مكاسب استثنائية لمصدري النفط في أفريقيا.. وارتفاع الأسعار يكشف هشاشة اقتصادات القارة
اضطرابات هرمز تعزز إيرادات ليبيا النفطية بـ3.3 مليار دولار

أعادت اضطرابات مضيق هرمز، على خلفية الحرب الإيرانية، رسم خريطة المكاسب والخسائر في قطاع الطاقة الأفريقي، بعدما أدت قفزة أسعار النفط والغاز والوقود إلى تعزيز إيرادات الدول المصدرة، وفي مقدمتها ليبيا، مقابل تحميل الدول المستوردة أعباء مالية إضافية ضخمة.
وبحسب البيانات حققت 9 دول أفريقية مصدرة للنفط والغاز مكاسب إضافية بنحو 21.6 مليار دولار خلال الفترة من مارس إلى أغسطس 2026، في حين تحملت 32 دولة أفريقية مستوردة تكاليف إضافية بلغت نحو 21.9 مليار دولار، لتصل التكلفة الصافية على القارة إلى نحو 300 مليون دولار.
ليبيا في صدارة المستفيدين
برزت ليبيا باعتبارها واحدة من أكبر المستفيدين من ارتفاع أسعار الطاقة خلال الأزمة، إذ حققت مكاسب إضافية تقدر بنحو 3.3 مليار دولار خلال الأشهر الستة محل الدراسة، لتحتل المرتبة الثالثة أفريقيًا بعد نيجيريا وأنغولا.
وتعكس هذه المكاسب الطبيعة النفطية للاقتصاد الليبي، إذ يمثل النفط الخام المصدر الرئيسي للإيرادات العامة والنقد الأجنبي، ما يجعل أي ارتفاع في الأسعار العالمية فرصة مباشرة لزيادة العائدات، شريطة الحفاظ على مستويات إنتاج وتصدير مستقرة.
وتأتي ليبيا خلف نيجيريا التي حققت مكاسب بلغت 7.5 مليار دولار، وأنغولا بنحو 4.5 مليار دولار، فيما سجلت الجزائر 2.8 مليار دولار، وجمهورية الكونغو 1.5 مليار دولار.
ارتفاع الأسعار يوسّع مكاسب المنتجين
ساهم الارتفاع الحاد في أسعار النفط والمنتجات النفطية والغاز المسال في تضخيم مكاسب الدول الأفريقية المصدرة للطاقة.
وخلال الفترة من مارس إلى أغسطس، ارتفع سعر خام برنت بنحو 35% فوق التوقعات السابقة للأزمة، بينما قفزت أسعار الديزل بنحو 59% والبنزين بنحو 43%.
كما ارتفعت أسعار الغاز المسال في منطقة المحيط الهادئ بنحو 75% فوق مستويات التقديرات السابقة للأزمة، مقابل زيادة بنحو 60% في حوض الأطلسي، فيما سجل وقود الطائرات ارتفاعًا بنحو 59%.
وتشير هذه الأرقام إلى أن اضطرابات طرق الإمداد العالمية لم تكن مجرد عامل ضغط على الأسواق، بل تحولت إلى مصدر إيرادات استثنائي للدول التي تمتلك فائضًا قابلًا للتصدير.
مكاسب مؤقتة أم فرصة لليبيا؟
ورغم أهمية المكاسب الليبية، فإن ارتفاع أسعار النفط لا يعني بالضرورة تحسنًا مستدامًا في الوضع الاقتصادي. فالإيرادات الإضافية الناتجة عن ارتفاع الأسعار تظل مرتبطة بعوامل خارجية شديدة التقلب، وفي مقدمتها الأوضاع الجيوسياسية وحركة الطلب العالمي واستقرار طرق التجارة.
وتطرح القفزة البالغة 3.3 مليار دولار سؤالًا أساسيًا أمام صانع القرار الليبي: هل تتحول الإيرادات الاستثنائية إلى دعم للاستقرار المالي وتنويع الاقتصاد، أم تظل مرتبطة بدورة ارتفاع أسعار النفط؟
وتزداد أهمية هذا السؤال في ظل اعتماد ليبيا الكبير على صادرات الخام، ما يجعل الاستفادة الحقيقية من ارتفاع الأسعار مرتبطة بقدرة المؤسسات الاقتصادية على إدارة الإيرادات، ورفع كفاءة الإنفاق، وتوجيه جزء من العوائد نحو قطاعات إنتاجية تقلل الاعتماد على النفط.
نيجيريا تتصدر.. ومصر أكبر المتضررين
في المقابل، جاءت نيجيريا في صدارة الدول الأفريقية المستفيدة بمكاسب إضافية بلغت 7.5 مليار دولار، مدعومة بمكانتها كأحد أكبر منتجي النفط والغاز في القارة، إلى جانب الزيادة الكبيرة في صادرات المنتجات النفطية بعد دخول مصفاة دانغوتي بقوة إلى السوق.
أما على الجانب الآخر، فتصدرت مصر قائمة الدول الأفريقية الأكثر تحملًا للتكاليف الإضافية، بنحو 5.2 مليار دولار، تلتها جنوب أفريقيا بـ3.5 مليار دولار، ثم المغرب بنحو 2.2 مليار دولار.
ويكشف هذا التباين عن مفارقة واضحة في سوق الطاقة الأفريقية؛ فالدول المنتجة تحصل على عوائد إضافية من ارتفاع الأسعار، بينما تتحمل الاقتصادات المستوردة فاتورة أكبر للطاقة والنقل والإنتاج، وهو ما قد ينعكس في النهاية على معدلات التضخم والقوة الشرائية للمستهلكين.
أفريقيا أمام معادلة طاقة شديدة الهشاشة
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الدول الأفريقية، إذ بلغت التكلفة الإضافية التي تحملها مستوردو النفط الخام والغاز والمنتجات النفطية المنقولة بحرًا عالميًا نحو 330 مليار دولار خلال الأشهر الستة التالية للأزمة، مقارنة بتوقعات أسواق العقود الآجلة قبل الحرب.
وبالنسبة لليبيا، تمثل هذه التطورات فرصة لزيادة العوائد النفطية، لكنها في الوقت نفسه تكشف استمرار تعرض الاقتصاد لمخاطر السوق العالمية. فارتفاع الأسعار يمكن أن يرفع الإيرادات سريعًا، لكن أي تراجع مفاجئ في الأسعار أو اضطراب في الإنتاج قد يعكس المعادلة بالسرعة نفسها.
وعليه، فإن المكاسب الليبية المقدرة بـ3.3 مليار دولار لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مكسبًا ماليًا عابرًا فحسب، بل كفرصة لإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية، وتعزيز الاستقرار المالي، والاستثمار في قطاعات قادرة على تقليل اعتماد الدولة على النفط كمصدر شبه وحيد للدخل.



