إنهاء الأزمة الليبية.. واختصار الطريق أفضل
ليبيا 24- إدريس احميد
منذ نحو خمسة عشر عاماً، تعيش ليبيا أزمة متشابكة الأبعاد، أمنياً وسياسياً واقتصادياً، تبدو معها البلاد وكأنها تدور في حلقة مفرغة من المبادرات والاتفاقيات والانتقالات المؤقتة، من دون أن تصل إلى استقرار سياسي دائم أو سلطة موحدة قادرة على إدارة الدولة.
لقد أصبح فشل المسار الانتخابي ونتائجه واضحاً، كما لم تنجح الاتفاقيات والحلول السياسية المتعاقبة، من اتفاق الصخيرات وصولاً إلى حكومة الوحدة ، في إنهاء الانقسام أو وضع حد لتعدد مراكز النفوذ والسلاح. وعلى مدى هذه السنوات، جرى إنتاج حلول انتقالية متتالية، لكنها لم تتحول إلى حل نهائي. وكلما اقترب الليبيون من استحقاق سياسي جديد، عادت الخلافات حول القوانين والمؤسسات والسلطة والثروة، لتفتح الباب أمام مرحلة انتقالية أخرى.
أما الأمم المتحدة، فرغم الجهود التي بذلتها بعثتها ومبعوثوها المتعاقبون، فإنها لم تتمكن حتى الآن من مساعدة الليبيين على الوصول إلى تسوية نهائية تنهي الانقسام. وبعد تعاقب نحو عشرة مبعوثين، أصبح واضحاً أن إدارة الأزمة لم تعد كافية، وأن المطلوب هو الانتقال من إدارة الأزمة إلى إنهائها.
اليوم، تبدو الصورة أكثر وضوحاً أمام الليبيين أصحاب المصلحة الحقيقية في إنهاء الأزمة، كما أصبحت واضحة أمام الدول الكبرى والدول الإقليمية التي تتابع الملف الليبي وتدرك أن استمرار الانقسام لا يخدم استقرار ليبيا ولا مصالح المنطقة.
وفي هذا السياق، جاءت المبادرة الأمريكية في محاولة للدفع نحو حل أكثر جدية، إلا أن الولايات المتحدة، رغم قدرتها على التأثير، لديها ملفات دولية وإقليمية أخرى تشغل اهتمامها، وفي مقدمتها ما يحدث في الخليج، إلى جانب التنافس الاستراتيجي مع الصين وروسيا وأوروبا.
ولذلك، فإن الدور الإقليمي يظل مهماً، وخاصة الدور المصري والتركي.
مصر تتابع الملف الليبي منذ سنوات، بحكم الجوار المباشر واعتبارات الأمن القومي والمصالح المشتركة بين البلدين. أما تركيا، فقد شهدت علاقاتها مع القيادة العامة تطوراً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة، مع استمرار علاقاتها وتأثيرها في عدد من الأطراف في غرب البلاد.
ومن هنا يمكن القول إن التقارب المصري–التركي، إذا جرى توظيفه في اتجاه دعم حل ليبي حقيقي، قد يكون أقرب إلى فهم تعقيدات الواقع الليبي من بعض المقاربات الدولية البعيدة عن تفاصيل المشهد الداخلي.
لكن المشكلة ليست في الخارج وحده، وإنما في الداخل الليبي أيضاً.
ففي غرب البلاد، لا تزال هناك أطراف لا تريد حلاً إلا إذا جاء وفق رؤيتها الخاصة، وبالشكل الذي يحافظ على مواقعها ونفوذها في إدارة الدولة. وهذا أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت البلاد عاجزة عن الوصول إلى توافق نهائي طوال السنوات الماضية.
أما حكومة الوحدة، ورغم أنها طرحت في مراحل مختلفة فكرة الوصول إلى الانتخابات والحل السياسي، فإنها واجهت واقعاً أمنياً معقداً، ولم تتمكن من فرض سلطة الدولة بصورة كاملة، خصوصاً في ظل تعدد المجموعات المسلحة ومراكز النفوذ.
وفي الجهة الأخرى، تقف القيادة العامة للجيش التي حسمت موقفها، وفق رؤيتها، تجاه دعم مسار يؤدي إلى توحيد مؤسسات الدولة وإنهاء الانقسام. وهي تستند إلى ما تعتبره إنجازات أمنية وتنموية في المناطق الواقعة تحت إدارتها، وإلى امتلاكها مؤسسة عسكرية أكثر تماسكاً وقراراً مركزياً واضحاً.
لقد أثبتت المؤسسة العسكرية، وفق ما يراه مؤيدو هذا الاتجاه، أنها الطرف الأكثر قدرة على تحقيق الأمن والاستقرار في المناطق التي تسيطر عليها، وحماية الحدود وتأمين المنشآت والثروات، بل تجاوز دورها الأمني إلى المشاركة في إطلاق مشاريع التنمية والإعمار.
وفي المقابل، كشفت السنوات الماضية عن أزمة عميقة لدى جزء من النخب المدنية التي رفعت شعارات الديمقراطية وتداول السلطة، ثم تحولت الديمقراطية في بعض الحالات من وسيلة لبناء الدولة إلى وسيلة للوصول إلى السلطة والاستمرار فيها.
ولا تكمن المشكلة في الديمقراطية كفكرة، وإنما في البيئة السياسية والثقافية التي جرى فيها تطبيقها، وفي غياب النخب القادرة على تحويلها إلى ممارسة مؤسسية حقيقية.
لقد عانى المشهد السياسي الليبي من حالة يمكن وصفها بـ«التصحر السياسي والفكري»، حيث غابت المشاريع الوطنية الجامعة، وتقدمت الحسابات الشخصية والمناطقية والحزبية على حساب فكرة الدولة، وأصبح كثير من الخطاب السياسي يدور في حلقة مفرغة من الشعارات، بينما كانت الدولة تتراجع ومؤسساتها تتآكل.
أما المدنيون الذين حملوا السلاح، فقد شكلوا مشكلة أكثر تعقيداً؛ إذ تحول السلاح في بعض المناطق إلى وسيلة لفرض النفوذ والمشاركة في القرار، وأصبح جزء من المشهد السياسي مرتبطاً بموازين القوة المسلحة، الأمر الذي دفع البلاد إلى صراعات واقتتال متكرر، وأبقى المجتمع الليبي رهينة لحالة أمنية وسياسية مضطربة.
ومع ذلك، من المهم التمييز بين المدنيين الذين شاركوا في الحياة السياسية، وبين من استغلوا ضعف الدولة أو حملوا السلاح لفرض رؤيتهم. كما أن هناك شريحة واسعة من المدنيين الليبيين لم تتح لها أصلاً فرصة حقيقية للمشاركة السياسية والمجتمعية، ولا ينبغي تحميلها مسؤولية ما آلت إليه البلاد.
لقد كتبنا وتحدثنا طويلاً عن الديمقراطية وتداول السلطة، واعتقدنا أن مجرد إجراء الانتخابات أو تغيير الحكومات يمكن أن يقود تلقائياً إلى بناء الدولة. لكن السنوات الماضية أثبتت أن الديمقراطية ليست صناديق اقتراع فقط، وليست شعارات ترفع في المناسبات السياسية، وإنما هي ثقافة ومؤسسات وقانون ومجتمع قادر على حماية الدولة من الانقسام والفوضى.
وربما كان جزء من تصورنا السابق للديمقراطية قائماً على أوهام، أو على قراءة بعيدة عن واقعنا الفكري والثقافي والاجتماعي. فقد حاولنا أحياناً استيراد نماذج سياسية جاهزة، من دون أن نمتلك المؤسسات والثقافة السياسية التي تجعلها قابلة للحياة.
أما المؤسسة العسكرية، فطبيعتها مختلفة؛ فهي تقوم على الانضباط وتسلسل القيادة والقرار الواضح وتنفيذ الأوامر، وهي عناصر افتقدتها الدولة الليبية خلال سنوات الانقسام.
وهذا لا يعني أن المؤسسة العسكرية يمكن أن تكون بديلاً دائماً عن السياسة أو المؤسسات المدنية، بل يعني أن الدولة تحتاج أولاً إلى قوة نظامية موحدة تحفظ الأمن وتفرض القانون، ثم إلى نظام سياسي مدني مستقر يعمل داخل مؤسسات الدولة، وليس فوقها أو خارجها.
الأطراف الدولية بدأت تفهم المشهد
ولعل التطورات الأخيرة تشير إلى أن عدداً من الأطراف الدولية والإقليمية بدأ يفهم المشهد الليبي بصورة أكثر واقعية، وأن التعامل لم يعد قائماً فقط على الاعتراف الشكلي بالأجسام السياسية القائمة، وإنما على البحث عن الطرف الذي يمتلك القدرة الفعلية على إدارة البلاد وفرض الأمن وتحريك مؤسسات الدولة.
ومن هنا يمكن فهم توجه هذه الأطراف نحو القيادة العامة والتعامل معها باعتبارها طرفاً رئيسياً لا يمكن تجاوز دوره في أي تسوية مقبلة. فهي تدرك، بعد سنوات من التجربة، أن الوصول إلى حل حقيقي لا يمكن أن يتم عبر الأطراف التي كانت جزءاً من حالة الانقسام، أو التي ساهمت في تأزيم المشهد، أو لم تبدِ استعداداً حقيقياً للتخلي عن مواقعها ومصالحها.
كما أن مسألة الشرعية أصبحت بحاجة إلى إعادة نظر. فالشرعية لا يمكن أن تبقى مجرد صفة تمنحها ترتيبات انتقالية انتهت مددها أو أجسام سياسية فقدت قدرتها على إنتاج حل. الشرعية الحقيقية في أي دولة لا تنفصل عن القدرة على حماية البلاد، وتوحيد مؤسساتها، واحترام القانون، والاستجابة لمصلحة المجتمع.
ولهذا يبدو أن المجتمع الدولي بدأ، ولو تدريجياً، يقترب من حقيقة مفادها أن الأزمة الليبية لا يمكن حلها بإبقاء الوضع القائم أو إعادة تدوير الأجسام نفسها، وإنما من خلال التعامل مع موازين الواقع، والبحث عن الطرف القادر على قيادة مرحلة إنهاء الفوضى وتوحيد الدولة.
وهذا لا يعني أن الحل يجب أن يكون عسكرياً أو أن يُقصى المدنيون، بل يعني أن أي عملية سياسية جديدة تحتاج أولاً إلى أرضية أمنية ومؤسساتية مستقرة، وإلى طرف قادر على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الاعتراف السياسي وحده لا يصنع دولة، وأن الشرعية التي لا تستند إلى مؤسسات وقدرة على تنفيذ القرارات تصبح عاجزة عن حماية نفسها وحماية الدولة.
أيها الليبيون.. اختصروا الطريق
أيها الليبيون، اختصروا الطريق، وتخلوا عن الأوهام، مهما كانت نواياكم صادقة. وتعالوا إلى كلمة سواء، لأن استمرار الخلاف والمراهنة على الحلول التي جُرّبت طوال السنوات الماضية لن يقود إلا إلى مزيد من الانقسام والمعاناة.
لقد دخلت البلاد في أزمات متلاحقة بسبب خيارات سياسية وأمنية متراكمة، وأصبح من الصعب على القوى التي كانت جزءاً من هذا المشهد أن تكون وحدها صاحبة الكلمة في التغيير، بعدما ساهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في الوصول إلى الوضع الذي تعيشه ليبيا اليوم.
وهذا لا يعني إقصاء أحد، ولا إلغاء حق الليبيين في المشاركة السياسية، وإنما يعني الاعتراف بحقيقة باتت واضحة: إنقاذ الدولة يحتاج إلى تجاوز الحسابات الشخصية والحزبية والمناطقية، والبحث عن الطرف القادر فعلياً على فرض الأمن وحماية البلاد وتوحيد مؤسساتها.
أيها الليبيون، لا تجعلوا خلافاتكم ستاراً يحجب الحقيقة. لقد جُرّبت المسارات السياسية، وتعددت الحكومات، وتوالت الاتفاقيات والمبادرات، وبقيت الدولة منقسمة.
فلماذا نكرر الطريق نفسه وننتظر نتيجة مختلفة؟
تعالوا إلى كلمة سواء: ليبيا أولاً، والدولة أولاً، والأمن أولاً، ومصلحة الليبيين فوق مصالح الجميع.
ومن يريد فعلاً إنقاذ البلاد عليه أن يكون شجاعاً في مراجعة مواقفه، وأن يعترف بأن المرحلة تحتاج إلى قرار حاسم، لا إلى مبادرة جديدة تؤجل الأزمة، ولا إلى شعارات تعيد إنتاج الانقسام.
اختصروا الطريق، فقد طال انتظار الليبيين، وكثرت عليهم الأزمات، ولم يعد لديهم وقت لمزيد من التجارب.
إن ليبيا تحتاج اليوم إلى من يملك القدرة على إنهاء الفوضى، وتوحيد مؤسسات الدولة، وحماية حدودها وثرواتها، ثم فتح الطريق أمام مرحلة سياسية جديدة تقوم على مؤسسات قوية وقانون واحد وسلطة واحدة.
وليس المقصود باختصار الطريق إلغاء السياسة أو إقصاء الليبيين، وإنما وضع حد أولاً لحالة الفوضى والانقسام، وتوحيد مؤسسات الدولة، وفرض سلطة القانون، ثم بناء مرحلة سياسية واضحة ومحددة الأهداف تنتهي إلى مؤسسات شرعية مستقرة.
إن استمرار الوضع الحالي يعني مزيداً من استنزاف الاقتصاد، ومزيداً من الانقسام الاجتماعي والسياسي، ومزيداً من التدخلات الخارجية، ومزيداً من الفرص الضائعة أمام بلد يمتلك من الموارد والموقع والإمكانات ما يؤهله لأن يكون من أكثر دول المنطقة استقراراً وازدهاراً.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس: كم مبادرة جديدة نحتاج؟ وإنما: كيف ننهي الأزمة بأقصر طريق ممكن؟
لقد طال زمن الانتظار، وكثرت المبادرات، وتعددت الاتفاقيات، وتغيرت الحكومات، وتعاقب المبعوثون، بينما بقيت المشكلة الأساسية كما هي.
فإذا كان الجيش قد استطاع، في مناطق واسعة من البلاد، أن يفرض الأمن ويحمي الحدود ويؤمن المنشآت ويدفع باتجاه التنمية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا لا يمكن الاستفادة من هذه القدرة في بناء دولة ليبية موحدة، مع وضع إطار سياسي ومؤسسي واضح يضمن مشاركة الليبيين جميعاً؟
إن إنهاء الأزمة الليبية قد يتطلب إعادة ترتيب الأولويات: الأمن أولاً، وتوحيد مؤسسات الدولة ثانياً، ثم بناء المسار السياسي على أرضية مستقرة.
فبدون دولة قوية، تتحول الديمقراطية إلى صراع على السلطة، وتتحول الانتخابات إلى وسيلة لإنتاج أزمة جديدة، بينما يصبح السلاح هو الحكم الفعلي في تحديد من يملك القرار.
وفي النهاية، لا يمكن أن تستمر ليبيا إلى ما لا نهاية في مرحلة انتقالية عمرها خمسة عشر عاماً.
إما أن تتجه البلاد نحو حل حقيقي يعيد بناء الدولة ويجمع مؤسساتها ويوحد قرارها، أو تظل تدور في الحلقة نفسها.
أيها الليبيون، تعالوا إلى كلمة سواء.. أنقذوا الدولة قبل أن تختلفوا على من يحكمها.
فقد يكون اختصار الطريق اليوم، بكل ما يتطلبه من شجاعة ومراجعة للمواقف، أفضل من إضاعة سنوات أخرى في انتظار حل أثبتت التجربة أن تأجيله لا يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة.
والأيام المقبلة وحدها ستكشف ما إذا كانت القوى الليبية والدولية والإقليمية قد وصلت فعلاً إلى قناعة بأن زمن إدارة الأزمة يجب أن ينتهي، وأن ليبيا تحتاج أخيراً إلى حل حقيقي يعيد للدولة هيبتها، ولمؤسساتها وحدتها، ولليبيين حقهم في الأمن والاستقرار وبناء المستقبل.



