ليبيا

ارتفاع تكلفة استهلاك الكهرباء في ليبيا يثير استياءً واسعاً وسط شكاوى من سرعة نفاد أرصدة العدادات

زيادة التكلفة تتزامن مع ضغوط معيشية متزايدة واستمرار انقطاعات التيار

أثارت الزيادات التي طرأت على تكلفة استهلاك الكهرباء في ليبيا موجة واسعة من الشكاوى بين المواطنين، بعد تسجيل ارتفاع ملحوظ في قيمة الاستهلاك وسرعة نفاد أرصدة العدادات مسبقة الدفع، في وقت تواجه فيه الأسر الليبية ضغوطاً اقتصادية متزايدة نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، بالتزامن مع استمرار أزمة انقطاع التيار الكهربائي وارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف.

وأمام محطة جباية الكهرباء بمنطقة إنجيلة غربي طرابلس، عبّر عدد من المواطنين عن استغرابهم من الزيادة المفاجئة في قيمة الاستهلاك، مؤكدين أن أرصدة العدادات أصبحت تنفد خلال فترة أقصر مقارنة بالأشهر السابقة، رغم عدم حدوث تغيرات جوهرية في معدلات الاستخدام.

وقال مواطنون إن قيمة الاستهلاك الشهرية تضاعفت تقريباً مقارنة بالفترات الماضية، موضحين أن رصيد العداد كان يكفي لفترة أطول عندما كان متوسط الإنفاق الشهري لا يتجاوز 20 ديناراً، بينما أصبح الرصيد حالياً ينفد بسرعة دون وجود تفسير واضح للأسباب.

وفي حي الأندلس بالعاصمة، أشار مواطنون إلى أن فاتورة استهلاك الكهرباء لشهر يونيو تجاوزت 85 ديناراً رغم صغر حجم أسرهم، معتبرين أن قيمة التعرفة تبدو أعلى من السابق، كما لفتوا إلى اقتطاع ثلاثة دنانير من كل عملية شحن تحت بند الخدمات، من دون توضيح طبيعة تلك الرسوم للمستهلكين.

وفي المقابل، يرى بعض المواطنين أن مراجعة تعرفة الكهرباء قد تكون مرتبطة بارتفاع تكلفة إنتاج الطاقة واستمرار الدعم الحكومي، إلا أنهم يؤكدون أن توقيت تطبيق أي زيادة يمثل عبئاً إضافياً على الأسر في ظل ثبات الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة، بما يشمل الغذاء والوقود والاتصالات والخدمات الأساسية.

كما أوضح مواطنون أن موجة الحر الحالية رفعت معدلات استهلاك الكهرباء بصورة طبيعية نتيجة الاعتماد المكثف على أجهزة التكييف، خاصة في المنازل التي تضم أطفالاً وكبار السن، ما جعل أي زيادة في تكلفة الاستهلاك أكثر تأثيراً على الميزانيات الأسرية.

ارتفاع فعلي في التعرفة وتساؤلات حول آلية التطبيق

وتاتي هذه الشكاوى في ظل تطبيق التعرفة المنصوص عليها في قرار مجلس الوزراء رقم 92 لسنة 2023 بشأن تحديد أسعار بيع الطاقة الكهربائية، والذي حدد سعر الكهرباء للاستهلاك المنزلي عند 40 درهماً للكيلوواط/ساعة، مقابل 25 درهماً للمشتركين المستفيدين من نظام الأقساط المصرفية أو الخصم المباشر من المرتبات.

وكشفت ثلاثة مصادر مسؤولة في الشركة العامة للكهرباء أن التعرفة المطبقة على شريحة واسعة من المشتركين المنزليين ارتفعت فعلياً من 25 إلى 40 درهماً للكيلوواط/ساعة، بما يعادل زيادة تقارب 60%، بينما لا يزال المشتركون في نظام الأقساط المصرفية يسددون وفق التعرفة الأقل من خلال الخصم المباشر.

ولم توضح المصادر الأسباب التي دفعت إلى استمرار تطبيق تعريفتين مختلفتين على المشتركين، كما لم تبين الأساس القانوني أو الفني الذي استندت إليه الشركة في هذا التفاوت، الأمر الذي أثار تساؤلات لدى المواطنين بشأن آلية احتساب قيمة الاستهلاك ومعايير تطبيق الأسعار الجديدة.

خبراء: إصلاح الدعم يحتاج إلى وضوح وعدالة في التطبيق

ويأتي الجدل الحالي في وقت يشير فيه صندوق النقد الدولي إلى أن ليبيا تعد من أعلى دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معدل استهلاك الكهرباء للفرد، موضحاً أن البلاد استخدمت خلال عام 2023 نحو عشرة مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي وخمسة ملايين برميل من النفط لتوليد الكهرباء، بتكلفة إجمالية بلغت 4.4 مليارات دولار.

وكان الصندوق قد دعا في تقاريره إلى تنفيذ إصلاحات مالية تستهدف خفض فاتورة دعم الكهرباء وترشيد الاستهلاك، من بينها رفع التعرفة بصورة تدريجية، في إطار معالجة الضغوط الواقعة على المالية العامة.

وفي هذا السياق، اعتبر الخبراء أن تطبيق تعرفة مختلفة على المشتركين وفق آلية السداد يثير إشكالات تتعلق بمبدأ المساواة بين المستهلكين، مشيرين إلى أن جميع المشتركين يستخدمون العدادات الذكية ويسددون قيمة الاستهلاك مسبقاً، سواء عبر البطاقات المصرفية أو وسائل الدفع الإلكتروني أو النقدي من خلال المصارف، وهو ما يجعل التمييز في قيمة التعرفة محل تساؤل من الناحية الاقتصادية.

وأضافوا أن جميع وسائل السداد تنتهي بإيداع الأموال مباشرة في حسابات الشركة العامة للكهرباء، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول مبررات اختلاف التعرفة بين فئات المشتركين.

كما أشاروا إلى أن استمرار انقطاعات التيار الكهربائي وتذبذب الجهد الكهربائي يفرض الحاجة إلى آليات واضحة لمعالجة الأضرار التي يتحملها المستهلكون، لافتين إلى أن قانون حماية المستهلك ينظم حقوق المتضررين ولا يستثني المؤسسات الخدمية العامة من المسؤولية القانونية أو التعويضية عند توافر أسبابها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى