ليبيا

القطراني: استقرار ليبيا مصلحة مشتركة.. والمصالحة الوطنية مفتاح بناء الدولة الموحدة

بنغازي تحتضن ملتقى إقليمياً للأحزاب والقطراني يدعو لدور فاعل للأحزاب في تجاوز التحديات الوطنية

ليبيا 24

ليبيا في مفترق الطرق: القطراني يضع خارطة طريق للاستقرار الوطني والإقليمي

في مشهد سياسي يعكس تحولاً نوعياً في الخطاب الرسمي الليبي، أكد نائب رئيس الحكومة الليبية علي القطراني أن أمن ليبيا واستقرارها لم يعد شأناً محلياً فحسب، بل تحول إلى مصلحة مشتركة تربط مصير البلاد بمحيطها العربي والإفريقي والمتوسطي.

وجاءت هذه التصريحات في كلمة ألقاها بافتتاح الملتقى الإقليمي للأحزاب بمدينة بنغازي، بحضور نخبة من المسؤولين وأعضاء مجلس الدولة وممثلي البعثات الدبلوماسية والمنظمات الإقليمية والدولية، إلى جانب نخبة من ممثلي الأحزاب والقوى السياسية ومراكز البحوث والخبراء.

بنغازي منصة للحوار الإقليمي

وفي خطوة تحمل دلالات بالغة الأهمية، اختارت الحكومة الليبية مدينة بنغازي – التي شكلت لسنوات بؤرة للصراع – منصةً لانطلاق هذا الملتقى الإقليمي، في إشارة واضحة إلى أن الدولة عازمة على لمّ الشمل وتوحيد الصفوف.

وأوضح القطراني في كلمته التي تابعها ليبيا 24 أن انعقاد الملتقى في هذا التوقيت بالذات يحمل رسائل متعددة، إذ تأتي هذه الفعالية في ظل تحولات عالمية كبرى تنعكس انعكاساتها بشكل مباشر على الأوضاع الإقليمية، مما يستدعي من ليبيا أن تكون فاعلاً لا متلقياً، وشريكاً في صنع القرار لا ضحية للصراعات.

استقرار لا يتجزأ: ليبيا والمنطقة في معادلة واحدة

ورسم القطراني صورة واضحة للعلاقة العضوية بين ليبيا ومحيطها، مؤكداً أن مستقبل البلاد لا ينفصل عن محيطها العربي والإفريقي والمتوسطي، وأن استقرار ليبيا يمثل حجر الزاوية لأمن المنطقة برمتها.

وأشار إلى أن الدعم الإقليمي والدولي مطالب اليوم بأن يكون أكثر فاعلية وتأثيراً، وأن ينتقل من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء الدول، داعياً إلى تعزيز الحوار والتوافق كسبيل وحيد للخروج من عنق الزجاجة التي تمر بها البلاد.

ولم يغفل القطراني الإشارة إلى قدرات ليبيا الذاتية، مؤكداً أن التجارب الماضية أثبتت قدرة هذا البلد العريق على الحفاظ على إرادته الوطنية رغم كل التحديات، وأن السيادة الوطنية واستقلالية القرار تبقان خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه في أي معادلة سياسية.

أولويات المرحلة: حزمة متكاملة للنهوض بالدولة

وكشف نائب رئيس الحكومة عن حزمة من الأولويات المترابطة التي تعمل الحكومة على تنفيذها خلال المرحلة المقبلة، مؤكداً أن هذه الأولويات تمثل رؤية متكاملة وليست مجرد نقاط منفصلة، حيث تشمل تعزيز الاستقرار الأمني وتقوية مؤسسات الدولة، ودعم المصالحة الوطنية بوصفها المشروع الجامع لكل الليبيين، وتحسين الخدمات الأساسية التي تمس حياة المواطن اليومية، ودفع عجلة التنمية وإعادة الإعمار.

وأوضح أن الحكم الرشيد يمثل الإطار الحاكم لهذه الأولويات، حيث لا يمكن تحقيق أي من هذه الأهداف دون إدارة رشيدة لموارد الدولة وتوحيد مؤسساتها، مشيراً إلى أن إعادة إعمار المدن والمناطق المتضررة تمثل أولوية قصوى، إلى جانب دعم الأسس الاقتصادية والاجتماعية التي تضمن استدامة الاستقرار.

الأحزاب السياسية بين المسؤولية الوطنية والمآزق الحزبية

وفي جزء حساس من كلمته، وجّه القطراني خطاباً مباشراً إلى الأحزاب والقوى السياسية، داعياً إياها إلى تحمّل مسؤولياتها الوطنية بوصفها مكوناً أساسياً من مكونات الحياة العامة.

وأكد أن الدولة المستقرة تحتاج إلى حياة سياسية فاعلة تقوم على التعددية واحترام الاختلاف، والالتزام بالوسائل الديمقراطية والقانونية، بعيداً عن لغة الإقصاء والتهميش.

ودعا القوى الحزبية إلى تجاوز المصالح الحزبية الضيقة والنظر إلى المصالح العليا للدولة الليبية، مشدداً على أن الوقت قد حان لوضع اللم الشامل قبل كل اعتبار، وأن الأحزاب مطالبة اليوم بإثبات أنها جزء من الحل وليست جزءاً من الأزمة، وأن تعمل على تعزيز التوافق الوطني ودعم مسار الاستقرار، بدلاً من أن تكون أداة لتكريس الانقسام.

من دولة متأثرة إلى شريك فاعل: رؤية مستقبلية لليبيا

واختتم القطراني كلمته برؤية مستقبلية طموحة، معرباً عن تطلع ليبيا إلى الانتقال من دولة متأثرة بالتحديات الإقليمية إلى شريك فاعل في معالجة المشكلات وبناء الاستقرار، بما يخدم مصالح الشعب الليبي وشعوب المنطقة كافة.

وأكد أن هذه الرؤية ليست مجرد طموحات سياسية، بل هي خيار استراتيجي يفرضه واقع المنطقة والحاجة إلى أمن جماعي وتنمية مستدامة في الفضاء العربي والإفريقي والمتوسطي.

وشدد على أهمية مخرجات الملتقى وتوصياته، معرباً عن أمله في أن تفتح هذه التوصيات آفاقاً جديدة للتعاون الإقليمي، وأن تشكل خطوات عملية نحو مستقبل أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً لليبيا والمنطقة بأسرها.

المواطن الليبي في قلب المعادلة

وفي السياق ذاته، يرى مراقبون أن تصريحات القطراني حملت رسائل ضمنية حول أولوية المواطن الليبي في أي ترتيبات مستقبلية، فالدعوة إلى تحسين الخدمات وإعادة الإعمار ليست مجرد شعارات انتخابية، بل تعكس إدراكاً حقيقياً بأن الاستقرار الدائم لا يمكن أن يتحقق دون أن يشعر المواطن بتحسن ملموس في حياته اليومية.

وتشير المعطيات إلى أن الحكومة تعمل على حزمة من المشاريع التنموية في مختلف المناطق، تهدف إلى تحقيق عدالة تنموية تضم كل الليبيين دون تمييز.

وفي قراءة للأبعاد الاقتصادية، يرى خبراء أن تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي هو المدخل الحقيقي لإحياء الاقتصاد الليبي وجذب الاستثمارات، خاصة في قطاع النفط والغاز الذي يمثل شريان الحياة للبلاد، إلى جانب قطاعات البناء والخدمات والزراعة التي يمكن أن توفر فرص عمل حقيقية للشباب الليبي.

مستقبل واعد بجهود الجميع

ومع اختتام فعاليات الملتقى، خرج المشاركون بتوصيات تؤكد أهمية استمرار الحوار والتشاور بين جميع الأطراف، وضرورة تفعيل دور الأحزاب السياسية في الحياة العامة، مع التأكيد على مركزية المصالحة الوطنية كخيار استراتيجي لا بديل عنه.

ويبدو أن ليبيا تقف اليوم أمام فرصة حقيقية لقلب الصفحة الماضية، والانطلاق نحو بناء دولة موحدة قادرة على حماية حقوق جميع مواطنيها، وتأمين مستقبل مشرق للأجيال القادمة، شريطة أن يكون هناك إرادة سياسية حقيقية وتضافر جهود كل الليبيين، وأن يحظى هذا المسار بدعم إقليمي ودولي يساند جهود الليبيين ولا يفرض عليهم وصايات من أي نوع كانت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى