ليبيا

ليبيا.. هدر الموارد العامة يغذي التضخم ويُفقر المواطنين وسط عجز حكومي عن تقديم الحلول

أزمة الوقود والكهرباء تعمق معاناة الليبيين.. وخبراء يدعون لعقد اجتماعي جديد وإصلاح جذري للدولة

ليبيا 24

ليبيا على حافة الهاوية.. بين هدر المال العام وانهيار الخدمات وغياب الدولة

مشهد الانهيار المتكامل

في مشهد يعكس تناقضا صارخا بين ما تروج له حكومة عبدالحميد الدبيبة من فعاليات ومهرجانات، وما يعيشه المواطن الليبي من معاناة يومية مع طوابير البنزين وانقطاع الكهرباء وارتفاع الجنوني للأسعار، تتكشف يوما بعد يوم حقيقة أن الدولة لم تعد قادرة على الوفاء بأبسط التزاماتها تجاه شعبها.

فبينما تتضخم جيوب المسؤولين وتتعدد مراكز الإنفاق على مورد مالي واحد، يغرق الليبيون في بحر من اليأس والإحباط، معترفين بأن ما يحدث ليس مجرد أزمات عابرة، بل انهيار منهجي لمؤسسة الدولة برمتها.

ففي وقت تحتفل فيه الحكومة بالمهرجانات وتنفق الأموال الطائلة على الفعاليات الترفيهية، يعاني المواطن من انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة في حر الصيف، ويقف في طوابير البنزين الممتدة لكيلومترات، ويرى قيمة مدخراته تذوب مع كل ارتفاع جديد في سعر صرف الدولار في السوق الموازية.

هذا المشهد المأساوي دفع عددا من الخبراء والسياسيين والمحللين إلى إطلاق تحذيرات متتالية من أن ليبيا تقترب من نقطة اللاعودة، ما لم تتخذ قرارات شجاعة وجريئة تعيد ترتيب أولويات الدولة وتضع حداً لنهب المال العام.

هدر الموارد.. سرطان ينخر مقدرات الدولة

في أولى الإشارات الخطيرة، انتقد عضو مجلس النواب محمد العباني، ما وصفه بهدر موارد الدولة الليبية دون تحقيق الأهداف المرجوة، محذرا من تداعيات ذلك على الاقتصاد ومستوى معيشة المواطنين.

وقال العباني إن الموارد تظل محدودة مهما عظمت، بينما قد تكون الأهداف كبيرة حتى وإن بدت محدودة، مؤكدا أن الحكمة تكمن في توجيه الموارد نحو تحقيق الأهداف، فيما تقاس الكفاءة بتحقيقها بأقل قدر من الموارد وفي أقصر وقت ممكن.

وأشار العباني إلى أن معيار النجاح يتمثل في بلوغ الأهداف ضمن حدود الموارد المخصصة لها، معتبرا أن الواقع في ليبيا يعكس اختلالا واضحا في إدارة الموارد العامة.

وأضاف أن الموارد تُهدر ولا تتحقق الأهداف، بالتزامن مع ما وصفه بتضخم جيوب المسؤولين وتصاعد معدلات التضخم، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة صعوبة الحياة المعيشية وتنامي حالة اليأس لدى المواطنين.

وتساءل العباني عن إمكانية إيجاد حلول لما وصفه بـ”السرطان الفتاك” الذي ينخر مقدرات الدولة، مستحضرا ما اعتبره تراجعا في مستوى الرفاه الذي كانت تنعم به ليبيا في فترات سابقة.

ودعا إلى معالجة الاختلالات المرتبطة بإدارة الموارد العامة، بما يضمن توجيهها نحو تحقيق الأهداف وخدمة المواطنين والحد من التداعيات الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة.

ويأتي هذا التحذير ليكشف حجم الفجوة بين ما تملكه ليبيا من ثروات وما يعيشه مواطنوها من بؤس، فالدولة النفطية التي تمتلك احتياطيات ضخمة من النفط والغاز، تعجز عن توفير أبسط الخدمات لشعبها، في مشهد يعكس بوضوح فشل الإدارة وسوء توزيع الثروة.

نموذج اقتصادي عفا عليه الزمن

في قراءة أعمق للأزمة، أكد المهتم بالشأن الاقتصادي علاء محمود القزار، أن الأزمة الاقتصادية في ليبيا لا ترتبط فقط بنقص الأموال أو بسوء إدارة الحكومات المتعاقبة، وإنما تعود إلى استمرار إدارة الدولة بمنظومة اقتصادية واجتماعية تشكلت قبل أكثر من نصف قرن، في ظل ظروف سكانية واقتصادية مختلفة جذريا عن الواقع الحالي.

وأضاف القزار أن النموذج الاقتصادي الليبي نشأ على أساس اعتبار الدولة أكبر رب عمل، تتولى التوظيف والدعم واستيراد السلع وتوزيعها وتوفير الوقود والكهرباء والخدمات، بالتزامن مع ضعف القطاع الخاص والعمل المنتج والضرائب والمحاسبة.

وأشار إلى أن الظروف تغيرت بينما بقي النموذج الاقتصادي إلى حد كبير دون تغيير، لافتا إلى أن نحو 86% من قوة العمل الرسمية تعمل في القطاع العام، في حين لا يزال الاقتصاد يعتمد بصورة شبه كاملة على النفط، مع ضعف القطاع الخاص وانقسام المؤسسات العامة.

ورأى القزار أن استمرار هذا النموذج خلق معادلة وصفها بالخطيرة، إذ ينظر بعض المسؤولين إلى المنصب باعتباره امتيازا أو غنيمة، بينما يرى بعض المواطنين الدولة مصدرا للراتب والدعم والمزايا، ومع ضعف القانون والمحاسبة يصبح الفساد والواسطة والتهريب نتائج متوقعة لهذه البيئة.

وأوضح أن اكتشاف النفط نقل ليبيا سريعا من مجتمع محدود الموارد إلى دولة ذات إيرادات كبيرة مقارنة بعدد سكانها، وأسهم في تحسين التعليم والصحة ومستوى المعيشة، لكنه في المقابل جعل الدخل أكثر ارتباطا بالدولة من ارتباطه بالإنتاج.

وأشار إلى أن توسع الوظائف الحكومية وبرامج الدعم جعل العمل الحكومي أكثر جاذبية، ودفع الليبيين تدريجيا بعيدا عن قطاعات الزراعة والبناء والصناعة والأعمال اليدوية، فيما جرى تعويض النقص في هذه المجالات بالعمالة الأجنبية.

بطالة نوعية.. رفض الشباب للمهن الحرفية

وفي سياق متصل، رأى عضو مجلس النواب محمد عامر العباني، أن ليبيا تعاني “بطالة نوعية”، ناجمة عن رفض قطاع واسع من الشباب الانخراط في مهن متاحة بسوق العمل، وحصر تطلعاتهم في وظائف ذات بريق اجتماعي، ومستقبل مهني وراتب مضمون.

وأوضح العباني أن كثيرا من الشباب يبتعد عن المهن الحرفية والصناعية والخدمية الأكثر طلبا في السوق الليبية، كالتمريض والزراعة والبناء وصيانة السيارات وأعمال النظافة، بداعي أنها “لا تليق بمركزه الاجتماعي”، مشيرا إلى أن هذا الأمر مهَّد للعمالة الوافدة الاستحواذ على 99 في المائة من هذه المهن.

ونفى العباني وجود فجوة عميقة بين مخرجات التعليم وسوق العمل، وقال إن الكليات النظرية تُخرج أعدادا تفوق الاحتياج، لكن التدريب النوعي يمهد لاستيعاب الجميع.

هذا التحليل يكشف عن أزمة هيكلية في سوق العمل الليبي، حيث أصبح الاعتماد على العمالة الوافدة في القطاعات الإنتاجية، بينما يصر الشباب الليبي على الوظائف الحكومية التي تدر دخلا دون جهد، في انعكاس لثقافة الريعية التي زرعتها عقود من الاعتماد على النفط.

أرقام البطالة بين التضخم والواقع

في المقابل، شكك عضو مجلس الدولة الاستشاري سعد بن شرادة في أرقام منظمة العمل الدولية التي صنفت ليبيا على أنها الأعلى بطالة في شمال أفريقيا بنسبة 50.1% للفئة العمرية (15-24 عاماً)، مقابل 18.8% لمعدل البطالة العام.

وأوضح بن شرادة أن من هم في سن العمل نحو أربعة ملايين، يعمل أكثر من مليونين ومائتي ألف منهم لدى الدولة، إلى جانب العاملين بالقطاع الخاص المحدود، وهو ما يجعل النسب التي أوردها التقرير لا تكتسب مصداقية.

ودعا بن شرادة إلى تنشيط القطاع الخاص عبر مزيد من المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بما يقلل الأعباء على الباب الأول بالميزانية، أي رواتب العاملين بالدولة.

هذا الجدل حول أرقام البطالة يعكس حالة من الارتباك في قراءة الواقع الاقتصادي، لكن المؤكد أن عشرات الآلاف من الشباب الليبي يبحثون عن فرص عمل تليق بتطلعاتهم، بينما تظل آلاف الوظائف الحرفية شاغرة بسبب النظرة الاجتماعية الدونية لها.

فقراء ليبيا.. السواد الأعظم تحت خط الفقر

وكشف أستاذ الاقتصاد بجامعة درنة، صقر الجيباني، عن واقع مرير للفقر في ليبيا، مؤكدا أن الحديث عن استفادة الأغنياء من دعم المحروقات أكثر من الفقراء، والدعوة إلى إصلاح ملف الدعم واستبداله بتعويض نقدي، يستلزم أولا تحديد من هم الأغنياء ومن هم الفقراء في المجتمع الليبي.

وأوضح الجيباني أن الإجابة عن هذا السؤال تستلزم معرفة خط الفقر، باعتبار من هم فوق هذا الخط من ذوي الدخول المتوسطة والمرتفعة، ومن هم على هذا الخط أو تحته من ذوي الدخول المحدودة.

وأشار إلى أن البنك الدولي وضع خط الفقر لفئة البلدان المتوسطة الدخل العليا التي تضم ليبيا بنحو 6.85 دولار في اليوم، وبحسب سعر الصرف الرسمي للدينار الليبي، حيث يساوي الدولار الواحد تقريباً 6.40 دينار، فإن خط الفقر في ليبيا للفرد يبلغ نحو 43.85 ديناراً في اليوم، أي نحو 1315 ديناراً شهرياً، موضحا أن هذا الدخل إذا كان للأسرة التي تعول أربعة أو خمسة أفراد فإنه يضعها تحت خط الفقر.

ولفت الجيباني إلى أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وضع مقياسا آخر للفقر، هو الفقر متعدد الأبعاد، الذي لا يرتبط بفقر الدخل، وإنما يقيس الفقر في الوصول إلى الخدمات، مثل الصحة والإسكان والكهرباء ومياه الشرب.

وأضاف أن مستوى هذه الخدمات معلوم لدى الليبيين، مشيرا إلى ارتفاع أسعار الأدوية، واستمرار توجه الليبيين إلى تونس ومصر للعلاج، وتدهور وضع الكهرباء، وتحول السكن إلى حلم بالنسبة للشباب، إلى جانب ارتفاع تكلفة مياه الشرب.

وأكد الجيباني أن الفقراء وفق مقياسي الدخل والخدمات ليسوا أقلية في المجتمع الليبي، بل يمثلون السواد الأعظم، وهم الأكثر استفادة من دعم المحروقات، معتبرا أن دعم المحروقات بات خط الدفاع الأخير أمام وقوعهم في دائرة الفقر المدقع، وهي أشد أنواع الفقر.

أزمة الوقود.. إدارة عشوائية تنذر بانهيار وشيك

في مشهد يعكس فشل الحكومة في إدارة الموارد الأساسية، قال المحلل السياسي زياد حبيب إن أزمة الوقود المحتدمة وطوابير “البنزينة” الطويلة التي أصبحت جزءا من الحياة اليومية تعكس حالة أعمق من سوء الإدارة، متسائلا: “أين الاحتياطي الاستراتيجي للدولة؟”

وتساءل: “كيف لدولة بكامل أجهزتها ومواردها ألا تملك احتياطيا نفطيا يكفي الاستهلاك المحلي لمدة 3 أشهر على الأقل بدلا من الارتهان للشحن اليومي؟”.

 وأضاف أن الحكومة تعتمد على سياسة “اليوم بيومه”، موضحا أن الإمدادات تعتمد بشكل كلي على الانتظار اللحظي لرسو السفن وتفريغ الشحنات، مما يجعل أي تأخير لوجستي بسيط كفيلا بإنشاء أزمة طاحنة تفقر حياة المواطنين.

وأشار إلى أن أزمة الخزانات والتخطيط تطرح تساؤلات حول ما منع السلطات والجهات المعنية على مدار كل هذه السنوات من بناء خزانات جديدة. وأكد أنه لا توجد دولة تُدار أزماتها الاستراتيجية بهذه العشوائية؛ حيث يطرح المشهد تساؤلا ملحا حول دور الحكومة، أجهزة الرقابة، والمحاسبة الفعالة تجاه هذا التسيب الإداري الذي يمس حياة الناس اليومية بشكل مباشر.

ونوه بأن تكرار هذه الأزمات يثبت أن المشكلة لم تعد متعلقة بالظروف الطارئة فقط، بل بأسلوب إدارة الموارد الأساسية، مما يتطلب حلولا جذرية تتجاوز الإجراءات العاجلة إلى بناء استراتيجية تخزين وطنية واضحة وضمان الشفافية والمساءلة.

انهيار العملة وعودة أزمة التسعينيات

وفي تحليل تاريخي، قال أستاذ الاقتصاد بجامعة درنة، صقر الجيباني، إن التراجع المتواصل لقيمة الدينار الليبي في السوق الموازية، ووصول سعر الدولار إلى 9.22 دينار، يعيد إلى الأذهان الظروف الاقتصادية التي مرت بها ليبيا خلال عقد التسعينيات في ظل العقوبات والحظر الجوي وتراجع أسعار النفط عالميا.

وأوضح الجيباني أن سعر الصرف الموازي للدولار خلال تلك الفترة ارتفع إلى نحو ثمانية أضعاف السعر الرسمي، رغم أن احتياطيات النقد الأجنبي، التي مثلت حينها خط الدفاع عن سعر الصرف، كانت أقل بكثير من مستوياتها الحالية.

وأشار إلى أن تراجع القوة الشرائية للمواطن الليبي في التسعينيات، رغم ارتفاع أسعار العديد من السلع، لم يصل إلى المستويات التي يشهدها المواطن اليوم، مرجعا ذلك إلى وجود منظومة دعم قوية للسلع الأساسية والمحروقات. وأضاف أن سلة الإنفاق الأساسية للمستهلك الليبي في تلك الفترة، ولا سيما السلع التموينية والمحروقات، كانت تحظى بدعم واسع، الأمر الذي وفر خط دفاع قويا أمام محدودي الدخل في مواجهة ارتفاع الأسعار والفساد.

وأكد الجيباني أن المقارنة بين المرحلتين لا ينبغي أن تقتصر على سعر صرف الدينار أو حجم الاحتياطيات النقدية، بل يجب أن تشمل أيضا سياسات الدعم ومستوى حماية القوة الشرائية للمواطن، معتبرا أن تراجع قيمة العملة يصبح أكثر تأثيرا على المعيشة عندما يتزامن مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع قدرة الدولة على حماية ذوي الدخل المحدود.

الأسواق السوداء.. فوضى وانهيار رقابي

وفي شهادة على تدهور الأوضاع، أكد الإعلامي ناظم الطياري، أن تكاثر الأسواق السوداء يعني أن ليبيا تعيش فوضى وانهيار رقابي.

وقال الطياري: “سوق سوداء للنافطة، وللبنزين، وللدولار، وللأسمنت؛ عندما تتكاثر الأسواق السوداء وتسيطر في أي بلد فأعلم أن هذا البلد يعيش فوضى وانهيار رقابي منقطع النظير”.

وتابع أنه وفقا للمادة (3) من القانون الليبي رقم (4) بشأن تحريم اقتصاد المضاربة، يعاقب مرتكب المخالفة بالسجن وغرامة لا تقل عن 10,000 دينار، وتُضاعف العقوبة إذا كانت السلعة من السلع المدعومة من الدولة. وأردف أن المادة تنص على مصادرة السلعة ووسيلة النقل والأدوات المستخدمة في ارتكاب الجريمة، ولا يجوز الحكم بوقف تنفيذ العقوبة.

هذا المشهد يعكس بوضوح غياب دور الدولة الرقابي، وعدم قدرة الأجهزة المعنية على فرض القانون، مما جعل الأسواق السوداء تنتشر كالنار في الهشيم، وتسيطر على معظم السلع الأساسية، من الوقود إلى العملة الصعبة.

الفعاليات الترفيهية.. هروب من الواقع أم تبديد للمال العام؟

وفي انتقاد لاذع لسلوك الحكومة، قال الناشط السياسي أحمد العشيبي، إن لجوء الحكومة إلى تنظيم ورعاية المهرجانات والفعاليات، في ظل أزمات الكهرباء والوقود وارتفاع الأسعار، يعكس عجزها عن تقديم حلول حقيقية.

وأضاف العشيبي أن المهرجانات تمنح الحكومة مشهدا إعلاميا مختلفا عن واقع الأزمات، من موسيقى وأضواء واحتفالات، بينما يعاني المواطن انقطاع الكهرباء وطوابير الوقود وغلاء الأسعار، وهو ما يعكس إدارة لصورة الحكومة أكثر من معالجة للأزمة.

وأشار إلى أن أزمة الكهرباء تكشف ضعفا واضحا في إدارة الدولة، في ظل مسؤولين لا يعرفون الحل، وآخرين لا يريدونه، وغيرهم لا يملكون القدرة على تنفيذه، ما يضرب ثقة المواطن في الدولة ويستوجب المساءلة والمحاسبة.

وأكد أنه من غير المقبول إنفاق الأموال على المهرجانات بينما تعاني الكهرباء من أزمة خانقة، كما أن تخصيص أرقام لتلقي بلاغات انقطاع التيار لا يمثل حلا، بل يكتفي بتسجيل معاناة المواطنين.

ولفت إلى أن الفعاليات التي تقيمها الحكومات في شرق البلاد وغربها تحولت أحيانا إلى نوع من المنافسة والمناكفات بدل أن تأتي بعد توفير الخدمات الأساسية للمواطن.

وأكد استمرار أزمتي الكهرباء والوقود في دولة نفطية عام 2026 أمر غير مقبول، ويستوجب توجيه الإنفاق إلى إنشاء محطات جديدة وتطوير الشبكة والاستعانة بشركات متخصصة ذات خبرة.

رفع الدعم.. بين الضرورة الاقتصادية والكارثة الاجتماعية

في الملف الأكثر إثارة للجدل، حذر عميد بلدية تاجوراء السابق، حسين بن عطية، من تداعيات رفع الدعم، معتبرا أن الدعوة إلى إلغائه ستنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين، من خلال موجة واسعة من ارتفاع الأسعار في مختلف القطاعات والسلع الأساسية.

وقال بن عطية إن من يطالب برفع الدعم إما مستفيد من القرار أو لا يدرك حجم الأضرار التي ستترتب عليه، مؤكدا أن أي شخص يهتم بأوضاع المواطنين لن يدعو إلى رفع الدعم.

وأوضح أن آثار القرار لن تقتصر على أسعار الوقود، وإنما ستمتد إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد والحياة اليومية، مشيرا إلى أن ارتفاع أسعار البنزين والنافطة سينعكس على تكلفة النقل العام والحافلات وسيارات الأجرة، فضلا عن تكاليف تشغيل المعدات والآلات الزراعية.

وأضاف أن زيادة تكاليف النقل والإنتاج ستنعكس بدورها على أسعار الخبز والمشروبات واللحوم والفواكه والخضروات، إلى جانب ارتفاع تكلفة عمليات الحرث والزراعة، بما قد يؤدي إلى موجة تضخمية تمس مختلف شرائح المجتمع.

ووصف بن عطية تداعيات رفع الدعم بأنها محرقة، مؤكدا أن آثارها الاجتماعية والاقتصادية ستكون أكثر قسوة على المواطنين محدودي ومتوسطي الدخل، بينما قد لا يشعر بها أصحاب الأموال والمناصب بالدرجة نفسها.

دعوات التقشف.. البداية من المسؤولين

وفي موقف مغاير، دعا السفير الليبي السابق لدى أوكرانيا عادل عيسى، إلى تبني إجراءات تقشفية شاملة لمدة لا تقل عن عامين، تبدأ من مؤسسات الدولة وأصحاب المناصب العليا، لمواجهة ما وصفه بخطورة الوضع الاقتصادي والمالي في البلاد.

وقال عيسى إن إنقاذ الوطن يتطلب “قرارات شجاعة”، مقترحا خفض مرتبات ومزايا شاغلي المناصب العليا في المؤسسات التشريعية والرقابية ومجلس الدولة والحكومة والمؤسسات والشركات الحكومية والمالية.

وطالب بمراجعة الإنفاق الحكومي والمكافآت والمزايا المالية التي تُمنح دون مبررات، إلى جانب وضع سقف للمرتبات لا يتجاوز 4 آلاف دينار للنائب أو الوزير أو المسؤول أو الموظف، مع إجراء مراجعة شاملة للعضويات والامتيازات المالية.

كما دعا السفير السابق إلى إعادة النظر في التعيينات الحكومية ووقف التوسع غير الضروري في الجهاز الإداري للدولة، بالتوازي مع تبني سياسات مالية صارمة للحفاظ على احتياطيات البلاد من العملات الأجنبية والذهب. وشدد على ضرورة ألا يتحمل المواطن الليبي فاتورة سنوات من سوء الإدارة والإنفاق غير المنضبط، مؤكدا أن إجراءات التقشف يجب أن تبدأ من أصحاب القرار ومؤسسات الدولة قبل أن تطال المواطن البسيط.

واعتبر أن المرحلة الحالية “لا تحتمل المزيد من التأجيل”، داعيا إلى مواجهة الأزمة عبر قرارات وصفها بالعادلة والشجاعة، محذرا من أن استمرار التأخير قد يؤدي إلى تحمل الجميع كلفة أكبر مستقبلا. وأكد أن التقشف ليس شعارا، بل مسؤولية وطنية، مطالبا أصحاب القرار بأن تكون البداية من أنفسهم في تحمل تبعات الأزمة الاقتصادية والمالية.

العقد الاجتماعي الجديد.. المخرج الوحيد

وفي رؤية استشرافية، أكد علاء محمود القزار أن ليبيا لا تحتاج فقط إلى تغيير الحكومة، وإنما إلى “عقد اجتماعي جديد” يحدد العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس الحقوق والواجبات، ويجعل القانون والشفافية والمحاسبة ركائز لإدارة الدولة.

وأوضح أن الدولة يجب أن تلتزم بتوفير الأمن والعدالة والتعليم والصحة الأساسية والبنية التحتية وتكافؤ الفرص وحماية الحقوق، مقابل التزام المواطن بالقانون ودفع الضرائب والرسوم العادلة والمحافظة على المال العام والعمل والإنتاج.

وأشار إلى أن تجارب دول مثل رواندا وإستونيا تؤكد أن تغيير الأشخاص وحده لا يكفي، وأن إصلاح الدولة يرتبط بتغيير القواعد وبناء مؤسسات أكثر كفاءة وربط الإدارة بالأداء والشفافية وتقليص فرص الفساد.

وشدد على أن العقد الاجتماعي الجديد يعني الانتقال من “وظيفة حكومية للجميع” إلى “فرصة عمل حقيقية للجميع”، ومن دعم السلع بصورة عامة إلى دعم المواطن المحتاج مباشرة، ومن منصب يمنح الامتيازات إلى وظيفة عامة بأجر عادل ومحاسبة صارمة.

ودعا القزار إلى الانتقال من اقتصاد يقوم على توزيع عائدات النفط إلى اقتصاد يستخدم هذه العائدات لبناء الأصول والمؤسسات والقطاعات المنتجة، وخلق مساحة حقيقية أمام قطاع خاص قادر على الاستثمار وتوفير فرص العمل.

واعتبر أن تغيير الحكومات بصورة متكررة لن يؤدي بالضرورة إلى تغيير النتائج إذا بقيت قواعد إدارة الدولة والاقتصاد كما هي، قائلا إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمسؤول والمواطن.

الاستثمار بين الانتخابات والمؤسسات

وفي قراءة لواقع الاستثمار، أكد رجل الأعمال حسني بي أن أي مسار انتخابي واضح وقابل للتنفيذ يمكن أن يخفف جزءا مهما من حالة عدم اليقين، لأن المستثمر والمواطن والتاجر يحتاجون إلى معرفة من يملك القرار وما مدة هذا القرار وما القواعد التي ستستمر خلال الفترة المقبلة.

وأضاف أن الاقتصاد لا ينتظر السياسيين، فحتى إذا تأخر الاتفاق السياسي سنة أو خمس سنوات سيواصل المواطن الاستهلاك والادخار والبحث عن الدولار وستواصل الشركات اتخاذ قراراتها بالاستثمار أو الامتناع عنه وستستمر الدولة في الإنفاق. وأشار إلى أن تكلفة الانتظار السياسي لا يدفعها السياسيون وحدهم بل يتحملها المواطن يوميا من خلال تراجع القوة الشرائية ومستوى الخدمات وفرص العمل.

وأوضح أن الانتخابات يمكن أن تكون بداية لاستعادة الشرعية والاستقرار لكنها ليست في حد ذاتها برنامجا اقتصاديا، وتحويل الانفراج السياسي إلى استثمارات فعلية يحتاج إلى مؤسسات وقانون وقواعد مستقرة.

وأفاد أن المستثمر لا يبحث فقط عن الجهة التي تحكم بل يهتم باحترام العقود وفاعلية القضاء وإمكانية تحويل الأرباح واستقرار سعر الصرف وحماية الملكية واستمرار القواعد المنظمة للنشاط الاقتصادي.

كما أكد أن السياسة يمكن أن تفتح الباب أمام الاستثمار لكن المؤسسات والقانون هما ما يجعل المستثمر يدخل من هذا الباب، ولذلك لا يجب انتظار انتهاء الخلافات السياسية لبدء إصلاح القضاء التجاري والسجل العقاري والمصارف والضرائب والجمارك وبيئة الأعمال.

وأفاد أن الانقسام السياسي يتحول إلى مشكلة اقتصادية عندما تتعدد مراكز القرار والإنفاق أمام مورد مالي واحد تقريبا، فتتزايد الالتزامات والرواتب والمشروعات التي تتنافس على الإيرادات النفطية والنقد الأجنبي.

وشدد على أن توحيد المؤسسات يمكن أن يساعد في معالجة ازدواجية الإنفاق لكنه لا يكفي وحده، لأن وجود حكومة واحدة لا يعني انتهاء سوء الإنفاق إذا لم تكن هناك قواعد مالية واضحة وملزمة.

خاتمة: ليبيا تستحق النهضة

في كلمة ختامية تعكس روح الأمل رغم كل المعاناة، قال المحلل السياسي فضيل الأمين، إن ليبيا ستنهض من رماد الحرب والجشع والفساد والحسد والفوضى.

وأضاف في منشور عبر فيسبوك: “خطرها على اليأس والإحباط وفقدان الأمل، دعوني أقول لكم قناعتي التي لا يتطرق إليها أدنى شك، ستنهض ليبيا من رماد الحرب، والجشع، والفساد، والأنانية، والحسد، واليأس، والغضب، والكراهية، والخوف، والفوضى، والانفلات، وغياب الدولة.

ليس فقط لأننا نستحق ذلك ولكن لأن الله رحيم بالأجيال القادمة والتي تستحق الأفضل. لا يساورني في ذلك أدنى شك. بإذن الله… ستنهض ليبيا من جديد”.

هذه الكلمات تعبر عن إيمان راسخ بأن ليبيا، رغم كل الجراح، قادرة على النهضة متى ما توفرت الإرادة السياسية والشجاعة في اتخاذ القرارات المصيرية.

فالمشكلة ليست في ثروات البلاد التي تظل هائلة، ولا في شعبها الذي يظل طموحا، ولكن في نظام إدارة فاسد وعاجز يحتاج إلى تغيير جذري يبدأ من إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، ويمر بمراجعة شاملة للسياسات الاقتصادية والمالية، وينتهي ببناء مؤسسات قوية قادرة على محاسبة الفاسدين وحماية حقوق المواطنين.

إن ما تشهده ليبيا اليوم من أزمات متشابكة ليس قدرا محتوما، بل نتيجة حتمية لسياسات فاشلة وقرارات خاطئة اتخذت على مدى عقود.

والمطلوب الآن ليس مجرد تغيير حكومة بأخرى، بل تغيير جذري في فلسفة إدارة الدولة، يضع المواطن في قلب الاهتمام، ويجعل من رفاهيته وكرامته غاية كل سياسة وقرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى