ليبيا

النزاعات في ليبيا تترك آثارًا نفسية عميقة على الأطفال

خبراء يحذرون من تداعيات الخوف والنزوح وفقدان الأسرة

لم تعد تداعيات النزاعات والأزمات الأمنية التي شهدتها ليبيا خلال السنوات الماضية محصورة في الخسائر المادية والآثار المباشرة للعنف، إذ امتدت إلى الأطفال الذين وجد كثير منهم أنفسهم أمام تجارب تفوق قدرتهم على الاستيعاب، من الخوف والاشتباكات والنزوح إلى فقدان أحد أفراد الأسرة أو المنزل، في مراحل عمرية يفترض أن تكون مخصصة للتعلم والنمو وبناء الشخصية.

وتكشف شهادات وخبراء في علم النفس والعمل المجتمعي أن هذه التجارب قد تترك آثارًا ممتدة على الصحة النفسية للأطفال وسلوكهم وقدرتهم على التعلم والتفاعل مع محيطهم، فيما يظل جزء من هذه التداعيات غير ظاهر بصورة مباشرة، ما يجعل اكتشافها والتعامل معها مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمؤسسات المختصة.

الخوف يتحول إلى اضطرابات سلوكية ونفسية

قالت الأكاديمية الليبية سناء اشتيوي، إن آثار النزاعات والعنف تختلف باختلاف عمر الطفل وطبيعة التجربة التي تعرض لها، مشيرة إلى أن الخوف واضطرابات النوم وصعوبة التركيز والانطواء وفقدان الشعور بالأمان من أبرز التداعيات التي قد تظهر عليه.

وأوضحت أن بعض الأطفال قد يصبحون أكثر عدوانية، فيما يميل آخرون إلى التعلق المفرط بذويهم نتيجة الخوف والقلق، بينما قد تظهر لدى البعض أعراض أخرى، بينها الصمت والعزلة وفقدان الشهية والكوابيس الليلية والتبول اللاإرادي.

وترى اشتيوي أن خطورة هذه الأعراض لا تكمن فقط في تأثيرها الآني، وإنما في إمكانية استمرارها إذا لم يجر التعامل معها مبكرًا، خصوصًا في ظل تكرار التجارب العنيفة التي قد تعزز لدى الطفل شعورًا دائمًا بعدم الأمان.

النزوح.. فقدان الاستقرار قبل أن يكون انتقالًا جغرافيًا

ولا يقتصر تأثير النزاعات على الأطفال الذين شهدوا أعمال العنف بصورة مباشرة، إذ يمثل النزوح في حد ذاته تجربة ضاغطة، بعدما يجد الطفل نفسه بعيدًا عن منزله ومدرسته وبيئته الاجتماعية المعتادة.

وأشارت اشتيوي إلى أن انتقال الطفل إلى بيئة جديدة قد يصعّب عملية اندماجه ويؤثر في مساره التعليمي واستقراره النفسي والاجتماعي، فضلًا عن الأعباء الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها الأسر النازحة، والتي قد تحد من قدرتها على تلبية احتياجات الأطفال.

ومن هذه الزاوية، فإن التعامل مع النزوح باعتباره مجرد أزمة سكن أو انتقال مؤقت يتجاهل جانبًا أساسيًا من تداعياته، يتعلق بفقدان الطفل الإحساس بالاستقرار والانتماء واستمرارية حياته اليومية.

المدرسة خط دفاع مبكر عن الطفل

وتؤكد اشتيوي أن اكتشاف التأثيرات النفسية في مراحل مبكرة يمكن أن يتم عبر مراقبة التغيرات التي تطرأ على سلوك الطفل ومستواه الدراسي وعلاقاته مع زملائه وأسرته، إلى جانب التواصل المستمر بين الأسرة والمعلمين.

وقد يمثل تراجع التحصيل الدراسي أو الانعزال عن الزملاء أو تغير السلوك مؤشرات تستدعي الانتباه، بدل التعامل معها باعتبارها مجرد مشكلات تربوية أو سلوكية منفصلة عن الظروف التي عاشها الطفل.

وفي هذا السياق، تبدو المدارس إحدى أهم نقاط التدخل، خصوصًا في بلد شهد تجارب متكررة من النزاعات والنزوح، إذ يمكن أن تتحول المدرسة من مساحة للتعليم فقط إلى بيئة لاستعادة الشعور بالأمان والاستقرار والدعم الاجتماعي.

الأطفال الأكثر تضررًا يحتاجون إلى حماية متخصصة

من جانبها، قالت رئيس منظمة الرونق للأم والطفل، رفيعة البرناوي، إن الأطفال الذين تعرضوا للعنف أو النزوح أو فقدان أحد أفراد الأسرة يعدون من أكثر الفئات عرضة لتداعيات النزاعات، إلى جانب الأطفال ذوي الإعاقة والأطفال في المناطق المتضررة.

وأكدت أن حماية هذه الفئات لا تتوقف عند توفير الاحتياجات الأساسية، وإنما تتطلب دعمًا نفسيًا واجتماعيًا واحتواءً أسريًا، مع ضمان استمرار العملية التعليمية وتعويض الفاقد التعليمي.

وشددت البرناوي على أن الأسرة والمدرسة والمؤسسات الاجتماعية والنفسية تؤدي أدوارًا متكاملة، تبدأ من توفير الأمان والاحتواء داخل الأسرة، وتمتد إلى توفير بيئة مدرسية آمنة، وصولًا إلى الكشف المبكر والعلاج وإعادة دمج الأطفال في محيطهم الاجتماعي.

الحاجة إلى برنامج وطني تتجاوز الاستجابة المؤقتة

وتبرز تصريحات الخبراء الحاجة إلى الانتقال من التعامل مع آثار النزاعات باعتبارها حالات فردية إلى بناء منظومة وطنية مستدامة لحماية الأطفال.

ودعت البرناوي إلى برنامج وطني متكامل لحماية الأطفال في ليبيا، يتضمن توفير خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، والاستعانة بأخصائيين مؤهلين داخل المدارس، وتنفيذ برامج لتعويض الفاقد التعليمي، إلى جانب تعزيز حماية الأطفال من العنف والاستغلال ودعم الأسر.

كما شددت على أهمية نشر ثقافة السلام والحوار ونبذ العنف، معتبرة أن الاستثمار في حماية الأطفال نفسيًا وتعليميًا واجتماعيًا يمثل عاملًا أساسيًا لمنع انتقال آثار النزاعات إلى الأجيال المقبلة.

تداعيات مؤجلة تهدد مستقبل جيل كامل

وتشير المعطيات التي يطرحها الخبراء إلى أن كلفة النزاعات على الأطفال قد تكون أطول عمرًا من زمن المواجهات نفسها. فالطفل الذي يفقد شعوره بالأمان أو ينقطع عن التعليم أو يعيش تجربة النزوح المتكرر قد يحمل آثارها إلى مراحل لاحقة من حياته، خصوصًا إذا غابت التدخلات النفسية والاجتماعية المبكرة.

وفي ضوء استمرار هشاشة الأوضاع الأمنية والاجتماعية في ليبيا، تبدو حماية الأطفال من التداعيات غير المرئية للنزاعات اختبارًا يتجاوز قدرة مؤسسة واحدة. فغياب منظومة وطنية مستمرة للرصد والدعم والعلاج قد يعني ترك آثار العنف تتراكم بصمت داخل جيل يفترض أن يكون أحد ركائز استقرار البلاد مستقبلًا.

ومن ثم، فإن معالجة آثار النزاعات على الأطفال لا ينبغي أن تنتظر وقوع أزمة جديدة، بل تتطلب سياسة وقائية طويلة الأمد تضع الصحة النفسية والتعليم والحماية الاجتماعية في صلب الاستجابة الوطنية، وتحول دون أن يصبح الأطفال ضحايا دائمين لصراعات لم يكونوا طرفًا فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى