ليبيا

الساحل يشتعل والنار تأتي من حدودنا.. هل يتحمل الجيش الليبي وحده مسؤولية حماية الوطن من موجة هجرة الإرهاب والمجاعة؟

ليبيا تواجه تحديا وجوديا على الحدود الجنوبية وسط انهيار أمني في دول الساحل وتهديدات بهجرات جماعية تحمل في طياتها الإرهاب والأمراض والمجاعة.

ليبيا 24

ليبيا في مواجهة العاصفة.. حدود مفتوحة على فوضى الساحل ومسؤولية تاريخية تنتظر الجيش

إنذار من قلب الصحراء

في مشهد يعيد إنتاج سيناريوهات الفوضى التي عصفت بمنطقة الساحل الإفريقي على مدار السنوات الماضية، اهتزت العاصمة النيجرية نيامي فجر السبت الماضي على وقع إطلاق نار كثيف وانفجارات عنيفة استهدفت محيط القصر الرئاسي ومطار ديوري هاماني الدولي والقاعدة العسكرية 101.

وبينما أعلنت وزارة الدفاع النيجرية احتواء “تمرد محدود” واستعادة السيطرة على المواقع المستهدفة، فإن الدلالات الأعمق لهذا التطور الأمني تتجاوز حدود النيجر لتضرب في صميم الأمن القومي الليبي.

فالساحل الإفريقي الذي يعج بالانقلابات والتحركات الدولية المشبوهة، لم يعد اليوم مجرد جارة مضطربة، بل أصبح بؤرة تهديد وجودي للدولة الليبية التي تنظر اليوم إلى حدودها الجنوبية الممتدة لأكثر من 1790 كيلومترا بعين القلق والحذر.

إنها مسافة شاسعة تحتاج إلى جيش بأكمله لحمايتها، وجيش ليبيا – الذي خرج لتوه من حرب مدن ضارية استمرت ست سنوات مع أشرس الجماعات المتطرفة – يجد نفسه اليوم أمام اختبار جديد لا يقل خطورة عن تلك الحرب.

النيجر: تمرد أم مؤامرة إقليمية؟

ما شهدته نيامي لم يكن مجرد محاولة انقلاب عسكري تقليدية. فالمعلومات المتضاربة تشير إلى مشهد أكثر تعقيدا، حيث تحدثت مصادر أمنية عن هجوم إرهابي استهدف المطار والقاعدة العسكرية، بينما أشارت روايات أخرى إلى تحرك متمردين من داخل صفوف القوات المسلحة النيجرية حاولوا اختراق الطوق الأمني المحيط بالقصر الرئاسي.

هذا الغموض في طبيعة الأحداث يعكس واقعا أكثر إيلاما: منطقة الساحل أصبحت ساحة مفتوحة لتجاذبات القوى الإقليمية والدولية، حيث تعمل المخابرات على تأجيج الجماعات الإرهابية لتمكينها من السيطرة على أجهزة الدول التي أنهكتها الحروب الأهلية.

والنيجر، التي شهدت انقلابا عسكريا قبل عامين على الرئيس محمد بازوم، تبدو اليوم وكأنها تعيد إنتاج ذات السيناريو في حلقة مفرغة من العنف وعدم الاستقرار.

حدود ليبيا الجنوبية: خط دفاع أخير

على بعد مئات الكيلومترات من نيامي، تقف القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية أمام واقع مرير: جيران ينهارون واحدا تلو الآخر، وحدود شاسعة تزداد هشاشة مع كل أزمة جديدة. فالسودان منقسم على نفسه بسبب التدخلات الخارجية، ومالي تعيش أتون صراع دموي، وتشاد منفتحة بالكامل على الحدود الليبية، والآن النيجر تضاف إلى قائمة الدول المهددة بالانهيار.

هذا المشهد المتسارع يضع الجيش الليبي أمام مسؤولية تاريخية لا تحتمل التأجيل: حماية الحدود الجنوبية من موجات الهجرة الجماعية التي قد تندفع نحو الشمال حاملة معها المجاعة والأمراض الخطيرة والمجرمين، وفي مقدمتهم الجماعات الإرهابية ذاتها التي حاربها الجيش وقضى عليها في ساحات القتال، والتي تسعى الآن للعودة عبر الصحراء من جديد.

جيش منهك وتحديات لا تنتهي

لا يمكن إنكار أن القوات المسلحة الليبية خرجت من حرب ضروس استمرت ست سنوات مع أشرس التنظيمات الإرهابية التي شهدتها المنطقة، وبينها تنظيمات كانت مدعومة من دول كبرى وأخرى إقليمية.

هذا الجيش الذي قدم آلاف الشهداء والجرحى، والذي تمكن بفضل صموده وتضحياته من تطهير المدن الليبية من رجس الإرهاب، يجد نفسه اليوم مطالبا بخوض معركة جديدة على جبهة تمتد لأكثر من 1790 كيلومترا في قلب الصحراء.

إنها مهمة تتطلب كمّا هائلا من الجنود والإمكانيات الضخمة التي لا يمتلكها جيش خرج لتوه من حرب مدن.

لكن القيادة العامة للجيش الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، لم تتردد في تحمل هذه المسؤولية الكبرى، مدركة أن ما يحدث في الساحل ليس بعيدا عن ليبيا، وأن أي انفلات أمني في تلك الدول سينعكس مباشرة على الأمن القومي الليبي.

الهجرة الجماعية: تهديد وجودي

السيناريو الأسوأ الذي يلوح في الأفق هو موجة نزوح جماعي من دول الساحل المضطربة نحو المدن والمناطق الليبية الجنوبية. إنها هجرة لن تأتي فقط بآلاف البشر الفارين من الجوع والحرب، بل ستحمل معها أمراضا خطيرة، ومجرمين هاربين، وعناصر إرهابية تسعى لإعادة بناء خلاياها النائمة في الصحراء الليبية.

وهنا تكمن الخطورة القصوى: فليبيا، التي تعافت لتوها من جراح الحرب الداخلية، لا تستطيع تحمل موجة نزوح جديدة قد تطيح بكل ما تحقق من استقرار.

والأخطر من ذلك أن هذه الهجرات قد تحمل في طياتها بذور صراعات جديدة، حيث ستتنافس الجماعات المسلحة والقبلية المختلفة على موارد الجنوب الشحيحة، مما قد يعيد إنتاج فوضى جديدة في المنطقة.

ضرورة المساندة: جيشكم هو طوق النجاة

في ظل هذه التحديات الجسام، يبرز سؤال مصيري: هل يتحمل الجيش الليبي وحده هذه المسؤولية؟ الإجابة القاطعة هي لا. فالجيش بحاجة إلى مساندة شعبية ورسمية غير مسبوقة، وإلى دعم سياسي ومالي ولوجستي يمكنه من تعزيز قدراته على حماية الحدود.

إن القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية، التي أثبتت كفاءتها في حربها ضد الإرهاب، هي اليوم طوق النجاة الوحيد الذي يمكن أن يقي ليبيا شر الفوضى القادمة من الجنوب. فالجيش الليبي هو السد المنيع الذي سيصد تلك الهجرات الجماعية التي تحمل المجاعة والأمراض والإرهاب.

نحو رؤية أمنية متكاملة

ما يحدث في الساحل الإفريقي ليس مجرد أزمات عابرة، بل هو إنذار استراتيجي يقول لليبيا بوضوح: المخاطر في الساحل لا تتراجع بل تتزايد، وتعيد تشكيل البيئة الأمنية المحيطة.

لذلك، لا يمكن للدولة الليبية أن تنتظر وصول الخطر إلى حدودها حتى تبدأ في بناء مؤسساتها الأمنية.

إن توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية الليبية لم يعد ترفا سياسيا، بل أصبح ضرورة وأولوية وشرطا أساسيا لحفظ الاستقرار. فلا يمكن بناء استقرار مستدام في دولة منقسمة مؤسساتها الأمنية والعسكرية، ولا يمكن مواجهة المخاطر الإقليمية بقدرات مجزأة وقيادات متعددة.

خاتمة: ليبيا في قلب العاصفة

بينما تحاول السلطات النيجرية احتواء تداعيات محاولة التمرد الفاشلة، تقف ليبيا على حافة الهاوية، تنظر إلى الجنوب حيث تتكثف الغيوم وتلوح في الأفق عواصف جديدة.

إن الجيش الليبي، الذي خاض أشرس المعارك ضد الإرهاب، يخوض اليوم معركة وجودية جديدة على حدود تمتد لأكثر من 1790 كيلومترا.

إنها معركة لا يمكن خوضها بمفردها، بل تحتاج إلى تضافر كل الجهود الرسمية والشعبية لدعم القوات المسلحة الليبية، التي تظل الحصن المنيع والطوق الواقي الذي يحمي الوطن من مخاطر الفوضى القادمة من الجنوب.

فليبيا التي أنهكتها الحروب لا تحتمل مزيدا من الأزمات، والمواطن الليبي المكلوم الذي دفع ثمن الفوضى غاليا، يستحق أن ينام آمنا في وطنه، عالما أن جيشه يقف سدا منيعا في وجه كل المخاطر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى