ليبيا على مشارف فوضى الأقاليم: “إقليم الوسطى” مشروع سياسي في ظل فراغ الدولة ودعوة مقنّعة للتقسيم
نواب وخبراء دستوريون يجمعون على عدم قانونية الإقليم المعلن
ليبيا 24:
إقليم الوسطى محاولة لتفتيت ليبيا وصمت حكومي مريب
في لحظة الاحتقان الوطني، يولد إقليم بلا أب شرعي
في توقيت تغرق فيه ليبيا في مستنقع الانسداد السياسي، وتتآكل فيه شرعية المؤسسات القائمة، يبرز إعلان ما يُسمى بـ”إقليم المنطقة الوسطى” كحدث ليس عابراً في المشهد الليبي، بل كجمرة ملتهبة تُلقى في كومة القش المتراكمة من الأزمات.
الإعلان، الذي صدر بتوقيت بدا مريباً وبتفاصيل تفتقر إلى الحد الأدنى من التوافق الوطني، لا يمكن فصله عن سياق أوسع من المحاولات المحمومة لإعادة رسم خريطة ليبيا السياسية والإدارية تحت جنح الفوضى وغياب سلطة مركزية موحدة.
وبينما تحاول الجهات الواقفة خلف هذا الطرح تسويقه تحت يافطة اللامركزية الخدمية والتنموية، تكشف شهادات النخبة السياسية والقانونية والأكاديمية الليبية عن حقيقة أكثر قتامة؛ مفادها أن ما يحدث ليس مجرد مبادرة تنموية، بل هو مشروع سياسي بامتياز، يهدف إلى خلق لاعب جديد على الساحة، ويفتح الباب على مصراعيه أمام تقسيم المقسم وتفتيت المفتت، في وقت تقف فيه حكومة الدبيبة منتهية الولاية عاجزة عن الردع أو حتى الشجب الفاعل، تاركة البلاد فريسة لمغامرات تهدد كيانها الموحد.
البعد السياسي الخفي: خلق لاعب جديد لا إقليم خدمي
في تحليل عميق لماهية الإعلان، يذهب عضو مجلس النواب عبد المنعم العرفي إلى جوهر القضية دون مواربة، مؤكداً أن الفكرة من إنشاء الإقليم لا تندرج تحت الجانب الخدمي كما يُروج لها، بل إن لها أبعاداً سياسية يراد إيصالها، ويراد منها خلق لاعب جديد في البلاد.
هذا التصريح يضع النقاط على الحروف ويكشف الغطاء عن محاولة لاستحداث كيان سياسي موازٍ، يستند إلى شرعية محلية مشكوك فيها، ليكون طرفاً في معادلة الصراع على السلطة والموارد.
ففي بلد ممزق، يأتي هذا الإقليم كثقل سياسي يمكن توظيفه كورقة ضغط، لا كمشروع لتحسين الخدمات أو تقريب الإدارة من المواطن.
ويؤكد العرفي على ثوابت دستورية حاسمة، مشيراً إلى أنه بموجب قرار الأمم المتحدة القاضي باستقلال ليبيا، فإن البلاد مبنية على ثلاثة أقاليم، ثم تشكلت كدولة اتحادية بموجب دستور عام 1951.
هذا الاستحضار التاريخي ليس ترفاً أكاديمياً، بل هو تذكير بأن أي محاولة لاستحداث أقاليم جديدة خارج هذا الإطار التاريخي والدستوري تمثل خروجاً على الإجماع الوطني الذي قامت عليه الدولة الليبية.
ويقطع العرفي بأن الليبيين لن يرضوا بهذه الفكرة، كما أن مجلس النواب لن يقبل بها، ولن يتم العمل بها لأنها مجرد إعلان من جانب واحد، مما يعكس إجماعاً تشريعياً وشعبياً رافضاً لهذا المشروع العبثي.
من جانبه، يقدم إلياس الباروني، عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، قراءة أكثر عمقاً للظروف التي سمحت بظهور هذه المبادرة، موضحاً أنه في ظل غياب سلطة مركزية موحدة وقادرة على إدارة التوازنات الجغرافية والتنموية، أصبحت العديد من المبادرات ذات الطابع الخدمي أو التنسيقي قابلة للتأويل السياسي.
الباروني يرى أن الإعلان عن إقليم الوسطى لا يمكن فصله عن النقاشات الدائرة حول اللامركزية، وتوزيع الموارد، وإعادة هندسة السلطة المحلية.
أي أنه ليس مجرد إعلان بريء، بل هو مناورة في لعبة الأمم الكبرى حول كيفية إعادة توزيع ثروة ليبيا ونفوذها الإداري.
ويزيد الباروني الطين بلة بتأكيده أن التوقيت وطريقة الإعلان والخلفية السياسية السائدة تجعل من الصعب الفصل بين البعدين الخدمي والسياسي، مشدداً على أن هذه الازدواجية في الخطاب هي جوهر الأزمة، حيث يتم تسويق المشاريع السياسية البحتة تحت شعارات تنموية لتمريرها على قاعدة شعبية منهكة من سوء الخدمات.
الإجماع القانوني على العدمية: تشريح قانوني لإعلان لا يستند إلى أي أساس
إذا كان الجانب السياسي يثير الريبة، فإن الجانب القانوني يكشف عن كارثة مدوية في جوهر الإعلان؛ فهو وبإجماع النخبة القانونية، عدم قانوني، لا أساس له في التشريعات الوطنية النافذة، وهو أقرب إلى بيان نوايا منه إلى إجراء إداري منشئ للحقوق والالتزامات.
هذا الإجماع ليس مجرد رأي، بل هو حكم قضائي أكاديمي وفقهي مسبق على ولادة مشوهة لكيان لا مستقبل له في دولة القانون.
العميد السابق لكلية القانون بجامعة سرت، الدكتور خليفة حواس، يقدم تشريحاً قانونياً كاملاً للمسألة، مؤكداً بشكل قاطع أن التشريعات الليبية النافذة لا تتيح إنشاء أقاليم إدارية جديدة بقرارات محلية أو إدارية تصدر عن بلدية أو جهة منفردة.
ويوضح حواس أن مسألة الأقاليم ترتبط بالأساس الدستوري والتنظيم الإداري للدولة، ولا يمكن التعامل معها خارج هذا الإطار.
في تاريخانية دستورية دقيقة، يعود حواس إلى الوراء ليؤكد أن ليبيا عند استقلالها عام 1951 اعتمدت نظام الولايات الذي كان يمثل في جوهره نظام الأقاليم، حيث تم دسترة هذا النظام، قبل أن تنتقل البلاد لاحقاً إلى نظام اللامركزية الموسعة بموجب التعديل الدستوري لعام 1963، وهو ما أدى إلى انتهاء العمل بنظام الولايات والأقاليم بصيغته السابقة.
الأهم في تحليله هو تأكيده أن مفهوم الإقليم اختفى من البناء الإداري الليبي قبل عام 1969 بسنوات عديدة، ولم يعد له وجود في التشريعات، مما يعني أن من يقفون وراء هذا الإعلان يحاولون إحياء كيان ميت قانونياً ودستورياً منذ أكثر من نصف قرن.
ويضيف حواس بعداً دستورياً حاسماً بأن الأصل في إنشاء الأقاليم هو أصل دستوري وليس مجرد مسألة ينظمها قانون عادي، وأن أي تصور مستقبلي لإعادة استحداث نظام الأقاليم يجب أن يكون على مستوى الدولة الليبية كاملة وليس في منطقة بعينها دون غيرها.
ويحسم الجدل حول القانون رقم 59 لسنة 2012، الذي يحاول البعض الالتفاف عليه، موضحاً أنه أتاح إمكانية إنشاء أقاليم اقتصادية وتنموية ذات طبيعة تنسيقية بين البلديات، لكنه لم ينص على إنشاء أقاليم إدارية مستقلة.
ويصل حواس إلى خلاصة قانونية لا تقبل التأويل بأن أي إجراء إداري أو سياسي مشروع، يجب أن يستند إلى قاعدة قانونية أو نص تشريعي يجيزه، وأن أي قرار يصدر في هذا الاتجاه دون سند قانوني يعد من الناحية القانونية قراراً معدوماً لا يرتب أي آثار قانونية، مما يعني أن هذا الإعلان هو والعدم سواء في نظر القانون.
أستاذ القانون الخاص، راقي المسماري، يضيف طبقة أخرى من التحليل التقني الدقيق لنفس القانون، موضحاً أن القانون رقم 59 وضع هيكلاً واضحاً للوحدات الإدارية التي تبدأ بالمحلة ثم البلدية ثم المحافظة.
ويكشف المسماري عن ثغرة قاتلة في مشروعية الإعلان، مشيراً إلى أن المادة 44 من القانون تناولت إمكانية تكوين “إقليم اقتصادي” من مجموعة محافظات، وليس إقليماً إدارياً أو سياسياً، وهو ما يقتصر دوره على الجوانب الاقتصادية والتنموية.
وهنا المفاجأة المدوية التي يعلنها المسماري: ليبيا، حتى اللحظة، لا تضم محافظات قائمة فعلياً! إنشاء المحافظات يتطلب صدور قانون خاص، وهذا لم يحدث. فكيف يمكن إنشاء إقليم، حتى لو كان اقتصادياً، من محافظات غير موجودة أصلاً؟ إنها متاهة قانونية تكشف عبثية الطرح وتهافته.
ويختتم المسماري تحليله بالتأكيد على أن الغاية الأساسية هي التنمية المستدامة والتخطيط الإقليمي، وهي أدوار لا يمكن أن تُمارس بقرارات فوقية من طرف واحد، بل بمشاركة جميع الأطراف عبر هيئة إدارية هي مجلس تخطيط الإقليم المنصوص عليه قانوناً، لا عبر بيانات وإعلانات أحادية.
وفي الإطار نفسه، يصف رئيس لجنة الحريات السابق بنقابة المحامين، محمد العلاقي، الإجراء بأنه “مجرد عبث”، موضحاً أن استحداث أقاليم جديدة هو مشروع يتم من أعلى سلطة وبناء على دراسة جغرافية وديمغرافية واقتصادية.
ويتساءل العلاقي بأسى وغضب: “ما هذا العبث والسعي لتعقيد المشهد المعقد أصلاً؟”. هذه العبارة تختصر الأزمة الليبية برمتها؛ فبدلاً من حلحلة التعقيدات القائمة، تأتي مبادرات كهذه لتزيد الطين بلة، وتضيف طبقة جديدة من المشاكل فوق طبقات متراكمة من الانقسام والفوضى.
مفارقة التهميش: صرخة الجنوب الشرقي وكشف الأقنعة
في مقابل طرح “إقليم الوسطى”، يبرز صوت آخر من عمق ليبيا المهمشة ليكشف زيف الادعاءات القائمة على منطق التهميش والحرمان، مقدماً حجة دامغة على أن الدوافع أبعد ما تكون عن تحقيق العدالة التنموية.
عضو مجلس النواب عن الكفرة، جبريل أوحيدة، يصف الإعلان بأنه “وهم أعطي أكبر من حجمه”، نافياً وجود أي أساس تشريعي أو تاريخي أو جغرافي له.
ويقدم أوحيدة مفارقة صارخة تفضح الادعاءات بأن دوافع الإقليم خدمية بحتة، متسائلاً: إذا كانت هذه الإجراءات تُتخذ ذاتياً وبسبب التهميش، فإن مناطق جغرافية مثل “الجنوب الشرقي” أولى بإعلان نفسها إقليماً جديداً!
أوحيدة يضع النقاط على الحروف بأرقام وحقائق دامغة: الجنوب الشرقي تتجاوز مساحته ربع ليبيا، ويضم ثلث ثرواتها الطبيعية، وبلدياته ومدنه أكثر تهميشاً من المنطقة الوسطى بكثير.
هذه المقارنة تكشف بجلاء أن معيار التهميش ليس هو المحرك الحقيقي، بل هي أطماع سياسية ومحاولات لاستغلال الفوضى لإعادة التموضع في خريطة النفوذ.
ويختم أوحيدة بالتأكيد على أن مرجعية التقسيمات الإدارية تاريخياً معروفة، من الأقاليم إلى المحافظات إلى الشعبية إلى البلديات، وأن ما سمي بالإقليم الرابع لا علاقة له بأي من هذه المرجعيات، مؤكداً أن هذه الإجراءات ليست سوى نبتة شيطانية في تربة الفوضى.
ويأتي صوت رئيس اللجنة القانونية بالمجلس الأعلى للدولة، عادل كرموس، ليقدم تحليلاً اجتماعياً وسياسياً عميقاً لجذور هذه الظاهرة دون أن يبررها.
كرموس يقر بأن كل شيء وارد في ظل الفوضى وغياب سيطرة الدولة، بما في ذلك طلب تقسيم البلاد إلى أقاليم أو دويلات.
وهو لا يلوم المواطن في ظل غياب الدولة وسوء توزيع الثروة، حيث يشعر المواطن في كل شبر بأنه مهمش وأن حقوقه مهضومة ومنهوبة، وأن كيانات معينة مستفيدة من هذه الحقوق.
هذا التشخيص الدقيق يكشف أن مشاريع الأقاليم ليست سوى عرض لمرض أعمق هو فشل الدولة في تحقيق العدالة وتوزيع الثروة، لكن كرموس يسارع إلى القول بأنه لا يبرر ولا يؤيد مثل هذه التصرفات، لأنها لا تؤدي إلا إلى تقسيم المقسم وتفتيت المفتت. هنا تكمن المفارقة الكبرى: الداء هو التهميش، والدواء المطروح هو القسمة والانفصال، وهو دواء أشد فتكاً من الداء نفسه.
رفض من الداخل: جبهة البلديات في مواجهة التقسيم
لم يكن الرفض لمشروع إقليم الوسطى حكراً على النخب السياسية والأكاديمية، بل جاء رفض قوي من الداخل، من بعض البلديات التي يفترض أنها معنية بهذا الإقليم، مما يعكس حالة من الوعي المبكر بمخاطر هذا المشروع، وغياب أي توافق حتى بين مكوناته المفترضة.
عضو مجلس النواب عبد المنعم العرفي يؤكد أن رفض بعض البلديات لهذا الطرح جاء للحفاظ على استقلال الدولة الليبية، وكان خطوة استباقية ضد التقسيم أو مطالبات أخرى بأقاليم إضافية.
هذا الموقف يعكس خوفاً وجودياً من أن يكون هذا الإقليم حجر الدومينو الأول في سلسلة طويلة من التقسيمات.
ويقدم إلياس الباروني تحليلاً بنيوياً لهذا الرفض، معتبراً أنه يعكس استمرار أزمة الثقة بين المؤسسات المحلية، وغياب التوافق حول آليات اتخاذ القرارات ذات البعد الجهوي.
ويكشف الرفض أيضاً، بحسب الباروني، عن وجود مخاوف لدى بعض البلديات من أن تؤدي مثل هذه المبادرات إلى فرض وقائع جديدة دون توافق وطني أو قانوني واضح، قد تزيد من تعقيد المشهد الليبي.
هذا التحليل يعني أن حتى داخل المنطقة الوسطى نفسها، هناك إدراك بأن هذه المبادرة ليست جامعة بل مفرقة، وأنها قد تكون مقدمة لفرض أمر واقع من قبل جهة معينة على الأخرى، مما يخلق صراعات جديدة داخل الإقليم الواحد بدلاً من حلها.
سلطة غائبة ومسؤولية مضاعة: حكومة الدبيبة تحت المجهر
في خضم هذا الجدل المحموم، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه: أين كانت حكومة الدبيبة منتهية الولاية مما يحدث؟ الإجابة التي تقدمها المعطيات مروعة، فهي حكومة إما عاجزة أو متواطئة، وفي كلتا الحالتين تتحمل المسؤولية التاريخية عن أي انزلاق نحو التقسيم.
محمد العلاقي يوجه سهام نقده اللاذع إلى أعلى هرم السلطة التنفيذية، قائلاً: “الغريب أن يتم ذلك تحت أنظار المجلس الرئاسي وتحت أنظار الحكومة”. هذا التجاهل ليس مجرد تقصير، بل هو تغاضٍ مريب.
حكومة فقدت شرعيتها الانتخابية ولم تعد تملك تفويضاً شعبياً لإدارة البلاد، تقف متفرجة، أو لعلها ترى في هذه الفوضى وهذه المشاريع الانقسامية فرصة لإطالة أمد بقائها في السلطة، وفقاً لمنطق “كلما زادت الفوضى، زادت الحاجة إلى أي سلطة قائمة، حتى لو كانت منتهية الصلاحية”.
إن غياب الردع الحكومي القوي، والصمت المريب أمام إعلانات تمس وحدة البلاد، يطرح تساؤلات حول مدى استفادة هذه الحكومة من إشغال الشارع الليبي بقضايا هامشية، أو ما هو أخطر، استخدامها هذه المشاريع كورقة ضغط في المفاوضات السياسية الخاسرة.
لا يمكن فهم صمت حكومة الدبيبة إلا في سياق أنها حكومة غير معنية بوحدة البلاد بقدر ما هي معنية ببقائها. فكل انقسام جديد، وكل كيان جديد، هو تآكل جديد لسلطة الدولة المركزية التي لم تعد تسيطر عليها، مما يخلق فراغاً يمكن للميليشيات والمصالح الضيقة أن تملأه، وهو ما يطيل عمر حكومة فقدت كل مسوغات الوجود.
أزمة إدارة التنوع: نحو فهم أعمق لمستقبل شكل الدولة
بعيداً عن لعبة التخوين والتسييس، يقدم إلياس الباروني إطاراً تحليلياً متكاملاً لاستيعاب ما يجري، مؤكداً أن التداعيات التي صاحبت إعلان إقليم الوسطى تؤكد أن ليبيا لا تعاني فقط من أزمة مؤسسات، بل من أزمة إدارة للتنوع الجغرافي والمناطقي.
هذا التحول في التشخيص من أزمة مؤسسات إلى أزمة إدارة تنوع هو نقلة نوعية في فهم الأزمة الليبية. فالبلاد ليست مجرد كيان موحد بالقوة، بل هي نسيج متنوع يحتاج إلى إدارة رشيدة لهذا التنوع، لا إلى محاولات تفتيته أو إلغائه.
ويؤكد الباروني أن نجاح أي ترتيبات إقليمية أو تنسيقية مستقبلاً يظل مرهوناً بوجود إطار قانوني واضح وتوافق واسع بين البلديات، وضمانات تمنع استغلال هذه المبادرات في تكريس الانقسام.
رسالة الباروني واضحة: اللامركزية وإدارة التنوع مطلبان مشروعان، لكنهما يحتاجان إلى مشروع وطني شامل، لا إلى مبادرات أحادية ومريبة في ظلام الفوضى.
ويصل الباروني إلى العمق الاستراتيجي للأزمة، مؤكداً أن الجدل الذي أثاره الإعلان لا يتعلق بالإعلان ذاته، بقدر ما يعكس أزمة أعمق تتصل بمستقبل شكل الدولة الليبية.
هل تبقى ليبيا دولة موحدة ذات سيادة على كامل ترابها، أم تتحول إلى كانتونات طائفية وجهوية متناحرة؟ هذا هو السؤال الوجودي الذي يطرحه إعلان إقليم الوسطى، والذي يتطلب إجابة وطنية حاسمة تتجاوز حسابات الحكومات منتهية الولاية والمصالح الضيقة.
نحو عقد وطني لإنقاذ الدولة من فوضى الأقاليم
في المحصلة، فإن مشروع “إقليم المنطقة الوسطى” المعلن يمثل، في أفضل الأحوال، مغامرة غير محسوبة العواقب، وفي أسوئها، مؤامرة مكتملة الأركان لتقويض ما تبقى من أسس الدولة الليبية الموحدة.
لقد اجتمعت كل القرائن – السياسية والدستورية والقانونية والتاريخية – لتؤكد أن هذا الكيان لا يمتلك أي شرعية، وأنه نتاج لحظة فراغ وفوضى، لا مشروعاً وطنياً قابلاً للحياة.
ليبيا 24، إذ ترفع صوتها في خضم هذا الجدل، تؤكد على ثوابتها الراسخة في دعم وحدة الأراضي الليبية وسيادتها غير القابلة للتجزئة، وتعتبر أن أي مساس بهذه الوحدة هو خط أحمر لا يمكن التسامح معه.
إننا نقف بقوة مع صوت العقل والقانون الذي عبر عنه النواب والخبراء الدستوريون والمختصون، ونرى في رفض البلديات لهذا المشروع بارقة أمل تعكس وعياً شعبياً بمخاطر التقسيم.
لم يعد مقبولاً أن تظل البلاد رهينة لمبادرات عبثية تصدر من هنا وهناك، تحت أنظار حكومة فقدت شرعيتها وأصبحت جزءاً من المشكلة لا جزءاً من الحل.
إن الطريق الوحيد لإنقاذ ليبيا يكمن في بناء عقد وطني جديد، يستند إلى قاعدة دستورية واضحة، ويفضي إلى سلطة تشريعية وتنفيذية موحدة ومنتخبة، قادرة على إدارة التنوع الليبي بعدالة، وتوزيع ثرواته بإنصاف، وتجفيف منابع التهميش التي يستغلها دعاة الفتنة والتقسيم.
حتى ذلك الحين، ستظل أبواق الفوضى تدق طبول الأقاليم والدويلات، وسيبقى ضمير الوطن حياً في صدور الرافضين لهذا العبث، من النخب إلى البلديات إلى كل مواطن حر يأبى أن يكون شاهداً على تصفية وطنه.



