انقسام حاد يضرب النخبة الليبية.. معركة الدعم تغرق في تحذيرات التضخم وتقنين النهب
الفيتوري يحذر من دائرة مفرقة وغيث يطالب بتدرج الإصلاح
ليبيا 24:
انقسام النخبة الليبية حول الدعم بين التحذير والإصلاح الفوري
فيما يشبه ورشة عمل وطنية مفتوحة، تحولت صفحات موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك إلى منصة للحوار الاقتصادي الأكثر سخونة في ليبيا، حيث تتقاطع التحليلات الأكاديمية مع التطلعات الإصلاحية والتحذيرات السياسية والأمنية.
الجولة الجديدة من هذا النقاش، التي قادها الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي الدكتور عطية الفيتوري، لم تكن امتداداً لجدل سابق فحسب، بل مثلت نقلة نوعية في عمق الطرح وتعدد زواياه، بعدما انضم إلى الحوار عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي السابق أمراجع غيث، ورجل الأعمال حسني بي، والخبير الاقتصادي الدكتور علي الشريف، ووزير الاقتصاد الأسبق منير عصر، والمرشح الرئاسي السابق الدكتور مبروك أبو عميد.
وإذ بدا للوهلة الأولى أن الجميع متفق على فشل المنظومة القائمة، سرعان ما كشف النقاش عن هوة واسعة بين دعاة التغيير، وبين من يرون أن أي إصلاح في ظل الدولة المنقسمة قد يكون أسوأ من المرض نفسه.
الفيتوري يفتح النار على “الدائرة المفرغة”
بدأ الدكتور عطية الفيتوري منشوره بواقعية لا تخلو من قسوة، معترفاً بأن “الكل يعرف أن هناك فساداً في استيراد المحروقات”، وأن البنزين في ليبيا هو “الأرخص بين كل دول العالم”.
لكنه انتقل سريعاً إلى رسم سيناريو كارثي لما قد يحدث لو تم رفع سعر اللتر إلى خمسة دنانير.
في حسابات ملموسة، أوضح أن تعبئة خزان سيارة بسعة خمسين لتراً سيقفز من سبعة دنانير ونصف إلى مئتين وخمسين ديناراً، أي أن التكلفة الشهرية للبنزين فقط، لمن يعبئ سيارته أسبوعياً، قد تصل إلى ألف دينار.
غير أن التحذير الأكبر لم يكن في تكلفة البنزين بحد ذاتها، بل في ما أسماه بـ”الدائرة المفرغة” التي ستدخل فيها الأسعار، حيث سيمتد الأثر كالعدوى إلى المواد الغذائية والأدوية والخضروات والمواصلات والخدمات، وصولاً إلى سعر صرف الدينار ذاته. وفي تحذير بدا موجهاً إلى قلب أطروحة الداعين للتحويل النقدي، قال الفيتوري إن المستفيد من هذا السيناريو هما “الحكومة والتجار، أي موردي السلع من الخارج”، بينما سيكون المواطن هو “الخاسر الأوحد”.
ثم كشف الفيتوري عن تناقض جوهري في مقترح الدعم النقدي كما يُطرح: فبينما علاوة الزوجة والأبناء تذهب إلى فئات محددة، فإن الدعم النقدي المقترح للبنزين سيُعطى لجميع المواطنين “سواء الذين لديهم سيارات أو الذين ليس لديهم”، وبمبلغ قد يصل إلى ستة آلاف دينار شهرياً للأسرة.
وتساءل: كيف يُسوَّق هذا على أنه دعم للفقير، بينما الأسرة التي لا تملك سيارة أصلاً ستحصل على المبلغ نفسه؟ ثم ألقى سؤالاً مقلقاً: “من أين ستوفر الحكومة 72 ألف دينار سنوياً لكل أسرة مكونة من ستة أفراد؟”.
وختم بإشارة إلى أن “الخبير الاقتصادي الحقيقي يمكن أن يقول رأياً ضد مصلحته الشخصية في سبيل المصلحة العامة”، في تلميح غير مباشر إلى أن بعض الداعين للإصلاح قد تكون لهم مصالح تجارية.
غيث يرد: الرفض المطلق ليس حلاً والتدريج هو المخرج
لم يتأخر رد الخبير الاقتصادي أمراجع غيث، الذي بدا حريصاً على عدم الدخول في مواجهة شخصية، لكنه في الوقت نفسه دافع بقوة عن رؤيته الإصلاحية. رد غيث انطلق من سؤال بسيط: إذا كانت “كل الدراسات الدولية تقول إن 80 بالمئة من الدعم العيني يذهب للأغنياء، فأين استفادة الفقير من الدعم؟”.
ثم انتقل إلى الأرقام، موضحاً أن دعم البنزين وحده يمثل نحو 30 بالمئة من إجمالي دعم المحروقات، أي حوالي 21 مليار دينار، متسائلاً عما يمكن فعله بهذا المبلغ لو تم توجيهه ولو جزئياً إلى الفئات الهشة.
غير أن أطروحة غيث تميزت عن غيره من دعاة الإصلاح بتأكيده المتكرر على مبدأ “التدريج” الذي يرفض معه أي تطبيق فوري أو ما أسماه بـ”طفرة مرة واحدة”.
ودعا إلى رفع سعر البنزين على فترات متعددة، مع دفع دعم نقدي للأسر، ثم دراسة النتائج خطوة بخطوة.
واستند إلى تجارب عملية سابقة في ليبيا نفسها، مثل منحة الألفي دينار بعد ثورة السابع عشر من فبراير، ومنحة عيد الأضحى، ثم منحة أرباب الأسر، كدليل على أن التوزيع النقدي ممكن تقنياً. واعترف بأنه “سيكون فيه فساد” في أي منظومة جديدة، لكنه استدرك بأن حجمه “ليس بحجم فساد منظومة الدعم الحالي”.
وعندما رد الفيتوري على غيث بأنه لا يتفق مع الدراسات التي تقول إن الدعم يذهب للأغنياء، وأن الحل هو “القضاء على الفساد نفسه وليس الدعم النقدي الذي سيثير التضخم”، عاد غيث ليوافقه على ضرورة مكافحة الفساد، لكنه أضاف أن منظومة الدعم الحالية هي بذاتها “واحد من أوجه الفساد” التي تساعد على التهريب والهدر، وأن إصلاحها ضرورة وليس ترفاً.
حسني بي يعود إلى الحلبة: “الكوبرا” في الوضع القائم وليس في الإصلاح
بدخول رجل الأعمال حسني بي على خط النقاش، أخذ الحوار بعداً أكثر حدة وإصراراً على التغيير. بي، الذي بات يُعرف بمحاكاة الأرقام وتقديم النماذج الكمية، استهل مداخلته بتصحيح ما اعتبره فهماً خاطئاً، قائلاً إن المطالبة ليست بإلغاء الدعم، بل باستبداله.
ثم استعار تعبيراً بليغاً ليرد على من يحذرون من “تأثير الكوبرا” للإصلاح، قائلاً: “الكوبرا موجودة الآن داخل البيت: سعر شبه مجاني، تهريب واسع، استهلاك غير رشيد، ضغط على ميزان المدفوعات، عجز، تضخم، وانهيار في القوة الشرائية”.
وانتقل بي إلى شرح آلية الإصلاح من منظور الاقتصاد السلوكي، موضحاً أن المواطن عندما يستلم الدعم نقداً “يصبح أكثر حرصاً في قراراته”، فمن يستهلك وقوداً أقل يحتفظ بجزء أكبر من دخله، مما يخلق حوافز للترشيد تخفض الاستهلاك والاستيراد والتهريب “بمليارات الدولارات سنوياً”.
وأقر بأن تكلفة النقل سترتفع، لكنه أصر على أن المواطن سيواجه هذه الزيادة “بدخل نقدي مباشر يسبق أو يواكب الإصلاح”، لا بجيب فارغ.
أما رده على الفيتوري تحديداً، فحمله إلى مستوى أكثر مباشرة، حين طالبه بإجراء “محاكاة رقمية” بدلاً من “الرأي غير الثابت رقمياً”، قائلاً: “إذا كان تقدير التضخم عندي بين 1.8 و3.5 بالمئة غير صحيح، فما هو تقديركم؟”.
وشرح فلسفته في التعامل مع الأرقام، مؤكداً أن الاقتصاد “تحكمه الأرقام”، لكنها وحدها لا تكفي، وأن الخلاف ينبغي أن يكون “بين أرقام وأرقام أخرى، وبين افتراضات وافتراضات أخرى”.
الشريف وعصر يدعمان جبهة التحذير: التوقيت والبنية التحتية
في هذه الأثناء، دخل الدكتور علي الشريف، الخبير الاقتصادي، بكلمات قليلة لكنها حملت وزناً كبيراً في سياق النقاش. معلقاً على منشور الفيتوري، قال الشريف إن ما يُطرح هو “كلام غير واقعي يتم التسويق في ظل دولة مقسمة وتدهور في عملتها وتضخم في موازنتها العامة وعدم قدرة الإيرادات على تغطية عجزها”.
هذه الجملة، على قصرها، مثلت تأييداً لموقف الفيتوري من زاوية إضافية، هي أن أي إصلاح في ظل الانقسام السياسي سيكون محكوماً بالفشل، بغض النظر عن جودته النظرية.
أما المداخلة الأكثر إثارة للجدل، فجاءت من وزير الاقتصاد والصناعة الأسبق منير علي عصر، الذي شن هجوماً عنيفاً على ما وصفه بـ”الفكر المحاسبي الضيق”. مخاطباً دعاة الإصلاح، كتب عصر: “هل فكرتم في نتائج ذلك في بلاد تفتقر للبنية التحتية ومواصلات عامة وتشرب بصهاريج المياه؟ هل فكرتم كم سيصبح صهريج الماء وباص المدرسة وأجار الشاحنات؟”.
وذهب إلى تحذير بالغ القسوة، مفاده أن الدول “تسجل تضخماً بـ5 بالمئة سنوياً فتهدد حكومات بالإزاحة وتدق ناقوس الخطر”، بينما رفع الدعم في ليبيا “سيسجل تضخماً بـ5000 بالمئة”. ودعا بدلاً من ذلك إلى “رد الاعتبار للدينار وسعره الحقيقي” بدل “الحلول التلفيقية لمواكبة الانهيار المدوي للدينار المستمر”.
أبو عميد يحذر من “تقنين النهب” وكشف فساد البحر
لكن المداخلة التي قلبت النقاش رأساً على عقب، وأضافت إليه بعداً أمنياً وسياسياً غير مسبوق، جاءت من المرشح الرئاسي السابق الدكتور مبروك محمد أبو عميد. الرجل لم يكتف بالتحذير من الآثار الاقتصادية، بل كشف عما يمكن وصفه بالوجه الآخر للفساد، قائلاً إن “الفساد الحقيقي يبدأ من المسؤولين عن عقود توريد الوقود حتى وصوله إلى الموانئ وخزانات التوزيع، لأن ليس كل ما يتم التعاقد عليه يصل كله إلى الموانئ، والتهريب الحقيقي يتم في عرض البحر”، مستنداً إلى تقارير الأمم المتحدة.
ثم أطلق أبو عميد تحذيراً هو الأخطر في مجمل هذا النقاش: أن رفع الدعم الآن، في ظل الدولة المنقسمة التي لا تحترم أحكام القضاء، لن يؤدي إلى إصلاح بل إلى “تقنين النهب”.
وأوضح أنه “بمجرد إصدار قانون أو قرار برفع الدعم سوف تتحول الأموال إلى الحكومة ونهبها من جديد تحت مظلة القانون دون أن يستفيد المواطن منها، كما تم نهب تريليون ومليار دينار الذي أكدته الأجهزة الرقابية، وكما تم نهب قيمة رفع الدعم عن السلع التموينية والأساسية”. ودعا إلى تفعيل منظومة مراقبة إلكترونية تبدأ من لحظة وصول البواخر إلى محطات الوقود، معتبراً أن الأجهزة الرقابية والأمنية “قادرة على منع التهريب عبر الحدود البرية إذا ما صدقت النوايا فعلاً”.
إلى أين يمضي النقاش؟
ما كشفته هذه الجولة من النقاش أن الانقسام الليبي حول إصلاح الدعم أعمق مما بدا في الجولات السابقة. فلم يعد الخلاف محصوراً بين “دعم عيني” و”دعم نقدي”، بل أصبح يشمل أسئلة وجودية حول قدرة الدولة المنقسمة على تنفيذ أي إصلاح دون أن يتحول إلى أداة جديدة للفساد.
وعند نقطة التقاطع بين تحذير الشريف من “دولة مقسمة”، وتحذير أبو عميد من “تقنين النهب”، وتحذير عصر من “تضخم بـ5000 بالمئة”، يقف المواطن الليبي حائراً بين وعد حسني بي بإخراجه من الفقر، وتخويف الفيتوري من دائرة مفرغة لا خروج منها.
وفيما يطالب غيث بالتدريج المدروس، يصر بي على أن استمرار الوضع القائم هو الخطر الأعظم، بينما يتمسك الفيتوري بأن العلاج هو “القضاء على الفساد أولاً”.
وبين هذه المواقع جميعاً، تظل المشكلة الحقيقية أن أحداً لا يمتلك إجابة شافية عن سؤال أبي عميد: كيف نصلح في ظل دولة لا تحترم أحكام القضاء، وأموال منهوبة بالتريليونات، وتهريب يحدث في عرض البحر قبل أن يصل الوقود إلى الموانئ أصلاً؟
في المحصلة، لم يعد النقاش حول الدعم نقاشاً اقتصادياً بحتاً، بل تحول إلى ما يشبه مرآة تعكس مأزق الدولة الليبية برمتها: نخبة متنافرة الرؤى، مؤسسات غائبة، فساد مستشري، ومواطن ينتظر أن يحسم “الفيسبوك” مصيره.



