ليبيا

رالي العرعار بين بذخ السياسة وجوع الشعب.. حكومة الدبيبة ترفع شعار “كلوا تفاح” في زمن الأزمات

مهرجان الترف الفاره يفضح انفصام حكومة الدبيبة عن واقع المواطن المكلوم

ليبيا 24

رالي العرعار.. بذخ الدبيبة في زمن معاناة الليبيين يُشعل غضباً شعبياً عارماً

في مشهد يعكس عمق الهوة بين من يتولون إدارة شؤون البلاد ومن يفترض أن تدور عجلة الدولة لخدمتهم، انطلقت في مدينة مصراتة فعاليات “مهرجان العرعار الدولي” في نسخته الأولى، وسط استعدادات ضخمة وترف فاره لا يليق ببلد يئن تحت وطأة انقطاع الكهرباء لعشرين ساعة يومياً، وطوابير البنزين الممتدة لمسافات، وأزمة سيولة خانقة تهدد لقمة العيش.

ففي الوقت الذي يلهث فيه المواطن الليبي خلف جرعة كهرباء تضيء بيته لساعة إضافية، وفي الوقت الذي تصطف فيه السيارات لساعات للحصول على قارورة بنزين، ها هي حكومة “الأمر الواقع” التي فرضت نفسها على الليبيين بالقوة لا بالشرعية، تنقل جيوشاً من عمال وموظفي المؤسسات العامة، وتُسخر إمكانيات شركات الاتصالات والخدمات العامة، لتقديم وليمة ترفيهية صحراوية فاخرة، وكأن الوطن مزرعة خاصة يُذبح فيها المال ليُقدّم وليمةً للمتنفعين وأبنائهم.

هذا التناقض الصارخ بين مظاهر البذخ التي يرعاها رئيس الحكومة عبدالحميد الدبيبة ونجله محمد، وبين معاناة شعب يبحث عن أبسط مقومات الحياة، يطرح سؤالاً مصيرياً: لمن تحكم هذه الحكومة؟ ولمن تنفق أموال الشعب الليبي؟

سياسة الترفيه.. إلهاء أم استفزاز؟

لم يكن مهرجان العرعار مجرد فعالية ترفيهية عابرة، بل تحول إلى مرآة تعكس سياسة متعمدة لخلق الأزمات ثم إدارة غضب الناس عبر الترفيه المصطنع. ففي الوقت الذي يواجه فيه المواطنون أزمات خانقة في الكهرباء والوقود والمياه، ها هي عدسات الكاميرات تلتقط الدبيبة ونجله محمد وهما يجلسان في خيمة معمر القذافي المسروقة منذ فبراير 2011، تلك الخيمة التي كان يستقبل فيها زعماء العالم، والتي بيعت مقابل 37 ألف دينار، ليُعاد توظيفها اليوم كمنصة لبذخ جديد في زمن المعاناة ذاتها.

المحلل السياسي محمد قشوط كان واضحاً في انتقاده، إذ أكد أن المسؤولين في الدول التي تحترم شعوبها يبتعدون خلال الأزمات المعيشية عن مظاهر الترف والسفر والاحتفالات، وينشغلون بمعالجة المشكلات التي تواجه المواطنين.

لكن حكومة الدبيبة اختارت مساراً مغايراً تماماً، فبدلاً من معالجة أزمة الوقود التي دفعت المواطنين إلى الانتظار في طوابير طويلة أمام محطات التزويد، وبدلاً من حل أزمة الكهرباء التي تزامنت مع ارتفاع درجات الحرارة، فضلت الظهور في رالي عرعار برتل من السيارات الفخمة، في مشهد لا يتناسب مع الظروف المعيشية المزرية التي يمر بها المواطنون.

استنزاف موارد الدولة.. مهرجان الفقراء أم وليمة الأغنياء؟

يكشف التدقيق في التحضيرات للمهرجان أن جهات حكومية عدة سُخّرت لإنجاح هذا الحدث، إذ تم نقل أعداد كبيرة من عمال وموظفي المؤسسات والشركات العامة للمشاركة في الفعاليات، إلى جانب استخدام موارد الدولة في أعمال مرتبطة بإضاءة مواقع في الصحراء، بينما تعيش أحياء بأكملها في ظلام دامس.

والأكثر إثارة للجدل هو ما تم تداوله حول مشاركة نجل الدبيبة بسيارة سباق تقدر قيمتها بـ 900 ألف يورو في وقت يعاني فيه آلاف الموظفين من تأخر رواتبهم لسنوات.

المحلل السياسي سليمان البيوضي ذهب في انتقاده إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن رسالة شركة “الليبيانا” التي دعت المواطنين لحضور المهرجان للاستمتاع بخدمة إنترنت الجيل الخامس، هي محاولة لإلهاء الناس عن معاناتهم الحقيقية.

وكتب البيوضي في منشور لاذع: “الحقيقة المرة هي أن القائمين على المهرجان يريدون إقناع المواطنين بالحضور بيش اللصوص وأبناؤهم يفشكو علينا بسيارات الدفع الرباعي ويكتحو علينا الرملة والغبيري”.

وأضاف: “ما عندهمش علم أن شعب الفقراء قاعد لا ضي لا ميه ويمحمط فيه القبلي والرطوبة، وأكبر امنياتهم بريق ماء مصقع، مش انترنت”.

جنوبٌ في الظلام وشمالٌ في الاحتفال.. فجوة تتسع

في التناقض الأكثر إيلاماً، وفي الوقت الذي وفّرت فيه شركات الاتصالات إنترنت بسرعات عالية في موقع الرالي رغم الزحمة وكثرة المستخدمين، وتوفرت الكهرباء للرالي دون انقطاع، يعاني الجنوب الليبي من انقطاع الكهرباء لعشرين ساعة يومياً، وتذبذب وضعف خدمات الإنترنت، وأزمة بنزين خانقة.

هذا التباين الصارخ في مستوى الخدمات بين منطقة وأخرى، وبين حدث ترفيهي وحياة المواطنين اليومية، يكشف عن حقيقة مرة: الإمكانيات موجودة، لكن الإرادة السياسية غائبة.

عضو مجلس النواب جاب الله الشيباني عبّر عن هذا التناقض بوضوح، مؤكداً أن المشكلة ليست في الرالي ولا في الفرح، وإنما في التوقيت وغياب الإحساس بمشاعر الناس.

وكتب الشيباني: “الفطرة الإنسانية السليمة تأبى أن تُظهر مظاهر البذخ والترف والاحتفال الصاخب أمام شعب يعاني من الغلاء وانقطاع الخدمات وشظف العيش، حتى الإنسان البسيط يراعي مشاعر جاره، فلا يُظهر أمامه ما يعجز هو عن توفيره لأبنائه”.

 وتابع: “أما إقامة مظاهر البذخ في هذا الظرف، فهي رسالة مؤلمة مفادها.. أنا مش معاكم.. أنا في كوكب أخر.. أنا عايش وأنتم إلى الجحيم”.

دورة خلق الأزمات.. كيف يُدار الفقر في ليبيا؟

ما يحدث في ليبيا ليس مجرد سوء إدارة، بل سياسة متعمدة لخلق الأزمات وإدارتها وفق أجندة محددة. فبعد أن كانت الكهرباء تنقطع لثماني ساعات، أصبحت تنقطع لعشرين ساعة، مما جعل الناس يتمنون أيام الانقطاع الثماني ساعات. وبعد أن كان سعر المياه أربع دنانير، قفز إلى سبعة، لكن الأهم أنه توفر من جديد.

وبعد أن كان الدولار بسبعة دنانير، أصبح على مشارف العشرة، مما جعل الناس يتمنون عودته إلى سبعة. هذه هي دورة خلق الأزمات: تُخلق أزمة خانقة، ثم تُدار بشكل يجعل الناس يقبلون بواقع أسوأ مما كانوا عليه، متناسين حقوقهم الأساسية.

هذه السياسة الممنهجة تتكامل مع حملات إعلامية مكثفة تهدف إلى إلهاء الناس وإشغالهم بالتفاهات والخصومات السنوية، بدلاً من التركيز على حقوقهم المسلوبة.

وفي هذا السياق، يأتي مهرجان العرعار كأحدث حلقة في مسلسل الإلهاء، حيث يُقدّم الترفيه كبديل عن الخدمات، والاحتفال كمسكن للألم، والفرح المصطنع كغطاء للفشل الذريع في توفير مقومات الحياة الكريمة.

أصوات معارضة من قلب المشهد

لم تمر فعاليات المهرجان دون أن تثير موجة عارمة من الانتقادات، إذ عبر مواطنون ونشطاء عن استيائهم من إنفاق ملايين الدينارات على فعاليات ترفيهية في وقت يعاني فيه الليبيون من أزمات معيشية خانقة.

الخبير الاقتصادي مختار الجديد وجه نداءً ساخراً إلى الشباب قائلاً: “سيبو مهرجان العرعار وفوتو موضوع انكم اترفهو على أرواحكم شوي وتنسو همومكم وتعالوا كسدوا معانا في طوابير البنزينة والبلاك اوت وأصوات التطرير”.

وأضاف بأن هناك “ناس مضايقة ومتنكدة وتبيكم تضايقوا واتنكدوا زيها”، في إشارة إلى محاولة الحكومة صرف انتباه المواطنين عن معاناتهم اليومية عبر الترفيه المصطنع.

أما الإعلامية عفاف الفرجاني، فكانت أكثر تهكماً في تعليقها على الحدث، إذ كتبت: “حقه في مهرجان اسمه مهرجان العرعار في ليبيا… والاستعدادات على قدم وساق!!! بالله قولوا كذبة بالله”، معبّرة عن سخريتها من حجم الضجة الإعلامية المثارة حول مهرجان لا يتناسب مع واقع البلد المأزوم.

وانتشرت دعوات إلى مقاطعة مهرجان العرعار، قُدمت باعتبارها وسيلة احتجاج مدنية وسلمية على ما وصفه أصحابها بالفساد وتراجع الخدمات والعبث بمال الشعب.

 وأكد ناشطون أن المقاطعة ليست موقفاً ضد الفن أو الفرح، بل هي “رسالة احتجاج مدنية وسلمية على واقع لم يعد مقبولاً”، ورفضٌ للصمت والتطبيع مع الخطأ.

خلاصة.. ليبيا تستحق أفضل

المشكلة ليست في مهرجان العرعار بحد ذاته، فالمهرجانات والفعاليات الثقافية من مظاهر الحياة العامة ومن حق الناس أن تفرح وتستمتع.

 لكن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب الشفافية التامة حول حجم الإنفاق على هذا الحدث، ومصادر التمويل، ومدى تناسب التكلفة مع حجم الفعالية، وسط شبح الفساد الذي يخيم على كل شيء.

المواطن الليبي يطالب بحقه في معرفة أين تذهب أموال الدولة، لأن الشفافية هي التي تزيل الشكوك، أما غيابها فيفتح الباب للتساؤلات والاتهامات.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل آن الأوان لأن تركز الحكومة على هموم المواطن الأساسية بدلاً من الترفيه الفاره، أم أن “العار” سيظل عنواناً للمرحلة المقبلة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى