى منظومة علاوات الزوجة والأبناء والبنات القائمة بالفعل، أثبت قدرته على الوصول إلى ملايين الليبيين “بصورة منتظمة وشفافة”.

حسني بي وهجومه على الفساد: النقد للفقير مباشرة

في صلب أطروحة حسني بي، تقوم حجة اقتصادية وأخلاقية في آنٍ واحد. يقول الرجل إنه لا يطالب برفع الدعم، بل بـ”تغيير آلية توزيعه”، بحيث تذهب الأموال إلى جيب المواطن بدلاً من أن تذهب إلى المهربين والمضاربين وشبكات الاقتصاد الموازي.

ويقدم نموذجاً حسابياً مفاده أن الأسرة الليبية المتوسطة المكونة من ستة أفراد يمكن أن تتحصل على ما يقارب 3550 ديناراً شهرياً، بين العلاوات القائمة والدعم النقدي البديل. وهذا المبلغ، في تصوره، لا يمثل أموالاً جديدة تُضخ في الاقتصاد، بل هو “إعادة توزيع للأموال نفسها التي تُنفق حالياً بصورة أكثر عدالة وكفاءة”.

واللافت أن بي يربط استدامة هذا المقترح بربط قيمة الدعم النقدي بالإيرادات النفطية الفعلية للدولة، مما يحمي الخزينة من الصدمات ويضمن عدم خلق التزامات دائمة خارج قدرة المالية العامة. كما يرفض بشكل قاطع اتهامات إثارة المخاوف من التضخم.

فوفق “نموذج المحاكاة الاقتصادية الذي أعددناه”، على حد قوله، فإن سعر البنزين قد يرتفع إلى 6 دنانير للتر، والكهرباء إلى دينار للكيلوواط ساعة، وقد ترتفع تكاليف النقل “لمرة واحدة”، لكن الأثر التضخمي الإجمالي لن يتجاوز 1.8 في المئة. ويرى أن 80 في المئة من المبلغ النقدي الممنوح سيعود مجدداً لشراء المحروقات والكهرباء بأسعارها الحقيقية، مما يحول التهريب إلى تجارة مشروعة، ويرشد الاستهلاك، ويخفض فاتورة الاستيراد.

يوجه بي سهام نقد حادة إلى “المدافعين عن الوضع القائم”، متسائلاً: إذا كانت المنظومة الحالية ناجحة، فأين ذهبت مئات المليارات منذ 1973؟
ولماذا لا يزال الفقر قائماً؟ وبلغت المواجهة ذروتها عندما تحدث عن أرقام فلكية، مؤكداً أن دعم المحروقات بلغ حوالي 100 مليار دينار ليبي في 2024، وسيتجاوز 150 ملياراً في العام الجاري.

وأبدى استغرابه من “عدم قدرة” الخبير الاقتصادي على إجراء محاكاة رقمية بديلة، داعياً إلى مناقشة المقترح “بالأرقام والنماذج والدراسات، لا بالشعارات والتخويف”.

أبو سنينة والحذر الأكاديمي: الفقر أكبر من الدعم

على الضفة المقابلة، لم يكن الدكتور محمد أبو سنينة أقل حدة، لكن من زاوية مختلفة. الرجل الذي يكتب بلغة الخبير المتمرس، لا ينكر أن إصلاح الدعم “مطلوب”، لكنه يرفض الزج بموضوع الفقر في خضم معالجات إصلاح الدعم، معتبراً أن علاج الفقر له استراتيجياته الخاصة التي تجمع بين “التمكين الاقتصادي والعدالة الاجتماعية”.

ويعدد هذه الاستراتيجيات: خلق فرص العمل عبر تحفيز النمو وجذب الاستثمارات، دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، توفير تعليم مجاني وعالي الجودة، تطوير برامج التدريب المهني، وتعزيز أنظمة الحماية الاجتماعية للفئات الضعيفة.

في تحليله، يبدو أبو سنينة مقتنعاً بأن أي توزيعات نقدية في مجتمع يعاني أصلاً من ارتفاع الميل الحدي للاستهلاك، ستؤدي إلى زيادة الطلب الكلي الاستهلاكي وارتفاع أسعار السلع والخدمات، دون أن تضمن وصول الدعم إلى المحروقات تحديداً.

ويحذر من أن هذه السياسة ستسهم في “اتساع الفجوة بين الطبقات” وزيادة معدلات الفقر، لا تقليصها، لأنها ستطلق موجة تضخمية تلتهم القوة الشرائية للأسر محدودة الدخل. ويضيف بعداً سياسياً واجتماعياً خطيراً: غياب ضمانات الاستمرار في هذا النهج، لأنه مربوط بالاستدامة المالية للحكومة، وفي بلد تعاني مؤسساته من الانقسام والشلل، تصبح هذه الاستدامة وهماً.

وجاء رده المقتضب على منشور حسني بي أشبه بضربة دبلوماسية: “اتفق معك في عدم المتاجرة باسم الفقير، ووعده بالخروج من حالة الفقر إذا أعطي الدعم نقداً!!!! ولا تنسى أنك أول شخص في ليبيا ربط بين الفقر ودعم المحروقات، في كل مقالاتك.

اقرأ المقالة جيداً استاد حسني وافهم مضامينها الاقتصادية والاجتماعية”. بهذا الرد، لم ينفِ أبو سنينة وجود الهدر أو ضرورة الإصلاح، بل أعاد الكرة إلى ملعب خصمه، متهماً إياه بالتناقض واختزال المشكلة.

دخول الأكاديمي: دعم من علي الشريف ومحورية “التوقيت”

عند هذه النقطة، دخل خبير اقتصادي آخر هو الدكتور علي الشريف على خط النقاش، ليقدم دعماً واضحاً لأطروحة أبو سنينة. كتب الشريف تعليقاً مقتضباً لكنه عميق الدلالة: “أحسنت هذا أحسن رد على من يقول إن الاقتصاديين يمارسون الكذب حين يدافعون على أن رفع الدعم في الوقت الحالي مضرة للأفراد ذوي الدخل المحدود”.

هذا التدخل القصير اختزل جوهر الخلاف حول مسألة التوقيت. ففي اللحظة التي يرى فيها فريق حسني بي أن كل لحظة تأخير في الإصلاح هي إهدار إضافي لثروة الليبيين، يرى الفريق الآخر أن اللحظة الراهنة هي الأسوأ على الإطلاق لتطبيق إصلاح من هذا النوع، بسبب هشاشة الوضع السياسي والأمني، وغياب شبكات الأمان الاجتماعي الحقيقية، وضعف الثقة في قدرة أي حكومة على إدارة التحول بسلاسة.

يمثل تعليق الشريف صوتاً أكاديمياً إضافياً يحذر من أن الاستعجال في رفع الدعم، أو تغيير آليته بشكل فجائي، قد يكون له مفعول عكسي على الفئات الأكثر هشاشة، وهو ما يضفي بُعداً آخر على النقاش: هل الصراع حول الدعم هو صراع أفكار أم صراع توقيت ومصالح؟ وإذ يصر بي على أن مقترحه لا يمثل “رفعاً للدعم” بل “تغييراً لآلية توزيعه”، يتمسك المعسكر الآخر بأن النتيجة واحدة على الأرض: أسعار أعلى للمحروقات والكهرباء، في بلد لم يستعد بعد عافيته من سنوات الاقتتال.

محاكاة الأرقام: ماذا تقول البيانات الغائبة؟

لو عدنا إلى لب النقاش، سنجد أنفسنا أمام معضلة البيانات. فحسني بي يتحدث عن مبلغ 3550 ديناراً شهرياً للأسرة، وعن أثر تضخمي لا يتجاوز 1.8 في المئة، وعن 80 في المئة من الدعم النقدي سيعود لشراء الطاقة.

هذه أرقام تبدو دقيقة وجذابة، لكنها في العمق تعتمد على نموذج محاكاة خاص لم يُنشر أو يُراجع أكاديمياً، ولم يُطرح للنقاش العلني من قبل جهة محايدة. في المقابل، لا يقدم أبو سنينة أرقاماً بديلة، بل يركز على الآليات النظرية: الميل الحدي للاستهلاك، التوقعات التضخمية، دوامة الأسعار، وضعف ضمانات الاستدامة. وهنا تكمن مأساة النقاش الاقتصادي الليبي: كل طرف يلوح بأرقامه، ولا جهة مستقلة تستطيع حسم الجدل.

إن ادعاء بي بأن 500 مليار دولار أُهدرت منذ 1973 هو رقم هائل، يعادل تقريباً الناتج المحلي الإجمالي الليبي لعدة سنوات متراكمة.

لكن السؤال الأعمق هو: هل كان بالإمكان توفير هذه المبالغ لو طُبق نظام الدعم النقدي في ظل دولة فاشلة أمنياً ومؤسسياً؟ فالتهريب لم يزدهر بسبب الدعم العيني وحده، بل بسبب غياب الرقابة على الحدود، والانقسام المؤسسي، ووجود مليشيات وشبكات مصالح عابرة للحدود.

وبالتالي، فإن الرهان على أن التحويل النقدي سيحول التهريب إلى “تجارة” مشروعة يفترض مسبقاً وجود دولة قادرة على ضبط الحدود وفرض القانون، وهو افتراض يتجاهل الواقع الليبي المرّ.

في المقابل، تحذيرات أبو سنينة من التضخم تبدو حقيقية ومدعومة بتجارب دول أخرى (من دون ذكر أسماء)، حيث أدى التحول المفاجئ من الدعم العيني إلى النقدي إلى موجة غلاء أضرت بالفقراء، لا سيما حين لم تواكبها سياسات حماية اجتماعية متكاملة.

لكن السؤال الموجه لأبي سنينة يبقى: إذا كان التضخم هو الخطر الأكبر، فكيف يمكن إصلاح الدعم أصلاً؟ وهل البطاقات الذكية التي يقترحها قادرة على إيقاف التهريب ما دام الوقود يُباع بأقل من سعره الحقيقي عند المحطة، مما يبقي على حافز التهريب قائماً، حتى لو كانت البطاقة شخصية؟ أليس في ذلك إبقاء على أبواب الفساد مواربة؟

الانقسام السياسي: الظل الذي يغطي كل شيء

ما يغيب غالباً في هذا النوع من النقاشات هو الإطار السياسي الذي تتحرك داخله كل هذه المقترحات. فليبيا اليوم ليست دولة موحدة، بل بلد تسيطر عليه حكومتان متنافستان، ومؤسسات منقسمة، ومليشيات تفرض واقعاً موازياً على الأرض.

في مثل هذا السياق، تصبح أي سياسة نقدية، مهما كانت أنيقة على الورق، عرضة للتشويه والتلاعب. فكيف يمكن ضمان وصول الدعم النقدي إلى المواطنين في مناطق نفوذ المليشيات؟ ومن سيضمن ألا تفرض الجماعات المسلحة “أتاوات” جديدة على الأسر المستفيدة؟ ومن سيمنع ازدواج الصرف أو بيع البطاقات الذكية في السوق السوداء؟

هذا ليس تشاؤماً مفرطاً، بل هو قراءة واقعية لتجارب سابقة. فعندما أُقرت منحة ربات الأسر عبر بطاقة “إيفاء”، نجحت إلى حد ما، لكنها واجهت تحديات تشغيلية واختراقات أمنية في مناطق عدة.

وبالتالي، فإن توسيع نطاق التحويل النقدي ليشمل قيمة الدعم كاملة، بقيمة قد تتجاوز 3500 دينار للأسرة شهرياً، سيجعل من هذه المنظومة هدفاً مغرياً للفاعلين المسلحين، لا سيما مع غياب نظام مصرفي موحد، وضعف انتشار المصارف في الأطراف، واعتماد كثير من الليبيين على السيولة النقدية.

أما مقترح أبو سنينة القائم على البطاقات الذكية المرتبطة حصراً بمحطات الوقود، فيفترض هو الآخر وجود دولة قادرة على إلزام كل المحطات بتركيب نقاط بيع إلكترونية، وتحديث المنظومة باستمرار، ومنع التلاعب.

وهذا يتطلب استثماراً في البنية التحتية الرقمية، وإرادة سياسية موحدة. في غياب هذه الإرادة، يظل المقترحان نظريين، ويبقى الفقير الليبي هو الخاسر الأكبر.

البعد الاجتماعي: من يدفع الثمن الحقيقي؟

خلف الأرقام والنماذج الاقتصادية، هناك ملايين الليبيين الذين ينتظرون نتيجة هذا النقاش. بالنسبة للأسرة التي تنفق معظم دخلها على الغذاء والسكن، فإن أي ارتفاع في أسعار النقل والكهرباء سيكون بمثابة زلزال، حتى لو قابله دعم نقدي. فالتجارب الإنسانية تقول إن الأسر الفقيرة لا تملك رفاهية “إعادة توجيه” الدعم النقدي لشراء الوقود إذا كانت جائعة.

ستنفق النقود على الطعام أولاً، ثم تكتشف أن المواصلات أصبحت أغلى، وأن سعر رغيف الخبز ارتفع بسبب تكاليف نقل الدقيق، فتدور الحلقة من جديد.

لذلك، يبدو موقف أبو سنينة أقرب إلى الحس الاجتماعي الفوري، حين يطالب بعدم المساس بموضوع الدعم “رغم المشاكل المصاحبة له”، محذراً من أن “الدعم النقدي المباشر كسياسة لإصلاح الدعم، فالأرجح أنه سيساهم في زيادة معدلات الفقر واتساع الفجوة بين الطبقات”.

وهذه العبارة بالذات تمثل الهاجس الحقيقي لكثير من الأسر الليبية التي تخشى أن تكون “إصلاحات” النخبة على حسابها. في المقابل، يرى حسني بي أن الدفاع عن المنظومة القائمة هو الذي يبقي الفقراء فقراء، لأنها تكرس الفساد والتهريب وتدفع بالثروة بعيداً عنهم.

هكذا يتشكل المشهد: رجل الأعمال الذي يطالب بإعطاء الفقير النقود مباشرة، متحرراً من قيود البيروقراطية، والخبير الاقتصادي الذي يحذر من أن هذه النقود ستذوب في أتون التضخم، ولن تصل حقيقة إلى جيب المواطن.

بينهما فجوة لا تتعلق فقط بالاقتصاد، بل بفلسفة الحكم وطبيعة العقد الاجتماعي المأمول. فهل الدولة مجرد وسيط يوزع الأموال، أم ضابط لإيقاع السوق وحامي للفئات الضعيفة من صدمات التحرير الاقتصادي غير المدروس؟

حتمية استراتيجية شاملة.. طريق ثالث مفقود

لعل النقطة التي تكاد تتفق عليها جميع الأطراف، رغم الضجيج، هي أن الفقر في ليبيا لن يعالج بسياسة واحدة. فأبو سنينة يقر بأن إصلاح الدعم “مطلوب”، وحسني بي يقر بأن الدعم النقدي يجب أن يترافق مع إصلاحات أخرى، لكن أياً منهما لا يمتلك وصفة شاملة مضمونة.

فليبيا لا تعاني فقط من فقر الدخل، بل من فقر الحوكمة، وفقر المؤسسات، وفقر الثقة. وأي حديث عن التحويلات النقدية أو البطاقات الذكية سيظل قاصراً ما لم يندرج ضمن استراتيجية وطنية للتنمية، تبدأ بإنهاء الانقسام السياسي، وتوحيد الميزانية، وإصلاح القطاع المصرفي، وخلق بيئة استثمارية حقيقية تخلق فرص العمل التي يتحدث عنها الجميع.

في خضم هذا الجدل، تظهر الحاجة الملحة إلى طرف ثالث مستقل، جهة أكاديمية أو رقابية محايدة، تستطيع أن تقدم محاكاة رقمية مفتوحة للجميع، تأخذ في الحسبان تعقيدات الاقتصاد الليبي، وتعدد الفواعل السياسية، وثقافة المجتمع الاستهلاكية، وضعف البنية التحتية. دون ذلك، سيبقى الجدل على فيسبوك أشبه بصراع الديوك في ساحة لا يملك المتفرجون فيها رفاهية الانتظار.

خاتمة: بين مطرقة التضخم وسندان التهريب

ما كشفته المناقشة المحتدمة بين حسني بي وأبو سنينة هو أن الاقتصاد الليبي أسير لازدواجية قاتلة. فمن جهة، لا يمكن الاستمرار في دعم عيني يُهدر، وفقاً للأرقام المعلنة، ما يزيد على 150 مليار دينار سنوياً في متاهات الفساد والتهريب، ويُبقي البلاد رهينة لتقلبات سوق النفط دون استفادة حقيقية للمواطن.

ومن جهة أخرى، لا يمكن القفز نحو تحويل نقدي شامل في ظل انعدام الاستقرار السياسي وضعف البنى المؤسسية وغياب شبكات الأمان الاجتماعي، دون التسبب في صدمة تضخمية تلتهم القيمة الحقيقية لأي منحة نقدية، وتُفقر الطبقات الضعيفة أكثر مما تُغنيها.

بين “كفى متاجرة باسم الفقير” و”لا تنصح بالمساس بالدعم” يختفي صوت الفقير نفسه، الذي نادراً ما يُسأل عن رأيه في هذه المبارزة الفكرية. فالمواطن الليبي لا يهمه إن كان الدعم يُدفع نقداً أم ببطاقة ذكية أم يستمر عينياً، بقدر ما يهمه أن يعيش بكرامة، وأن يشعر أن ثروة بلاده تمس حياته اليومية.

وما لم يدرك الطرفان أن معركتهما الحقيقية ليست مع بعضهما، بل ضد حالة الانهيار المؤسسي الشامل، فإن كليهما سيبقى يخوض حرب كلامية، بينما يستمر المهرب الحقيقي في الضحك على الجميع.

في قلب طرابلس، بينما تلهث الأسر خلف قوت يومها وتتصاعد أصوات الباعة في أسواق المدينة القديمة، كانت ثمة معركة من نوع آخر تشتعل على شاشات منصات التواصل الاجتماعي، لم تستخدم فيها القذائف ولا الرصاص، بل أطلقت فيها سهام النظريات الاقتصادية والتهم المبطنة بالتقاعس أو المتاجرة بمعاناة الفقراء.

هذه المرة، لم يكن طرفا النزاع سياسيين تقليديين، بل خبيراً اقتصادياً مرموقاً هو الدكتور محمد أبو سنينة، ورجل أعمال نافذاً هو حسني بي، وكلاهما يدّعي امتلاك وصفة إنقاذ الاقتصاد الليبي المثخن بالجراح.

ما بدأ كمنشور تحليلي على صفحة أبو سنينة، سرعان ما تحول إلى ما يشبه جلسة محاكمة علنية لنصف قرن من السياسات الاقتصادية، كاشفاً عن شرخ عميق ليس فقط في رؤية الحل، بل في فهم طبيعة المرض ذاته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى