ليبيا على فوهة التغيير الديموغرافي: غضب التوطين يفضح عجز حكومة الدبيبة وغموض المصير الوطني
من العبور إلى التوطين: مؤامرة دولية على أرض ليبيا المنهكة
ليبيا 24
غضب شعبي يضرب طرابلس: التوطين كشف انهيار سيادة الدولة
حين يسبق الغضبُ الحقيقةَ: احتجاجات تتجاوز مطالبها
اجتاحت طرابلس ومدن أخرى موجة غضب شعبي عارمة، لم تكن احتجاجًا على تصريح عابر فحسب، بل كانت أشبه بفحصٍ عميقٍ كشف عن جروح الدولة الليبية الغائرة. لقد تحولت شرارة التصريحات المنسوبة لإحدى المسؤولات الأمميات، والتي تضمنت لهجة تهديد ووعيد للمواطنين ومنحاً للحقوق للمقيمين غير النظاميين، إلى جمرة تحت رماد احتقانٍ متراكم.
وكما يصف عضو ملتقى الحوار السياسي السابق عبد الله عثمان عبد الرحيم، فإن هذه المظاهرات عبرت عن “الجزء الظاهر من أزمة أعمق”، حيث قفزت قضية التوطين لتكون الواجهة البراقة لأزمة سيادة ودولة وحدود وفساد، ليخرج الليبيون غاضبين ليس ضد التوطين فحسب، بل ضد انفلات السلاح وتعدد الميليشيات والانقسام السياسي الذي تعجز النخب عن حله.
يبدو جلياً أن جزءاً كبيراً من هذا الحراك سبق التحقق الكامل من تفاصيل القضية، محمولاً على أمواج منصات التواصل الاجتماعي التي تحولت، وفق توصيف عبد الرحيم، من وسيلة لنقل الخبر إلى فاعل قادر على صناعته وتضخيمه، لتختبر هذه المظاهرات “مدى استعداد الشارع” لاستخدام الاحتجاج في مواجهة ملفاتٍ أكثر تعقيداً وخطورة.
“كارمن صخر” ونظرية الفراغ: حين يصبح الضعف دعوة للابتزاز
في قلب الأزمة، يقف تصريح “كارمن صخر”، رئيسة منظمة شؤون اللاجئين في ليبيا، كشاهد على عقلية دولية تتعامل مع ليبيا ليس كدولة ذات سيادة، بل كمساحة فارغة قابلة للتشكيل.
إن اللغة الاستعلائية التي تقرن حماية الأفارقة بتهديد الليبيين بالمنع من السفر إلى أوروبا، وتعد بتسوية أوضاع آلاف اللاجئين ومنحهم حقوق العمل والتعليم، لم تكن مجرد زلة لسان دبلوماسية. بل هي، كما يشير عبد الرحيم، “لهجة ابتزاز وتهديد” تكشف عن استعلاء بيروقراطي دولي، ينظر إلى ليبيا المنهكة كمجرد “مخزن بشري مؤقت أو دائم” لمعالجة أزمة أوروبية بالأساس.
ويطرح هذا التصريح السؤال الجوهري الذي يتردد صداه في كل زاوية من هذا الملف: من يملك القرار داخل ليبيا؟ ومن يحدد مصير تركيبتها السكانية؟ إنه سؤال لا تجيب عنه حكومة الدبيبة منتهية الولاية، الغارقة في صراعات البقاء وإدارة المصالح الضيقة، تاركة البلاد لقمة سائغة لمشاريع الآخرين.
وكما يصف الكاتب السياسي جبريل العبيدي، فإن هذا الطرح يعكس “معالجة أوروبية خاطئة واستفزازية” تحاول تحميل ليبيا، التي لم توقع على اتفاقية جنيف للاجئين، مسؤولية أزمة صنعتها سياسات التدخل والهيمنة.
“سياسة الحدث” وهيمنة الخطاب البديل: حكومة تائهة بين الماراثونات والقضايا المصيرية
بينما تتفاعل الشوارع مع قضية تمس الأمن القومي الليبي، يقف خطاب السلطة في غرب البلاد عاجزاً، ضائعاً بين مطرقة المزايدات السياسية وسندان غياب الرؤية.
لقد كشف هذا الحراك عن الفراغ المخيف الذي تعيشه البلاد في ظل حكومة تتعامل، بكلمات المستشار هشام الحاراتي، مع الملفات الكبرى بـ”المعارض واللافتات والماراثونات”.
فبينما يحتاج الليبيون إلى دولة تحمي حدودها وتدير ملفاتها المصيرية، يبدو الاهتمام الرسمي منصباً على تسجيل مواقف آنية وتبادل الاتهامات بالتقصير، متجاهلاً الأسئلة الوطنية الأوسع: من يحمي الحدود؟ ومن يدير ملف الهجرة؟ وما هي السياسات السكانية للدولة؟
هذا الغياب للرؤية الشاملة، الذي يصفه عبد الرحيم بهيمنة “سياسة الحدث على حساب الرؤية الشاملة”، يخلق تربة خصبة للشائعات والمخاوف، ويجعل الشارع فريسة سهلة للتوجيه والتعبئة التي تقودها منصات التواصل، في غياب تام لخطاب رسمي يفسر ويطمئن ويضع سياسات واضحة، تاركاً الغضب الشعبي يتصاعد بلا قيادة سياسية واضحة تمنحه قوة من جهة، وتجعله صعب الضبط والتوجيه من جهة أخرى.
حدود بلا سيادة: حين يكون حراس الأبواب جزءاً من الأزمة
فيما يتصارع الساسة على المناصب، يطفو على السطح سؤال لا يقل حساسية عن سؤال التوطين: ما هي وظيفة أجهزة حماية الحدود التابعة لحكومة الدبيبة؟ وهل تقوم هذه الأجهزة، التي يُقدر عدد منتسبيها بعشرات الآلاف، فعلاً بمنع تدفقات الهجرة غير النظامية، أم أنها تحولت إلى جزء عضوي من منظومات التهريب؟
يطرح المحلل السياسي محمد السنوسي هذه المعضلة بوضوح، مشيراً إلى أن ملف الهجرة يُدار في ظرف استثنائي بالغ التعقيد في ظل غياب سلطة سياسية موحدة، محذراً من تحول ليبيا من بلد عبور إلى بلد إقامة.
وتتفاقم المخاوف حين تتقاطع تصريحات المسؤولين مع تقارير تتحدث عن إنفاق مئات الملايين من اليوروات من قبل الاتحاد الأوروبي على إدارة هذا الملف، مما يثير تساؤلات حول تشابك المصالح السياسية والاقتصادية لشبكات نافذة.
إن ضبط الحدود واحتكار الدولة لأدوات السيادة هو الشرط الأول لأي سياسة وطنية، وهو الشرط الذي يغيب كلياً في ظل الانقسام المؤسسي، ليصبح الحديث عن الرفض أو القبول الأخلاقي للوجود الأجنبي ضرباً من العبث ما لم تستعد الدولة قدرتها على تنظيم حدودها وسوق عملها وتركيبتها السكانية.
الثلاثية الملغومة: الإدماج والتسوية والاستقرار في دولة منقسمة
يبدو التلازم بين مصطلحات “الإدماج” و”التسوية القانونية” و”الاستقرار الدائم” في الخطاب الدولي مريباً للغاية في توقيت تعيش فيه البلاد انقساماً سياسياً حاداً. تحذر المحامية ثريا الطويبي من أن ما يُعرف بـ”الحلول البديلة” قد تضع الدولة الليبية أمام مأزق قانوني، إن ترتب عليها سحب صفة اللجوء مع منع الترحيل.
فوجود مهاجرين داخل ليبيا لفترات قد تمتد لعقود، وتحول بعضهم لجزء من النسيج الاجتماعي، يثير أسئلة قانونية معقدة. وتتفق معها رؤية سعد الدينالي الذي يعتبر أن الإجراءات التي تقوم بها المفوضية، كصرف البطاقات والمساعدات المالية، قد تمهد لخطوات لاحقة تشمل توسيع الخدمات والإقامات.
هذه المخاوف تتعزز بإشارات المحللين إلى أن غالبية المهاجرين لا تعتبر ليبيا بلد وصول، مما يجعل الحديث عن “توطين طويل الأمد” منفصلاً عن طبيعة الظاهرة.
وكما يحذر العبيدي، فإن هذه المسارات تهدد بتغيير ديموغرافي وتهديد للهوية الوطنية، في بلد يقف على حافة الهاوية. إن القضايا المصيرية المتعلقة بالهوية والتركيبة السكانية لا تُفرض على الشعوب في لحظات ضعفها، فما يُنتزع في زمن الانقسام يصعب التراجع عنه حين تستعيد الدول عافيتها، وهذا هو جوهر المأساة التي تتجاهلها حسابات الربح والخسارة السياسية.
الرد على الفراغ: رسالة حسم من الشرق الليبي
في تناقض صارخ مع غموض الموقف في غرب البلاد وتخبطه، جاءت التحركات والتصريحات من شرق ليبيا لترسم ملامح سياسة مختلفة تماماً. تصريحات نائب القائد العام للقوات المسلحة العربية الليبية، الفريق أول ركن صدام حفتر، حول الحملة الأمنية الموسعة ضد المخالفين، حملت كما يوضح الكاتب حسين المسلاتي، رسائل واضحة تتعلق بترسيخ سيادة الدولة.
هذه الرسالة، التي تؤكد التعامل مع ملف الهجرة غير النظامية باعتباره “قضية أمن قومي”، تمثل ركيزة أساسية لخطاب الدولة المنشودة، فهي من جهة تعزز الثقة في المؤسسات الأمنية وقدرتها على فرض القانون، ومن جهة أخرى تؤكد استعداد ليبيا للتعاون الدولي في إطار يوازن بين السيادة الوطنية والشراكة الدولية. هذا الفعل وليس رد الفعل، هو ما يجب أن تكون عليه معادلة الدولة القوية.
ويدعم هذا التوجه العمل الميداني على الأرض، حيث عقد معاون رئيس جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية، اللواء خالد سرير، اجتماعاً موسعاً لمديري فروع الدوريات الصحراوية، في تجسيد عملي لتوجيهات القيادة العامة للقوات المسلحة.
إن التركيز على إحكام السيطرة على المسالك الصحراوية وتكثيف أعمال الاستطلاع والدوريات هو الترجمة الفعلية لمبدأ “حماية الحدود قبل الحديث عن التوطين”، وهو النهج الوحيد القادر على انتشال ليبيا من دوامة الفوضى.
خريطة الجوار والفراغ الجاذب: حتمية التدفق وغياب الدولة
لا يمكن فهم عمق الأزمة دون النظر إلى الخريطة الديموغرافية. يذكرنا عبد الله عثمان عبد الرحيم بأن مجموع سكان الدول الستة المحيطة بليبيا يتجاوز 280 مليون نسمة، مقابل نحو 7.4 مليون نسمة داخل ليبيا، بنسبة فرد إلى 38 فرداً.
هذه الفجوة الهائلة، مع المساحة الجغرافية الشاسعة والثروات الطبيعية، تجعل من ليبيا “جاذبة ومغرية ليس للهجرة اليها فقط، بل احتلالها وإخضاعها”. في هذا السياق، يُصبح غياب الدولة القادرة على ضبط الحدود وإدارة مواردها كارثة وطنية لا تحتمل.
ولعل هذا ما يفسر التحذير المتكرر من قبل المحللين، وفي مقدمتهم محمد السنوسي وسعد الدينالي وناصر الهواري، من خطر التحول من بلد عبور إلى بلد مقصد وإقامة. فالأوطان المنهكة، كما يصفها عبد الرحيم، تصبح دائماً أكثر قابلية لتمرير المشاريع الكبرى فوق أرضها، لا لأنها اقتنعت بها، بل لأنها فقدت القدرة على الرفض.
إن التاريخ يعلمنا أن الفراغ السياسي والمؤسسي دائمًا ما يجذب التدخلات والهجرات وإعادة تشكيل الخرائط البشرية ببطء، حتى يكتشف الناس متأخرين أن ما ظنوه أزمة مؤقتة أصبح واقعاً دائمياً.
بين السيادة والالتزام: المأزق القانوني لاتفاقات سرية
في هذا المسرح المزدحم بالشكوك، يبرز تخوف مشروع تسلط عليه التحليلات الضوء: هل أقدمت حكومة الدبيبة منتهية الولاية في طرابلس على إبرام اتفاقات دولية سرية تتعلق بهذا الملف؟ يثير الخبير القانوني أحمد أبو مهارة مأزقاً قانونياً خطيراً، مشيراً إلى أن النقص التشريعي الليبي وعدم دسترة آلية إبرام المعاهدات، قد يسمح للسلطة التنفيذية بإبرام التزامات دولية بمجرد التوقيع، دون الحاجة لمصادقة السلطة التشريعية.
ويحذر من أن ممثلي الدولة وفقاً لاتفاقية فيينا (رئيس الحكومة أو وزير الخارجية) يملكون غطاءً قانونياً للالتزام باتفاقات قد ترتب أثاراً في مواجهة الدولة، دون أن تتمكن ليبيا من التذرع لاحقاً بأن هذا التوقيع خالف القانون الداخلي.
هذا الفراغ الدستوري والقانوني، الذي تستغله سلطة تفتقر للشرعية، يفتح الباب أمام سيناريوهات مظلمة، حيث يمكن تحويل ليبيا إلى ساحة لتنفيذ سياسات دولية تتعارض مع مصلحتها الوطنية، عبر اتفاقات تبرم في الغرف المغلقة بعيداً عن رقابة الشعب ومؤسساته التشريعية المنهكة.
إن هذا التحذير القانوني يضيف بعداً آخر لخطورة المرحلة، مؤكداً أن معركة السيادة لا تقتصر على الميدان الأمني، بل تمتد إلى دهاليز القانون الدولي.
مخاطر الانزلاق وضرورة الخطاب العقلاني
في خضم هذا الغضب المشروع، لا بد من التذكير بالقاعدة البديهية التي لا يجادل فيها أحد، وهي أن الاعتداء على أي إنسان مرفوض أخلاقياً وقانونياً ودينياً. وقد شدد الدبلوماسي محمد العكروت على ضرورة ابتعاد الخطاب الرسمي والشعبي عن التعميم والشمولية، مؤكداً أن ليبيا ترحب بكل أجنبي يدخلها بالطرق الشرعية، ولكنها ستعمل بكل حزم على إرجاع المخالفين، مثلما تفعل بقية دول العالم.
هذا الخطاب المتوازن الذي يرفض العنصرية ويتمسك بالسيادة في آن واحد، هو ما يجب أن يسود. فالتحذير من تداعيات الاحتجاجات العفوية وغياب القيادة، كما أشار إليه العديد من المحللين، ليس تهميشاً للغضب، بل خشية من أن تؤدي موجة عنف غير محسوبة إلى عواقب وخيمة، قد تمنح القوى الدولية مبررات جديدة للتدخل تحت غطاء حقوق الإنسان، كما حذر من ذلك جبريل العبيدي.
إن حماية المهاجرين الأبرياء من بطش شبكات التهريب واستغلالهم كأدوات للابتزاز السياسي هو جزء لا يتجزأ من السيادة الأخلاقية التي يجب أن تتحلى بها الدولة المنشودة، الدولة التي تحمي الإنسان دون أن تُلغي حدودها، وتحترم القانون الدولي دون أن تتحول إلى ساحة مفتوحة لمشاريع الآخرين.
استعادة الدولة أولاً: خلاصة المعركة الوطنية
في النهاية، تعود كل الخيوط لتلتقي عند نقطة واحدة: غياب الدولة القادرة على إدارة الملف بعقلانية وسيادة وعدالة. إنه أخطر ما يهدد ليبيا اليوم، كما يخلص إلى ذلك عبد الله عثمان عبد الرحيم وغالبية المحللين، فغياب الدولة هو الذي يحول ملف التوطين إلى فزاعة وجودية، وهو الذي يسمح للمنظمات الدولية بتجاوز حدودها، وهو الذي يشل قدرة البلاد على وضع استراتيجية وطنية للتعامل مع الهجرة.
لقد انحصر النقاش العقيم حول بقاء البعثة الأممية أو خروجها، في حين أن السؤال الحقيقي، كما يطرحه سعد ونيس، يتعلق بقدرة الدولة الليبية على بناء مؤسسات قوية قادرة على إدارة ملفات الهجرة واللجوء والانتقال السياسي. إن مستقبل ليبيا، كما يتفق الجميع، مرتبط بقدرتها على استعادة الدولة وفرض سيادتها قبل أي شيء آخر.
فالحدود المفتوحة في دولة ضعيفة ليست مجرد مشكلة أمنية، بل بداية لتحولات ديموغرافية وسياسية قد يصعب التحكم فيها. لقد كشف الغضب الشعبي الأخير عن حقيقة مرة، مفادها أن الليبيين لم يعودوا يثقون في حكومة مؤقتة عاجزة عن حمايتهم، وأن طوق النجاة لا يمكن أن يكون إلا في استعادة مشروع الدولة الوطنية الجامعة، دولة المؤسسات والقانون، التي تبدأ بحماية حدودها وتحديد سياستها، ثم تتعامل مع العالم من منطلق الفعل لا رد الفعل.



