ليبيا

ليبيا أمام بطالة قياسية بين انسداد التوظيف الحكومي وضعف القطاع الخاص

شباب عالقون بين الوظيفة العامة والهجرة وسوق عمل محدود

تواجه ليبيا أزمة متفاقمة في تشغيل الشباب، في ظل اتساع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، واستمرار اعتماد قطاعات واسعة من الخريجين على الوظيفة الحكومية باعتبارها المسار الأكثر استقراراً، بينما يعاني القطاع الخاص محدودية قدرته على خلق فرص عمل مستدامة.

بطالة تتجاوز نصف الشباب

وتكتسب الأزمة بعداً أكثر خطورة مع تصنيف منظمة العمل الدولية ليبيا ضمن أعلى معدلات بطالة الشباب في شمال أفريقيا، بنسبة بلغت 50.1 في المائة للفئة العمرية بين 15 و24 عاماً، مقابل 18.8 في المائة لمعدل البطالة العام، وفق تقرير اتجاهات الاستخدام العالمية للشباب 2026.

وتطرح هذه الأرقام سؤالاً جوهرياً حول قدرة الاقتصاد الليبي، رغم موارده النفطية الكبيرة، على استيعاب طاقاته البشرية الشابة، خصوصاً في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسساتي وتعثر بناء سياسات اقتصادية طويلة الأمد.

القطاع الخاص.. الحلقة الأضعف

ولا يبدو القطاع الخاص قادراً، في وضعه الحالي، على سد الفجوة حيث تعرقل الفوضى الأمنية وضعف البنية التحتية ونقص الكوادر المدربة توسع الشركات والمشروعات الإنتاجية، فيما تؤدي صعوبة التمويل المصرفي وغياب الحوافز الضريبية وتعقيد الإجراءات إلى الحد من نمو المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

كما أن تفضيل بعض المستثمرين الأنشطة الاستهلاكية، مثل المطاعم والمقاهي، على إقامة مشروعات صناعية وإنتاجية، يقلل قدرة الاقتصاد على خلق وظائف واسعة ومستدامة.

فجوة بين طموحات الشباب واحتياجات السوق

وفي مقابل تحميل الانقسام السياسي مسؤولية الأزمة، يرى عضو مجلس النواب محمد عامر العباني أن المشكلة تتضمن جانباً آخر يتمثل في عزوف بعض الشباب عن المهن الحرفية والصناعية والخدمية المطلوبة في السوق.

ويشير العباني إلى مهن مثل التمريض والزراعة والبناء وصيانة السيارات وأعمال النظافة، التي يقول إن كثيراً من الشباب يتجنبونها لأسباب اجتماعية، ما أتاح للعمالة الوافدة الاستحواذ على الجزء الأكبر منها.

لكن هذه الرؤية لا تلغي مسؤولية المؤسسات عن تطوير منظومة التعليم والتدريب المهني، إذ إن توجيه الشباب نحو المهن المطلوبة يحتاج إلى حوافز حقيقية، ومسارات تدريب واضحة، وأجور وظروف عمل تجعل هذه الوظائف خياراً مهنياً قابلاً للاستمرار، لا مجرد بديل اضطراري.

الهجرة والسلاح.. مسارات بديلة للبطالة

وتكشف الأزمة عن تداعيات تتجاوز الجانب الاقتصادي، إذ يرى الناشط السياسي حسام القماطي أن تدهور القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع والخدمات دفعا شريحة من الشباب إلى قبول أعمال لم تكن ضمن خياراتهم، بينما أصبح آخرون أمام خيارات أكثر حدة، تشمل الهجرة أو ترك التعليم والانضمام إلى مجموعات مسلحة توفر دخلاً أعلى.

ويحذر القماطي من أن استمرار البطالة دون معالجة اقتصادية وسياسية قد يعمق مشكلات اجتماعية ونفسية، ويزيد من رغبة الشباب في مغادرة البلاد أو البحث عن مصادر دخل خارج مؤسسات الدولة وسوق العمل النظامي.

خلاف حول أرقام البطالة وحل الأزمة

وفي المقابل، يشكك عضو مجلس الدولة سعد بن شرادة في أرقام تقرير منظمة العمل الدولية، مستنداً إلى حجم العاملين لدى الدولة، ويرى أن تنشيط القطاع الخاص وتوسيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة يمثلان مدخلاً أساسياً لتخفيف الضغط عن الميزانية وتقليص الاعتماد على التوظيف الحكومي.

وبين اختلاف التقديرات، تبدو المشكلة الأوسع مرتبطة باختلال هيكل الاقتصاد نفسه؛ فالدولة النفطية التي تنفق مليارات الدنانير على الرواتب لا تزال عاجزة عن تحويل مواردها إلى قاعدة إنتاجية قادرة على خلق وظائف مستقرة للشباب.

وتشير الصورة العامة إلى أن معالجة البطالة في ليبيا لن تتحقق بمجرد زيادة التوظيف الحكومي أو مطالبة الشباب بقبول مهن بعينها، بل تتطلب إعادة بناء العلاقة بين التعليم وسوق العمل، وتطوير التدريب المهني، وتسهيل تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتحفيز الاستثمار الإنتاجي، إلى جانب معالجة الانقسام المؤسسي الذي يعطل وضع سياسة اقتصادية موحدة.

فاستمرار الوضع الراهن يعني بقاء جيل كامل بين طابور انتظار الوظيفة العامة، وضغوط الهجرة، وسوق خاص محدود، بينما تتآكل تدريجياً قدرة الاقتصاد الليبي على تحويل ثروته النفطية إلى فرص عمل حقيقية ومستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى