ليبيا بين التقارب الدولي واختبار التوافق الداخلي
تقارب مصري-تركي وأمريكي قد يدفع نحو توحيد السلطة

ليبيا 24
يشهد الملف الليبي تحركًا سياسيًا متزايدًا في ظل تقارب نسبي بين القوى الدولية والإقليمية المؤثرة، بالتزامن مع تصاعد الحديث عن مسارات جديدة لتجاوز الانقسام وتوحيد السلطة التنفيذية.
ويبرز مسار لجنة 4+4 باعتباره أحد الخيارات المطروحة لكسر حالة الجمود، إلا أن نجاحه يظل مرتبطًا بمدى قدرة الأطراف الليبية على تحويل التفاهمات إلى ترتيبات قابلة للتنفيذ.
تقارب دولي يفتح نافذة للحل
عضو مجلس الدولة سعد بن شرادة يرى أن التقارب الأخير بين مصر وتركيا والولايات المتحدة بشأن الملف الليبي قد يمثل عاملًا حاسمًا في دفع العملية السياسية نحو توحيد السلطة التنفيذية وإنهاء الانقسام.
وبحسب بن شرادة، فإن الخلافات الدولية والإقليمية خلال السنوات الماضية انعكست بصورة مباشرة على الداخل الليبي، وأسهمت في إضعاف فرص التوافق وتعطيل جهود توحيد المؤسسات.
ويرى أن توحيد مواقف الدول الفاعلة، خصوصًا القاهرة وأنقرة، يمكن أن يمنح أي مخرجات توافقية غطاءً إقليميًا ودوليًا أكبر، معتبرًا أن لجنة 4+4 قد تكون المسار الأكثر قدرة على تحقيق اختراق بعد تعثر مجلسي النواب والدولة في تنفيذ خارطة الطريق.
ويقدّر بن شرادة أن التوافق الدولي والإقليمي حول مخرجات اللجنة يمكن أن يسهم بنحو 70% في تهيئة الظروف اللازمة للتوصل إلى حل للأزمة وتوحيد السلطة التنفيذية.
شروط الانتخابات تتجاوز مجرد الاتفاق السياسي
في المقابل، يؤكد عضو اللجنة الاستشارية المشكلة من البعثة الأممية كمال حذيفة أن أي مسار ليبي-ليبي يؤدي إلى تجاوز نقاط الخلاف يستحق الدعم، شرط أن يقود في النهاية إلى استكمال الاستحقاقات الانتخابية وتوحيد مؤسسات الدولة.
ويحدد حذيفة أربعة مرتكزات رئيسية لأي مسار جاد نحو الانتخابات، تتمثل في تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتوفير الأساس القانوني أو الدستوري للعملية الانتخابية، وتمكين المفوضية من أداء مهامها وتوفير التمويل اللازم لها، إلى جانب تشكيل سلطة تنفيذية موحدة جديدة.
وتكشف هذه الشروط أن الأزمة الليبية لا تتعلق فقط بالتوافق على الأسماء أو توزيع المناصب، وإنما تمتد إلى بنية قانونية ومؤسسية وأمنية ما زالت تعاني الانقسام.
4+4 أمام اختبار مجلسي النواب والدولة
يرى حذيفة أن اللجنة الاستشارية والحوار المهيكل سعيا خلال الفترة الماضية إلى معالجة القضايا التي عطلت التوافق بين مجلسي النواب والدولة، مشيرًا إلى أن التوصل إلى تفاهم بين اللجنتين ثم عرضه على المجلسين يمكن أن يفتح الباب أمام الانتقال إلى تنفيذ باقي الاستحقاقات.
لكن التجربة السياسية الليبية تضع هذه الرؤية أمام اختبار صعب؛ إذ إن المشكلة لم تكن في غياب المبادرات بقدر ما كانت في قدرة المؤسسات السياسية على اعتماد مخرجاتها وتنفيذها.
ومن هنا، فإن أي اتفاق جديد قد يواجه العقبة ذاتها إذا بقي رهينًا بحسابات مجلسي النواب والدولة، خصوصًا مع استمرار الخلافات بشأن القواعد الدستورية والقوانين الانتخابية وشكل السلطة التنفيذية.
الدور الأمريكي.. فرصة أم إعادة إنتاج للتوازنات؟
ويبرز الدور الأمريكي بصورة متزايدة في المشهد الليبي، وفق رؤية حذيفة، خصوصًا مع الاهتمام بتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، وحماية الموارد النفطية والغازية، وتعزيز الاستقرار الإقليمي ومنع عودة التنظيمات الإرهابية.
ويرى أن واشنطن انتقلت من التركيز على ترتيبات وقف إطلاق النار إلى السعي نحو سلام أكثر استدامة، وهو ما قد يمنح المسار السياسي دفعًا إضافيًا.
لكن الرهان على الضغط الخارجي وحده يحمل مخاطر واضحة؛ فالتجربة الليبية أثبتت أن التوافق الدولي يمكن أن يفتح الطريق أمام التسوية، لكنه لا يستطيع بمفرده ضمان تنفيذها ما لم تتوافر إرادة محلية حقيقية وقدرة مؤسسية وأمنية على فرض الاتفاق.
الخلاصة.. التقارب الخارجي لا يكفي
تبدو ليبيا أمام فرصة سياسية جديدة نتيجة التقارب بين عدد من القوى الدولية والإقليمية، إلا أن تحويل هذه الفرصة إلى حل مستدام يتطلب أكثر من توافق عواصم القرار.
فمسار 4+4، والحوار المهيكل، واللجنة الاستشارية، وأي مبادرة أمريكية مقبلة، ستظل جميعها محدودة التأثير إذا لم تترافق مع اتفاق ليبي قادر على معالجة العقد القانونية والمؤسسية والأمنية.
والاختبار الحقيقي لا يكمن في إنتاج تفاهم جديد، وإنما في قدرة الأطراف على اعتماده وتنفيذه، وتوحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات العسكرية، ثم الوصول إلى انتخابات حقيقية تنقل ليبيا من إدارة الأزمة إلى بناء الدولة.



