ليبيا بين معضلة الماضي واستعادة هيبة الدولة.. رؤية الحجازي لمستقبل الوطن
الحجازي: استعادة الدولة تبدأ بمساءلة من أوصل الفاسدين للقرار
ليبيا 24
الحجازي: مستقبل ليبيا رهين تجاوز الجراح وليس تصفية الحسابات
في تحليل معمق يرسم خارطة طريق للخروج من النفق الليبي المسدود، يطرح المحلل السياسي خالد الحجازي رؤية تتجاوز التنظير السياسي التقليدي لتلامس جوهر الأزمة الوطنية، محذراً من أن استمرار استثمار بعض الأطراف في الخلافات لتحقيق مكاسب خاصة يمثل العقبة الكبرى أمام وحدة البلاد.
منطق المستقبل لا الانتقام من الماضي
قال الحجازي في منشور موسع عبر صفحته على فيسبوك، إن توحيد الليبيين لا يبدأ بإقناع الجميع بأنهم كانوا على خطأ، بل بإقناعهم بأن مستقبل ليبيا أهم من خلافات الماضي.
وأوضح أن المجتمعات التي مرت بحروب وانقسامات لا تنجح عندما تنتصر فئة على أخرى، وإنما عندما تتفق على العيش المشترك رغم اختلاف الروايات والمواقف، لافتاً إلى أن القاعدة الذهبية للمصالحة تكمن في عدم مطالبة الليبيين بنسيان الماضي، بل بتعلم كيف لا يجعلونه رهينة لمستقبلهم.
خارطة طريق من سبعة مسارات
وفصّل الحجازي رؤيته عبر سبعة مسارات مترابطة، تبدأ بالاعتراف المتبادل بالمعاناة، مشدداً على أن كل مدينة وقبيلة وتيار سياسي لديه جراحه وخسائره، ما يستوجب الاعتراف بآلام الجميع دون انتقائية أو إقصاء.
وأكد على ضرورة تقديم الهوية الوطنية على الهويات الفرعية، بحيث تكون “ليبيا أولاً” فوق الانتماءات الجهوية والقبلية والسياسية، فالإختلاف في الرأي لا يلغي الانتماء للوطن.
ودعا المحلل السياسي إلى إطلاق مشروع مصالحة وطنية حقيقي يقوم على الحقيقة والعدالة وجبر الضرر، وليس مجرد لقاءات إعلامية أو اتفاقات سياسية مؤقتة، مقروناً بوقف خطاب الكراهية والتحريض، إذ لا يمكن بناء وحدة وطنية بينما تستمر لغة التخوين والتشفي المتبادل بين الليبيين.
وأشار إلى أهمية التركيز على القضايا المشتركة التي تهم جميع الليبيين بغض النظر عن انتماءاتهم، وفي مقدمتها الأمن، الاقتصاد، الخدمات، التعليم، الصحة، والسيادة الوطنية.
الشباب جسر العبور والقيادة الجامعة ضرورة
ولم يغفل الحجازي عن دور الجيل الجديد، مؤكداً أن إشراك الشباب يمثل ركيزة أساسية، فهم أقل ارتباطاً بصراعات الماضي ويمكن أن يكونوا جسراً نحو مستقبل أكثر استقراراً. وشدّد على أن ليبيا تحتاج إلى شخصيات ومؤسسات تتحدث بلغة التوافق لا المغالبة، وتبحث عن المشترك لا عن نقاط الخلاف.
مساءلة من أوصل الفاسدين إلى القرار
في شق آخر من تحليله، انتقل الحجازي إلى تشخيص أسباب ضياع هيبة الدولة وتراجع السيادة الوطنية، متسائلاً: كيف تمكن الفاسدون والانتهازيون من الوصول إلى مواقع القرار؟ ولماذا أصبح مصير الوطن عرضة للتدخلات الأجنبية والإملاءات الخارجية؟
وأجاب بأن ما حدث لم يكن نتيجة خطأ واحد أو طرف واحد، بل تراكم سنوات من الانقسام والصراع وسوء الإدارة والتدخلات الخارجية التي استغلت حالة الفوضى.
وحذّر الحجازي من أن المشكلة ليست دائماً في اسم النظام أو شعاراته، بل في المبادئ التي تحكم السلوك وفي معيار الكفاءة والنزاهة. وقال إنه حين يُقدَّم الولاء على الكفاءة والمصلحة الشخصية على المصلحة الوطنية، تكون النتيجة واحدة مهما اختلفت المسميات.
وأضاف أنه لا يكفي تحميل الأنظمة وحدها مسؤولية الفساد والإخفاق، بل يجب أيضاً مساءلة من أوصل الفاسدين والانتهازيين إلى مواقع القرار ومن منحهم الشرعية والدعم للاستمرار، فالدولة لا يفسدها نظام سياسي فقط، وإنما تفسدها ممارسات أشخاص يضعون مصالحهم فوق مصلحة الوطن.
مراجعة شاملة دون إقصاء
وشدد الحجازي على أن العبرة ليست بالماضي الذي ينتمي إليه الشخص، بل بما يقدمه للوطن من عمل ونزاهة والتزام بالمصلحة العامة. ودعا إلى مراجعة شاملة للتجربة كلها، بعيداً عن منطق التخوين والإقصاء، وبعيداً عن تقسيم الليبيين إلى فئات متصارعة.
وأكد أن استعادة الوطن لا تكون بتبادل الاتهامات، بل بالاعتراف بالأخطاء وترسيخ المصالحة وبناء مؤسسات قوية.
واختتم الحجازي تحليله بالتأكيد على أن ليبيا اليوم لا تحتاج إلى المتعصبين أو المتشددين من أي تيار أو توجه، بل تحتاج إلى الوطنيين المخلصين الذين يضعون مصلحة الوطن فوق المصالح الشخصية والحزبية والجهوية.
وشدد على أن المستقبل لا يُبنى بالانتقام من الماضي، وإنما بالاعتراف بالأخطاء واستخلاص الدروس واختيار الأكفأ لخدمة الوطن، فالأوطان لا تضيع في يوم واحد ولا تستعاد بشعار واحد، وإنما بإرادة شعبية صادقة تؤمن بأن ليبيا تستحق دولة مستقلة ذات سيادة كاملة يحكمها القانون ويحميها أبناؤها.



