احتياطات نقدية ضخمة في ليبيا… واقتصاد يرزح تحت أزمات متفاقمة
خبراء: سوء إدارة الموارد والانقسام المؤسسي يعمقان الفقر والتضخم ويقيدان التنمية

رغم امتلاك ليبيا أحد أكبر الاحتياطيات النقدية الأجنبية في القارة الأفريقية، فإن المؤشرات الاقتصادية والمعيشية تعكس واقعًا مغايرًا لما توحي به تلك الأرقام. فالبلاد لا تزال تواجه أزمات متواصلة في الكهرباء والمياه والبنية التحتية والخدمات الأساسية، وسط ارتفاع معدلات الفقر والبطالة والتضخم، ما يثير تساؤلات متزايدة حول كفاءة إدارة الموارد العامة وقدرة السياسات الاقتصادية على تحقيق تنمية حقيقية.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 43% من الليبيين يعيشون تحت خط الفقر، بينما تبلغ البطالة نحو 18.6%، وترتفع بين الشباب إلى قرابة 50% للفئة العمرية بين 15 و24 عامًا، في ظل اقتصاد يعتمد بصورة شبه كاملة على العائدات النفطية دون تحقيق تنويع فعلي في مصادر الدخل.
المعضلة في إدارة الثروة لا في حجمها
يرى مراقبون أن الأزمة الاقتصادية في ليبيا لا ترتبط بندرة الموارد، بل بكيفية توظيفها. فعلى الرغم من الإيرادات النفطية الكبيرة والاحتياطي النقدي المرتفع، يذهب الجزء الأكبر من الإنفاق العام إلى بند الرواتب ودعم الوقود والطاقة والمصروفات التشغيلية، مقابل محدودية الإنفاق على قطاعات استراتيجية مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية والاستثمار وخلق فرص العمل.
ويؤكد خبراء أن استمرار هذا النمط من الإنفاق يقلص قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مستدام، ويجعل الدولة أكثر عرضة للصدمات الاقتصادية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى برامج إصلاح حقيقية تعيد توجيه الموارد نحو مشروعات إنتاجية وتنموية قادرة على تحسين مستوى الخدمات وتعزيز النشاط الاقتصادي.
كما يشكل تعدد المؤسسات واستمرار الانقسام السياسي والمالي أحد أبرز العوائق أمام تنفيذ سياسات اقتصادية موحدة، الأمر الذي يحد من فاعلية الإصلاحات ويؤخر إطلاق خطط استثمارية تستفيد من الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها ليبيا.
التضخم… أرقام رسمية وواقع أكثر قسوة
وفي سياق متصل، شكك الخبير المصرفي إبراهيم عمر الحداد في دقة معدل التضخم المعلن من مصرف ليبيا المركزي والبالغ 12.7%، معتبرًا أن النسبة الفعلية أعلى بكثير، في ظل الارتفاع المتواصل في أسعار السلع والخدمات وما نتج عنه من تراجع واضح في القوة الشرائية للمواطنين.
وأشار الحداد إلى أن المواطن يلمس يوميًا آثار التضخم من خلال الزيادة المستمرة في تكاليف المعيشة، معتبرًا أن التعامل مع هذه الأزمة يتطلب استجابة حكومية أكثر فاعلية وشفافية، عبر إجراءات عاجلة وتواصل مباشر مع الرأي العام لشرح التطورات وطرح الحلول الممكنة.
وتبرز هذه الانتقادات في وقت تواجه فيه السلطات تحديات متزايدة للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، وسط مطالب بإطلاق إصلاحات هيكلية تعالج الاختلالات المالية، وتعيد ترتيب أولويات الإنفاق العام، وتوفر بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار والإنتاج.
وفي المحصلة، تؤكد المؤشرات الاقتصادية أن امتلاك الاحتياطيات المالية وحده لا يكفي لتحقيق الازدهار، إذ تبقى القيمة الحقيقية للثروة مرهونة بقدرة الدولة على تحويلها إلى خدمات عامة أفضل، واقتصاد متنوع، وفرص عمل مستدامة، بما يعزز الاستقرار ويحسن مستوى معيشة المواطنين.



